مقدمتي لكتاب بين يسوع وعيسى جسر منير لا يمكن تجاهله للأب الدكتور ميشال روحانا الأنطوني
أبدأ حديثي حيث كان ينبغي لي أن أختتم، وهو قول الله تعالى في القرآن الكريم عند الحديث عن خاتمية ما سنصل اليه في مواضيع الحوار الديني الإسلامي المسيحي (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)، وهدفي في ذلك أن أعتبر انطلاقاً من مفهوم هذه الآية بأن المرجعية النهائية للوصول إلى الحقيقة المطلقة وحسم الإختلاف العقائدي الإسلامي المسيحي ليست دنيوية مهما سعى كل منا إلى تقديم أدلة وبراهين يعتبرها فريقه موثقة والفريق الآخر بأنها مشكوك في صحتها أو في تأويلها، بل هي أخروية بامتياز حين المثول أمام الله تعالى يوم الدينونة. كل ما علينا فعله في حياتنا الدنيوية هي بناء الجسور والتربية على مبدأ الأخوة الإنسانية كما جاء في وثيقتها الموقعة بين الفاتيكان والأزهر وهو مما تجلت في الكثير من نصوصها داخل هذا الكتاب القيم.
في افتتاحية هذا الكتاب وقفت على منهجية مؤلفه الأب الدكتورميشال روحانا الأنطوني في السير على درب أصحاب العقول الراجحة الذين يبنون الجسور ويرمّمون الكسور ويطمرون الحفور. بينما في مسالك بعض الطرقات يرمي المشككون نصوصهم ليقولوا بأن عيسى الإسلام ليس هو يسوع المسيحية فهو شخص مختلف عنه في الزمان والمكان، ويتبعون ذلك بقولهم بأن امه مريم – التي يعتبرها القرآن أفضل نساء العالمين على الأطلاق – غير مريم الإنجيلية فهي في القرآن أختاً لهارون بينما هي في المسيحية ابنة يواكيم وحنا. وقد غاب عن هذا الفريق الإقصائي كما جاء في طيات هذا الكتاب في حديثه عن الرابط بين اسم عيسى ويسوع قد يكون متوافقاً مع اللهجات الشرقية السائدة في ذلك الزمان، إضيف اليه ما وقف عليه فيلون الإسكندري (فيلو السكندري)، الفيلسوف اليهودي الهلنستي الذي عاش في القرن الأول الميلادي بأن الكلمة اليونانية (ESSAIOI) أو (OSIOI)، تعني: “نقي، قديس، مقدس. وفق هذا الطرح، فإن الاسم القريب منها وهو “عيسى” وعيشو في الآرامية العراقية القديمة لم يكن في الأصل اسماً علمًا شخصيًا فقط، بل كان يحمل دلالة وصفية تعني “النقي” أو “القديس” أو “المقدس”. وهذا المعنى يتوافق مع الصورة التي يقدمها القرآن عن عيسى (وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين). كما يرى هولغر الألماني أيضاً أن أصلها سرياني آرامي وتعني: “النقي، الورع، الحكيم”.
وأما مريم القرآنية أم عيسى المسيح فليست هي أخت هارون وإلا لكان من الأولى أن يقول عنها بأنها أخت موسى حيث من المفترض أن تنسب صاحبة القدر الأسمى والأفضل على نساء العالمين، إلى النبي موسى وليس إلى أخيه هارون. وانما نسبت الى هارون لا بمعنى الأخت وإنما لأمرٍ آخر يدركه العالمون باللغات الساميّة ومن تكلم بلغاتهم، بارتباط اسماء الأبناء بالنسب الأعلى دون ذكر اسم الأب وما علاه مباشرة، فمثلاً ما ذكره الإنجيل في زيارة يسوع لأريحا من قصة (بَارْتِيمَاوُسُ الأَعْمَى ابْنُ تِيمَاوُسَ الذي كان جَالِساً عَلَى الطَّرِيقِ يَسْتَعْطِي، فَلَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ، ابْتَدَأَ يَصْرُخُ وَيَقُولُ، يَا يَسُوعُ ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي)… فهل يسوع هو ابن داوود، أم هو عبر أمه من سلالة داوود؟ وذِكْر مريم بأنها أخت هرون هو من باب تعلقها بنسب هرون إذ أن مريم هي من اللاويين المرتبطين من خلال هرون بخدمة الهيكل. فاللغات السامية يغلب عليها استخدام هذا الأسلوب المجازي في الأنساب. ومنه ما ذكر في كتاب روح المعاني للألوسي عن قول النبي محمد عن الحسين بأن ” في لسانه رتّة وحبسة فقال النبي عليه الصلاة والسلام فيه : إنه ورثها من عمه موسى ” فهل موسى هو عم الحسين بن علي ابن أبي طالب؟ وأما ارتباط إسم الحسين بالنبي موسى فهو من باب اعتبار أن الأنبياء جميعاً أخوة، لقول النبي : (الأنبياءُ إخوَةٌ لعَلَّاتٍ: دِينُهم واحِدٌ، وأُمَّهاتُهم شَتَّى).
واما ذكره القرآن بأن “مريم ابنة عمران” فباعتبار أن عمران رئيس العائلة التى تناسلت هى منها فهى من نسل هارون ـ عليه السلام ـ فتكون هي ابنته مجازاً على معنى أنها من نسله. نجد فى بدء إنجيل لوقا: أن ” أليصابات ” زوجة زكريا ـ عليه السلام ـ كانت من نسل هارون من سبط لاوى، وكان زكريا من نسل هارون من سبط لاوى. وتزوجت أليصابات زكريا. وأن مريم العذراء كانت قريبة لأليصابات. وإذا ثبت أنها قريبة لها؛ يثبت أن مريم هارونية من سبط لاوى. يقول لوقا: ” كان فى أيام هيرودس ملك اليهودية كاهن اسمه زكريا من فرقة أبِيّا، وامرأته من بنات هارون، واسمها أليصابات.. إلخ ” ويقول لوقا: ” وهو ذا أليصابات نسيبتك.. إلخ “؛ قال لها الملاك ذلك وهو يبشرها بالحمل بيسوع ـ عليه السلام ـ
هذه الأختلافات الإسمية سواء بسبب تغير اللهجات أو استبدال أحرفها ينبغي لنا أن نقاربها وفق اللغويات واللهجات السامية والتي تختلف عن مقاربتها في اليونانية واللاتينية القديمة والحديثة، كما أشارت المستشرقة Eva de Vitray Meyerovitch من خلال استخدام الشرقيين لكلمة الإبن والأب للتبجيل والإحترام ولو خارج الرابط الأسري بينما يستخدم الإغريق والمتحدثون باللغات المنبثقة من اللاتينية للدلالة البيولوجية الحصرية. هذه الإختلافات في الألفاظ واللهجات حتى داخل اللغة الواحدة جعلها القرآن الكريم مصدراً لقراءاته المتعددة. جاء في الحديث رواية عن النبي محمد قوله : “إن القرآن أنزل على سبعة أحرف (أي لهجات) فاقرءوا ما تيسر منه”: وذلك كي لا يضيق على من ينطقون بلهجات اخرى استخدام لفظ واحد. يقول أبو بكر السجستاني وهو من علماء القرآن الكبار : قرأ عليّ أعرابي في الحرم (المكي) الأية القرأنية )الّذينَ آمنوا وعملُوا الصّالحات طوبى لَهُمْ وحُسْنُ مآب) “سورة الرعد 29” فقلت له : (طوبى) » قال الأعرابي: (طيبى)؛ قلت له (طوبى) فقال الأعرابي: (طيبى) لم يكن متعوداً عليها » فلما طال عليّ الأمر قلت له “طوطو”: فقال الأعرابي: “طي طي”.. يعني لا فائدة” وكأنه يقول له : لن أغيّر لهجتي. أضيف أليها بأن من قواعدنا الفقهية التي نستند عليها في تشريعااتنا وفي احكامنا القضائية : قاعدة : “العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني”، أي العبرة بالحقائق لا بالمسميات. كما أن من ثنايا مواضيعنا الفقهية بأن من شروط تعيين المفتين هو اختيارهم من محيطهم الجغرافي كي لا تلتبس عليها الألفاظ والكلمات واللكنات. إضافة إلى أنه من المعلوم بأن لغات العالم مليئة بمئات الآلاف من الأمثلة عن استبدال الاسماء وتغير نطقها حتى داخل بلد واحد وداخل منطقة واحدة بل وداخل عائلة واحدة. في احدى المناطق الفرنسية التي أعيش فيها تختلف كثيرا هذه اللهجات والمسميات بين اللغة المحكية Patois واللغة القديمة breton والفرنسية الدارجة. فلماذا تقولات البعض التي تلوث جسور التلاقي لتّدعي وربما بعنف لفظي أحياناً بأن عيسى القرآني هو غير يسوع الانجيل، بسبب استبدال بعض الأحرف أو تغير نطقها وسهولة أو صعوبة التعبيرعنها من موقع جغرافي أو ثقافي إلى آخر؟
نقاط التلاقي التي يبنيها كتاب “بين يسوع وعيسى” لا تقف فقط على التأكيد بأننا نتكلم عن شخص واحد ولو اختلفنا في المعتقد اللاهوتي كنبيّ مرسل أو كابن متجسد للإله. في محاضرة كنت قد ألقيتها في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية INALCO في فرنسا تمهيداً لاقتراح كنت قد تقدمت به لإضافة مقرر عن مريم في القرآن والانجيل، استوقفتني باستفزاز احدى المستمعات داخل القاعة التي كانت تغص بالحضور قائلة باعتراض بأن مريم في المسيحية هي والدة الإله وهي ليست مريم في القرآن فكيف أسمح لنفسي بالتجني على المقاربة بينهما ؟ فأجبتها بأن في هذه القاعة نتشارك جميعا كاحزاب يمينية ويسارية ووسطية وكمنتمين لفلسفات وأفكار متعددة بحب فرنسا، وكل منا يرى فرنسا من خلال منهجيته الحزبية، فمنهم من يراها ملكية ويجب أن تعود كذلك ومنهم من يراها علمانية أو مسيحية أو متعددة الأديان والثقافات فهل نقول بأن فرنسا هي بقع جغرافية متناثرة ينتمي اليها كل واحد منا بحسب معتقده، وينبغي لنا والأمر كذلك الا نتشارك في صياغة مفهوم نلتقي عليه جميعا في محبتنا وعيشنا المشترك فيها ؟
مواضيع هذا الكتاب لا تتعلق اذن فقط بالمشترك الاسمي ليسوع وعيسى بحيث يؤكد المؤلف الأب الدكتور ميشال روحانا الأنطوني بأن اختلاف الاسم لا يعني اختلاف المرجع الشخصي, فالذي يسميه المسيحيون يسوع المسيح هو الشخص التاريخي الديني نفسه الذي يسميه القرأن المسيح عيسى ابن مريم مع بقاء الإختلاف الجوهري في تفسير هويته. وهو ما يلتقي في العمق الإيماني مع المسلمين. ولعله من المفيد أن نذكر مفارقة انفرد القرأن بذكرها عن عيسى وهي أن كل نبي من الأنبياء الذين ذكروا في القرٱن الكريم له قوم ينتمي اليهم، إلا عيسى بحيث لم يقرن القرآن اسم عيسى مع كلمة قومه مطلقاً، لأنه وُلد بمعجزة وجاء إلى الدنيا من غير أب، ولذلك لم يذكر القرآن على لسان عيسى مخاطباً بني إسرائيل: بكلمة “يا قوم” كما ذكره مع كافة الأنبياء، فكان لابد أن يناديهم بقوله: يا بني إسرائيل، وهذا ما فعله القرآن بحيث لا توجد ولا آية واحدة تشذّ عن هذه القاعدة .
يضيف الأب الدكتور ميشال روحانا الانطوني مواضيع أخرى مرتبطة بالتصورين المسيحي والإسلامي لعيسى ويسوع تتعلق بما يسميه القرآن بأن المسيح كلمة منه وروح منه، وعن خلقه بدون أب مثل آدم وعن صلبه وبمن شبه به أو لمن شبه إليهم، وعن موته ورفعه وعودته في آخر الزمان أو يوم الدينونة. مع مفارقة أعرّج بها على موضوع ما ذكره القرآن باصطفاء آدم وآل عمران على العالمين، ومعنى الإصطفاء الإختيار بين متعددين و(أن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) وهنا احب ان اعطيها اطلالة جديدة وهي ان المثلية بين آدم وعيسى هي في التمام والكمال، فكما ان عيسى ولد بكلمة من الله وروح منه داخل احشاء مريم ، فلم لا يكون آدم – الإنسان الأول – قد ولد من أم بشرية بكلمة من الله وروح منه. في مذهب عقائدي انتمي اليه فكرياً، نفرق بين البشر المخلوقات الأولية التي تطورت عبر ملايين السنين إلى أن تحولت إلى إنسان. ولعل اللغة العربية هي الوحيدة بين لغات العالم التي تستخدم المفردتين استخدامين مختلفين. في نصوص القرأن لا توجد آية واحدة تخاطب الصنف البشري بل خاطبت الناس والإنسان باعتبار أنهما عاقلان مدركان مميزان. فالخطاب كما هو معلوم لا يكون إلا لعاقل، والبشر الذين ننتمي اليهم كمنشأ أولي في الخليقة وكائنات سبقت وجود الإنسان (وليست قرودا)، لم تكن حينها كائنات عاقلة تستوجب مخاطبتهم. فيكون الرأي الذي يمكن مقاربته دينياً على جهة الإحتمال لا الإستيثاق بولادة آدم كما عيسى من أم بشرية تطورت وتوالدت وتكاثرت خلال حقبات طويلة من الزمن الى ان اصبحت اقرب الى شكل الانسان فيكون آدم هو أول انسان ولد من دون أب وفي بطن أم بشرية. وليكون هذا الرأي أقرب الى المنطق العلمي الذي يبني نظريته على مبدأ التطور دون أن يكون هذا التطور من حيوان إلى أنسان بل من بشر إلى إنسان. وبهذا يتحقق إصطفاء آدم بين مجموعات بشرية تحولت عبر ملايين السنين لتصبح كائنات عاقة مدركة فيولد آدم من دون أب ومن روح الله وبمقتضى كلمته من أم بشرية.
يختتم الكتاب بما جاء في آخر فقرته بحيث لا يكون الكلام بين يسوع وعيسى عن اسمين فقط بل دعوة إلى أن نعرف قبل أن نحكم، وأن نكشف قبل أن نتهم وأن نتعارف قبل أن نخاف، وأن نتعاون قبل أن نتخاصم وأن نتآزر بدل أن يستنزف بعضنا بعضاً وأن نحب قبل أن نقف أمام من هو المحبة والحق والعدل والديان…حتى نزيل الستار عن وجه الآخر لكي نكتشف ونحن ننظر اليه شيئاُ من الطريق الى الله.
وأختتم حيث كان ينبغي لي أن أبتدأ بقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾