من أهم أولويات المؤسسة الدينية حصرية التعليم الديني بيدها وإلغاء المعاهد الدينية الأخرى
بقدر ما يتعرض العالم العربي والإسلامي الى حملات ممنهجة خارجية لتقسيم ما سبق تقسيمه يتخبط داخليا في طرق المواجهة، وكأن المقصود هو تضافر العوامل الخارجية والداخلية لتفتتيته من الداخل والخارج. لا شك بأن شعوب المنطقة لديها معدل ذكاء عاطفي يفوق باقي الشعوب، فعندما تستثار تصبح ردات الفعل لديها تلقائية وعفوية وعاطفية، ولكن الأخطر أنها سريعة وغير مدروسة. إذا تركنا العوامل الخارجية للأزمة التي نعيش فيها واكتفينا بدراسة السلوك الداخلي لشعوبنا، فإننا سنجد بأن الجهل والتشدد والتعصب والغلو يشكلون العناصر الرئيسية التي تحركهم. إضافة الى هذه العناصر والتي تجد في الجهل في تفسير النصوص الدينية مرتعاً خصبا لها، يشكل غياب المؤسسة الدينية الجامعة عنصرا رئيسيا للتخبط وعدم وضوح الرؤية عند كل مواجهة.
فغياب المؤسسة الدينية أو تبعيتها للدولة يؤدي حتماً الى وثوب الجمعيات والحركات الى الواجهة لتملئ الفراغ الذي تركه غياب واضمحلال المؤسسة الدينية الجامعة. ولا شك فإن هذه الجمعيات ستكون تابعة لأفكار ورؤى شهدها العالم الإسلامي منذ نشأته. ففلسفة فكر الخوارج وإعادة صياغته والتقاطه من قبل بعض الحركات المتشددة التكفيرية، ومنهجية الإغتيالات والقتل التي سادت في القرن الحادي عشر الى القرن الثالث عشر الميلادي والتي كان الحشاشون قادتها، والحركات السلفية المتشددة والتي ترى في وجود التنوع الديني تحديا لها وعلامة ضعف للمجتمعات الإسلامية، وحركة الإخوان المسلمين التي ترى بأن ممارسة السلطة هي الطريق الوحيد لبناء مجتمع إسلامي ناهض، الى غير ذلك من حركات وتجمعات هنا وهناك أدت الى إلصاق كل ما يقومون به من نشاطات ويحملونه من أفكار في صميم الدين الإسلامي.
لا شك بأن الحركات المتشددة التكفيرية – دون النظر الى من يحركها- تشكل الخطر الأكبر على نهضة العالم الإسلامي وتقدمه، إضافة الى اضمحلال الوجود الإسلامي في الغرب، وانحسار تأثير الدول العربية والإسلامية على السياسة الدولية.
تعتمد هذه الحركات على تفسيرات قديمة وجدت في فترة من الفترات في العالم الإسلامي ، وهي تتبنى التشدد والغلو في علاقة المسلمين مع غيرهم وضرورة إعادة الحكم الإسلامي وفرضه بالقوة المسلحة وإخضاع المسيحيين والأقليات الأخرى الى السيف أو الجزية أو الإسترقاق والإستعباد والنفي. ومن الآثار السلبية لهذه الأفكار أنها تستغل العنصر الشبابي الناشئ وغير المطلع على قواعد الدين فتهيئه حتى يكون قنابل موقوته في الأماكن الاستراتيجية التي تريد إرسال الرسائل اليها. تماما كما كان يفعله أمير الحشاشين عندما يستغل الشباب في مقتبل العمر للقيام بالإغتيالات السياسية بعد تجهيزه عقائديا ووجدانيا وعن طريق تعاطي “الحشيش” للدخول الى الجنة ومخالطة الحور العين.
كيف نقلل من خطر هذه الأفكار ونحد من نشاطاتهم : لا شك بأن وجود المؤسسة الدينية الجامعة والتي تتمتع عن طريق السلطة التي تمارسها على أرض الواقع، وبالقبول لدى فئات المجتمع هي الضمان الرئيسي للحد من هذه الأفكار المتشددة والتكفيرية. سيكون من أولى أولويات هذه المؤسسة هي إعداد علماء دين مقتدرين من علومهم الشرعية وعصريين منفتحين على العالم وعلى الثقافات الأخرى. حتى يتسنى ذلك لا بد من إقفال كافة المعاهد الدينية الموازية وحصرها في المعاهد والجامعات التي تعتمدها المؤسسة الدينية والتي يكون لها اعتراف دولي وتنسيق وتبادل خبرات مع الجامعات في العالم. ولا بد للمؤسسة الدينية الجامعة الإشراف على مسلكيات الجهاز الديني وعدم التردد في إحالة الفاسدين إلى المساءلة القانونية والإقصاء، وأيضاً إعادة الثقة الى هذا الجهاز ودعمه على كافة الأصعدة.
ومن هذه الأولويات إعادة درس وتقييم الكتب الدينية التي تدرس في المدارس الخاصة والعامة والإشراف التام على ما تكتبه على ضوء التعاطي الإيجابي مع التعدد الطائفي والديني وزرع مفهوم المواطنة وأسس الأخلاق لدى التلاميذ في المدارس.
لا بد من الجرأة وحسن التعاطي مع الفئات التي استغلتها الحركات المتشددة والتكفيرية وإعادة تأهيلهم على المبادئ الإسلامية السمحة والحد من استغلالهم من قبل هذه الحركات وذلك بتوعيتهم في المساجد والمراكز والجامعات وإيجاد فرص العمل لهم وحثهم على الإنخراط في النشاطات الدينية الاجتماعية التي يعود نفعها على المجتمع بأسره.