موالاة غير المسلمين في مفهومه الخاطىء
عندما حاول السلفيون “الجهاديون” إحكام سيطرتهم على مالي، كما الدواعش في بلاد الشام، كان أول همهم الدعوة إلى أسلمة العالم، وعدم موالاة غير المسلمين، وقطع الأيادي والأرجل، وشرعنة السبي وإعادة الرق وتحريم الموسيقي وهدم الزوايا والتكايا واحراق الكتب المخالفة لعقيدتهم. لم يكن همهم تدعيم الإقتصاد ومحاربة الأمية والجهل وتزفيت الطرقات وتأمين الطعام وبناء المستشفيات، ولا توزيع الإبتسامة، أو إشاعة الطمأنينة. من منظورهم الديني المنغلق والملتوي هذه الامور لا تعد من الكماليات ولا التحسينيات وإنما يدخل الكثير منها تحت قائمة البدع التي يجب محاربتها.
في مقلب آخر، وبعد الموجة الثقافية الإبداعية التي حاولت دراسة الإسلام بعمق وشفافية في أوروبا، وأنتجت مؤلفات أثرت المكتبة الإسلامية ودفعت ببعض كبار المثقفين إلى اعتناق الإسلام، انتشرت التيارات السلفية والوهابية في أوروبا منذ نهاية القرن العشرين، ورافق ذلك استبدال الإسلام الفكري والحضاري والأكاديمي بالإسلام الشكلي المتمسك بالمظاهر الخارجية في اللبس والهيئة وتربية اللحية وارتداء الجلابيب ووضع “الطاقية” البيضاء على الرأس ولبس النقاب. لم يصاحب دعوة هذه الفئات المتشددة التي ازدادت عدداً وأصبحت أكثر نفيراً، الى التمسك بجوهر الإسلام ومضامينه الأخلاقية وتقديمها على المظاهر والأشكال الخارجية، ولا إلى ترسيخ التعاليم الإسلامية سواء في المعاملات بين الأفراد أو المجتمعات من خلال تحويلها إلى منهج حياة متكامل يحترم الإنسان والمجتمع الذي يعيش فيه ويبنى على الصدق في التعامل مع الآخر. بل على العكس تماماً لم يغير هذا المظهر الخارجي الذي أضفوا عليه ثوب القداسة في سلوك بعضهم، فبقي مسلكهم على حاله إن لم يزدد عنفاً وسوءاً وتحدياً ومعادياً للآخر غير المسلم.
لقد غاب عن ذهن هؤلاء بأن الأديان هي في الأصل دعوة إلى الأخلاق وحسن التعامل واحترام الحياة الإنسانية وتحقيق السعادة لما فيه خير البشرية، وهذا مما يستفاد من التعريف الذي قال به الباجوري في جوهرة التوحيد : “الدين هو وضع إلهي سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم المحمود الى ما هو خير لهم بالذات”. بعض الذين اتبعوا هذه الأديان لأسباب منفعية أو عاطفية محضة أو قد تكون إيمانية غير واعية، تسببوا في كل العصور بصراعات شهدتها ومازالت تشهدها الإنسانية إلى هذا اليوم عن قصد أو بدون قصد. لا يوجد تناقض بين الإيمان ومبدأ الخيرية العامة بل هما صنوان، وإنما هناك تناقض ما بين الجهل الذي يصيب المؤمن ومبدأ الخيرية العامة، وقد يكون خطر المؤمن الجاهل هو اكثر بكثير من خطر الجاحد العالم. كما لا يوجد تناقض بين الإيمان والعاطفة، فالعاطفة الدينية مطلوبة ولكن بشرط أن تنضبط داخل نطاقها الايماني ولا تنجرف إلى المغالاة التي تؤدي الى التعصب والتعصب الذي يؤدي الى العنف والعنف الذي يؤدي إلى الصراع مع الآخر. ولا يوجد تناقض بين الإيمان والأنفعية العامة التي يعم خيرها على الإنسانية جمعاء وإنما هناك تناقض بين الإيمان والأنفعية الشخصية المقيتة التي يسعى الإنسان عن طريقها الى تحقيق المكاسب والسلطة والزعامة على حساب إفقار الناس وكبت حرياتهم وإخضاعهم لقواعده الاستبدادية والتي يعتبرها ضامنة لوصوله الى مبتغاه.
فالدين إذاً يُبنى على العلم ولا عجب بأن يكون أول الوحي في الكتاب المقدس : “في البدء كانت الكلمة” ، ولا عجب أيضاً أن يكون أول الوحي في الإسلام : “إقرأ “. فالنص الديني له معانيه الخاصة التي تبنى عليه استنتاجاته وأحكامه والتي قد لا يدركها كثير من الناس، والجهل بها وعدم الإحاطة بمقتضياتها قد تؤدي إلى عواقب وخيمة على الأفراد أنفسهم وأسرهم ومجتمعاتهم.
ولعلّ من الأمور التي بنى عليه المتشددون مفاهيمهم الخاطئة، مسألة اتخاذ غير المسلمين أولياء من دون المسلمين ففهموها بأنها وجوب أخذ الحيطة وتجنب مخالطة غير المسلمين على اطلاقها. بل وأن هذه الحيطة لا تتوقف في مصطلحهم على مستوى الديانات المختلفة غير الإسلامية بل تتعداهم إلى الحذر في مخالطة المذاهب التي تنتمي إلى دين واحد، ولا تقف على هذا الحد بل تتعداه أيضاً الى الحيطة في التعامل ما بين إنتمائين مختلفين داخل المذهب الواحد، ولعل داخل الإنتماء الواحد يوجد اتجاهان مختلفان ما يلبثا أن ينقسما على بعضهما البعض ويولدان متناقضين متحاربين جديدين.
وإذا عدنا إلى المصدر الديني الأساسي فسنجد قول الله تعالى في القرآن الكريم : ” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم “، فكيف سيفهم المؤمن هذه الآية التي تدعو الى التعرف وإقامة العلاقات مع بني البشر إذا قرأ آية عدم موالاة غير المسلمين، وكيف سيني على هذه الآية الأخيرة أحكامه في معاملة أبناء الدين الآخر.
تقول الآية القرآنية : ﴿8 إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ فالمسلم مطلوب منه ألا يتخذ الذين يقاتلون المسلمين في دينهم ويخرجوهم من ديارهم ويتظاهروا على إخراجهم مناصرين لهم وأعوان، والنهي عن اتخاذهم أولياء ليس بوصفهم شركاء وطن أو جيران سكن أو زملاء عمل أو أصدقاء في الدراسة أو في أي جانب من جوانب الحياة الإجتماعية، ولكنه نهي عن مناصرتهم في حال كونهم جماعة معادية لجماعة المسلمين تحاربهم بنفسها أو تمالئ عليهم أعداءهم المحاربين لهم، وبوصفهم أيضاً جماعة تتخذ من تميزها الديني لواء تستجمع به قوى المناوأة للمسلمين والمحادة لله ورسوله.
والمثال الذي تتضح به صورة هذا النهي في هذه الآية القرآنية هو العلاقة التي يجب أن تكون بين مسلم اليوم – سواء كان موطنه في دولة عربية أو إسلامية أو غربية أو حتى في فلسطين المحتلة – وبين الصهاينة من اليهود الذين يحتلون أرضنا في فلسطين ويقتلون أهلنا ويشردونهم بإخراجهم من ديارهم بغير حق، وحتى بإقفال ما تبقى لهم من متنفس نحو الخارج . فهؤلاء تجب معاداتهم والوقوف موقف الإنكار والشجب لكل ما يفعلون. وهذا يمتد أيضاً على حركة المسيحيين المتصهينين الذين يعادون الإسلام ويستهزؤون بمبادئه ويزورون تعاليمه ويساعدون الصهاينة الإسرائيليين في شتى المجالات سواء في تقوية وشرعنة الإحتلال أو في تزويدهم بالمال والعدة أو في مؤازرتهم على أعلى مستوى على صعيد الإعلام الدولي المتحيز لإسرائيل. وأما اليهود العرب وغيرهم الذين يعيشون في بلادنا أو في البلاد الأجنبية وهم مواطنون في هذه الدول فنحن لا نعاديهم ولا نحاربهم ولا نصد الآخرين عن التعامل معهم بل على العكس تماماً نتقاسم معهم خيرات هذا البلد ونتقاسم أفراحهم وأطراحهم.
فتكون موالاة غير المسلمين الذي نهى القرآن عنه في مواضع متعددة قد جاء مرتبطاً بحوادث تاريخية مثل المحادة لله والرسول أو مرتبطاً بإخراج الرسول والذين آمنوا به من مكة . أو في حالة الحرب والعدوان من جانب غير المسلمين فيكون النهي مقترناً في هذه الحالة بكون هذه الموالاة من جانب بعض المسلمين الذين يتولون غير المسلمين من دون موالاتهم للجانب الآخر من المسلمين. والموالاة المنهي عنها أيضاً هي للذين يتخذون دين الإسلام مادة للعبث والإستهزاء وحتى أن القرآن ينهي المسلمين عن مجرد مجالسة الذين يخوضون بغير علم في القرآن الكريم استهزاءً به ولو كانوا من المسلمين المتظاهرين بإيمانهم بهذا الدين، فمن باب اولى أن يكون هذا النهي مع الذين يخالفونهم دينهم إذا جرى الإستهزاء والفتنة على السنتهم.
وهذه الأمور التي ذكرها القرآن الكريم في مجال النهي عن موالاة غير المسلمين ليس له علاقة بالصلة اليومية المعتادة بين شركاء الوطن سواء من أهل الإسلام أو من الأديان الأخرى. فإن الراشدين العاقلين لايعادون من يتقاسم معهم أوطانهم في سبيل مؤازرة قوة أجنبية معادية أو يسلكون مسلك الجاهلين السفهاء الذين يهزؤون بديانة شركاءهم في الوطن ويلعبون برموزه وشعائره. ومن يتصف بهكذا مواصفات فإن المسلم الذي يتخذه ولياً من دون المؤمنين سواء بمعنى النصرة أو بمعنى الصداقة يكون آثماً باختياره جانب عدوه أو جانب المستهزئ بدينه على حساب عقيدته. وهذا مبدأ لا يعارضه أي إنسان سليم سواء كان مسلما أو غير مسلم . حتى أن الإسلام يمنع أتباعه من سب آلهة المشركين كي لا يسب المشركون دين المسلمين :﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ إذا كان هذا سلوك المسلم مع الوثنيين فكيف إذا كان الأمر مع أديان أهل الكتاب الذين يؤمن بهم المسلم ويبجل أنبياءهم ويذكرهم في صلاته ويتسمى بأسماءهم ويقتضي بأقوالهم وافعالهم. بل وكيف سيكون الأمر ما بين المسلمين أنفسهم بمختلف مذاهبهم وتشعباتهم وأحزابهم، فاحترام خصوصية المذاهب وعدم التعرض للرموز الدينية التي يؤمنون بها، هي من أولى المطالب التي يتعين مراعاتها، امتثالا لقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : “لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض”.
النصوص الدينية كما في باقي الأديان السماوية تحدثت عن وقائع معينة، فُهمَ من ظاهرها العنف وتأجيج الصراع إلا أن الأمر ليس كذلك ولا يجوز إطلاقها واستخلاص النتائج منها وتطبيقها على كافة العصور والأزمنة، بل لا بد من فهمهما بعمقها التشريعي والذي قد يكون تشريعاً آنياً مؤقتاً شرع وفق ظروف معينة. فيجب فهم هذه النصوص الدينية إلى أنها أُوحِيَ بها من رب رحيم مشفق محب عادل يريد بها سعادة الناس جميعاً من خلال دعوتهم كافة الى الإلتقاء والتعارف والتحابب فيما بينهم ونبذ التعصب والتقاتل وأن أي خروج عن هذا المفهوم خارج الدفاع عن الدين وعن االزود عن الوطن من الاحتلال، هو خطأ في ادراك الناس لحقيقته التي لا يتحمل مسؤولية الجهل بها سوى الناس أنفسهم ولا يتحملها مطلقاً رب العالمين ولا الرسل الذين أرسلهم لتبليغ رسالته اليهم، ولا الأديان التي جاء بها لإرشادهم على مر العصور والأزمنة.