مدونة

مقالي في جريدة اللواء : رسالة مفتوحة إلى الأمير الوليد بن طلال

الوليد بن طلال
مدونتي / من الصحف

مقالي في جريدة اللواء : رسالة مفتوحة إلى الأمير الوليد بن طلال

نشر في جريدة اللواء بتاريخ 25 أيلول – سبتمبر 2026

ما هكذا يكرّم الأوزاعي إمام بيروت وإمام العيش المشترك الإسلامي المسيحي، وجدك رجل الميثاق الوطني رياض الصلح؟

ماذا أصابت ذاكرتنا الدينية والوطنية من نسيان وإجحاف وجفاء وانعدام إبداع حضاري وهندسي لمقاماتنا المبنية والمشيدة وفق المنهجية الدروشية الإعتباطية في بلد متعدد الطوائف والأديان. زيارة ميدانية إلى الأديرة والمؤسسات التعليمية والجامعية غير الإسلامية تتبعها زيارة الى مؤسساتنا الدينية ومقاماتنا الدينية ومعاهدنا وجامعاتنا كفيلة وحدها لتفجر حمم بركانية عارمة في أنفس الشرفاء والغيارى على دينهم وطائفتهم ورموزهم الوطنية. ماذا أصابنا من عقم في الشعور والإبداع وارادة التطور وكأننا نعكس في داخلنا صورة الأحياء وأزقة العصور الوسطى المتناثرة والفوضوية والعبثية حيث تسمع وترى وتتنفس بداخلها مع كل شهيق روائح لا تشبه البتة أريج الياسمين والقرنفل والغاردينيا فهي لا تفوح الا في أزقة مشرقنا العربي – مزيج من التوابل والورود الجافة وصابون الغار ورائحة البغال والجمال ومازوت الدراجات النارية.

عدت بذاكرتي الى سنين خلَت عندما كنت مديراً عاماً لدار الفتوى إذ راودتني فكرة عن الدّيْن الواجب الوفاء من قبل المسلمين والمسيحيين على حد سواء لمقام الامام الأوزاعي الحالي وما يجاوره، إذ أنه لا يستحق أن يكون معلماً يليق بامام العيش المشترك بلا منازع. فإن كانت بعض المصادر التاريخية ذكرت بأن مسيحيي لبنان هم الذين اختاروا مكان دفن الإمام الأوزاعي وسط أشجار الصنوير في حينها، نظراً لما قدمه لهم من خدمات حافظت على وجودهم في مناطقهم في زمن كان الأسهل على الحاكم العباسي قطع الرؤوس من تهدأة النفوس، فقد أثرت في ذلك الوقت مشروع تشييد مساحة كبيرة خضراء تضمّ المقام والمسجد الجديد وتصل إلى البحر غرباً مع أبنية مبنية على الطراز القديم الصخري متنوعة الاستخدامات الدينية والمعرفية والسياحية، وتضم اليها في الجانب الشرقي الآخر من الطريق المساحات التي تقع عليها مؤسسات الدكتور محمد خالد، والأراضي المسجلة باسم ورثة عبد الله عبد اللطيف العثمان، وتكون هاتان المساحتان مرتبطتين حيث يشيد تحتهما نفق لمرور السيارات المتجهة الى الجنوب، او يشق طريق جانبي يلتف فيما وراء هذه المساحة من ناحية الشرق. فمن جهة فإن مقام الأوزاعي هو مدخل بيروت الجنوبي، ومن جهة أخرى يضم رفاة جدكم رجل الميثاق الوطني رياض الصلح، ورفاة المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد.. بقيت هذه الفكرة تراودني وتحدثت بها مع آخرين دون نتيجة.

المقامات الدينية الإسلامية والوطنية قليلة جداً، أيها الأمير إذا ما قورنت بالمقامات الدينية لباقي الطوائف، لا لسبب الا لقلة الموارد المخصصة لذلك، ولتقصير المسلمين بالإهتمام بمقاماتهم الدينية، بل وتتعداها الى غيرها من تقصير في الإهتمام بالحارات والشوارع وبناء المدارس والجامعات التي لا تليق بالوجود الاسلامي في بلد تتنافس فيه الطوائف الدينية المتعددة في كافة المجالات. يتحمل القسم الأكبر من مسؤولية هذا التقاعس والبلادة والإعاقة الإبداعية كافة المسؤولين الدينيين والسياسيين ورؤساء وأعضاء المجالس البلديات.

هذا إذا ما أضفنا الى هذه المسؤولية ما نشره عام 1662 أحد المستشرقين الألمان يوهان ستراوخ (Johann Strauch)، من دراسة اكاديمية باللغة اللاتينية عنوانها الأصلي “Berytus, seu ad Tit. Cod. De Metropoli Berytos”، اسم “بيريتوس (Berytus) هو الإسم” اللاتيني لمدينة بيروت. حيث يذكربأن البيروتيين القدماء كانوا مولعين بالترفيه بشكل استثنائي:

· مدينة القوانين ومهد الملذات” حيث وصف الشاعر نونوس البانوبوليسي بيروت بأنها “مدينة القوانين، ومهد الترفيه، وموطن الحب”.

ومما يذكره الكتاب أن تدشين المعالم في بيروت كان يُحتفل به “بأبهة، مصحوبًا بعروض مسرحية، ومسابقات موسيقية من كل الأنواع، وتنوع من وسائل الترفيه”، حتى أن المصارعين كانوا يُجلبون إلى المدرج.

وينقل ستراوخ عن الكتاب القدماء قولهم إنه “من بين جميع الأمم، لم تكن هناك أمة أكثر انغماساً في الترفيه من السوريين” (حين كانت بيروت جزء من الشام التاريخية).

· حياة الطلاب: حيث كان يُنظر إلى طلاب مدرسة الحقوق في بيروت على أنهم “لا يستحقون الحبس”، لأن “الألعاب أغرقت أكاديمية بيريتوس في الملذات”، ورأى القدماء أن عزلهم يُنتج “رجالًا بليدين” لا علماء مهذبين.

فلا بد من إرادة التغيير وقلب الموازين، وهز المشاعر عن طريق غرس المشاريع والإهتمام بالمقامات الدينية والوطنية والعلمية، وهذه الأمور لا تتأتى عن طريق الإعتماد على الحس الوطني والإسلامي الداخلي فحسب، بل هي رهن وديّن عليكم أيها الأمير وعربون وفاء لأمام العيش المشترك ولجدكم باني الميثاق الوطني.

مشاريع كثيرة يمكن أن ترى النور في مناطقنا الإسلامية، ليس أقلها مقر دار الفتوى الحالي وسط الأحياء الشعبية التي سبق لي أن اقترحت بسبب عدم توفر المال لنقلها الى أرض فردان ان توضع قناطر على جانبي الطريق المؤدي الى دار الفتوى لتكون ستاراً للمحلات التجارية الشعبية، كما الاستفادة من أرض فردان ( الأنروا سابقا) عبر اقامة مشاريع تجارية خشبية مؤقتة ريثما يتجمع المال لبناء دار الفتوى عليها. ناهيك عن مشروع معهد تفهم الاسلام كمعلم حضاري وثقافي من الطراز الأول في المبنى السفلي لمسجد أبي بكر الصديق ….مشاريع كثيرة كان يمكن لها أن ترى النور لولا الإعاقة الإبداعية التي أصيب بها المسؤولون الدينيون ورؤساء وأعضاء المجالس البلدية. ولنعد الى مقام الإمام الأوزاعي لأقول بأنه كان حريٌّ بالأمير الوليد بن طلال تبني هكذا مشروع حضاري يليق بالإمام الأوزاعي ومن دفن بجواره من قامات دينية وسياسية من الطراز الأول.

يُذكر من طرائف التاريخ بأن العثمانيين عند دخول جيوشهم أراضي النمسا، مع سابق إنذارهم للجيش المقابل، أن وقفوا على التلال المحيطة بالمدينة عند انجلاء نور الصباح فوجدوهم غارقين في النوم، فأطلقوا على هذه البلاد إسم «النام سة» التي تحولت الى النمسا.

فكن أيها الأمير المبادر إلى إفاقة هذه المشاريع من سبات أدراج المسوؤلين الدينيين والسياسيين أو من مطلقيها والمساهمين بها بداية وانتهاء.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solverwp- WordPress Theme and Plugin

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare