مدونة

من هم «المغضوب» عليهم و«الضالين» في سورة الفاتحة ؟

الفاتحة
العيش المشترك / مدونتي

من هم «المغضوب» عليهم و«الضالين» في سورة الفاتحة ؟

بين الفينة والأخرى تنتفخ الأوداج وتشرأب الأعناق وترتفع أصوات الحناجر عند فريق من المسلمين والمسيحيين لتؤكد صوابية ما نقل في تفسير البعض لسورة الفاتحة لجهة آخر آيتين منها بأن المقصود في ” المغضوب عليهم” اليهود و”الضالين” هم النصارى، وأن المقصود باللذين أنعمت عليهم هم المسلمون. بل وأنه تقدم في بعض الأحيان كتيبات في مجالس عزاء للترويج لهذا التفسير للذين يتوافدون الى هذه المجالس من مسلمين ومسيحيين على حد سواء. إضافة لما تذخر به مواقع شبكة الأنترنت بهذه التفسيرات التي وردت فيها بعض الأحاديث النبوية، دون التمحيص في صحتها أو ضعفها.

قد يكون من المجدي لإقناع هذين الفريقين بضعف هذه التفاسير وعدم اعتمادها أن نسوق التفسير الأكثر صوابية ودقة لعالميْن من كبار علماء الدين الراسخين في علم التفسير والعقيدة والمؤهلين حقاً لاتباعهما دون الآراء الضعيفة لمفسرين الآخرين، وهما للإمام الأكبر الشيخ محمد عبده، ولإمام التفسير الشيخ محمد متولي الشعراوي.

يرى الشيخ محمد عبده في كتابه الصادر بمطبعة الموسوعات بباب الخلق عام 1319 هـ، أنه لا خلاف على أن سورة الفاتحة من أوائل السور التى نزلت على النبي محمد و« لم يكن المسلمون في أول نزول الوحي بحيث يطلب الاهتداء بهداهم وما هداهم إلا من الوحي ثم هم المأمورون بأن يسألوا الله أن يهديهم هذا السبيل، سبيل من أنعم الله عليهم»، في إشارة منه كما يقول إلى “الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من الأمم السالفة ».

ويستند الشيخ محمد عبده في تفسيره إلى أن “ثلاثة أرباع القرآن تقريبًا قصص وتوجيه للأنظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم في كفرهم وإيمانهم وشقاوتهم وسعادتهم، ولا شىء يهدى الإنسان كالمثلات والوقائع”.

وكما يقول الشيخ محمد عبده: «القرآن يبين لنا الجواب وهو يصرح بأن دين الله في جميع الأمم واحد، وإنما تختلف الأحكام بالفروع التى تختلف باختلاف الزمان، وأما الأصول فلا خلاف فيها»، مستندًا إلى قوله تعالى: «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم»، و«إنا أوحينا إليك، كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده».

ويستند في تفسيره إلى أن «الاعتقاد بالله والنبوة وبترك الشر وبعمل البر والتخلق بالأخلاق الفاضلة مستو في الجميع، وقد أمرنا الله بالنظر فيما كانوا عليه والاعتبار بما صاروا إليه، فنقتدى بهم في القيام على أصول الخير، وهو أمر يتضمن الدليل على أن في ذلك الخير والسعادة».

ثم أعطى الشيخ محمد عبده تفسيراً لهاتين الآيتين الأخيرتين من سورة الفاتحة، وهو قوله تعالى: «غير المغضوب عليهم»، قائلًا : «المغضوب عليهم، هم الذين خرجوا عن الحق بعد علمهم به، والذين بلغهم شرع الله ودينه فرفضوه ولم يتقبلوه».

كما شرح أن المغضوب عليهم «ضالون أيضًا لأنهم بنبذهم الحق وراء ظهورهم قد استدبروا للغاية واستقبلوا غير وجهتها فلا يصلون إلى مطلوب، ولا يهتدون إلى مرغوب»، مقسمًا الضالين إلى أقسام :

القسم الأول من الضالين هم «من لم تبلغهم الدعوة إلى الرسالة أو بلغتهم على وجه لا يسوق إلى النظر، فهؤلاء لم يتوفر لهم من أنواع الهداية سوى ما يحصل بالحس والعقل، وحرموا رشد الدين».

أما القسم الثانى فهو : «من بلغته الدعوة على وجه يبعث على النظر، فساق همته إليه واستفرغ جهده فيه، ولكن لم يوفق إلى الاعتقاد بما دعى إليه، وانقضى عمره وهو في الطلب، وهذا القسم لا يكون إلا أفرادًا متفرقة في الأمم، ولا يعم حاله شعبًا من الشعوب، فلا يظهر له أثر في أحوالها العامة، وما يكون لها من سعادة وشقاء في حياتهم الدنيا».

 أما القسم الثالث : فلمن « بلغتهم الرسالة وصدقوا بها بدون نظر في أدلتها، ولا وقوف على أصولها فاتبعوا أهواءهم في فهم ما جاءت به في أصول العقائد، وهؤلاء هم المبتدعة في كل الدين، ومنهم المبتدعون في دين الإسلام، وهم المنحرفون في اعتقادهم عما تدل عليه جملة القرآن».

وأما «القسم الرابع : « فالضلال في الأعمال وتحريف للأحكام عما وضعت له، كالخطأ في فهم معنى الصلاة والصيام وجميع العبادات، والخطأ في فهم الأحكام التى جاءت في المعاملات».

وبعد شرح مطول لمقاصده، يتوصل الشيخ محمد عبده إلى أنه «علّمنا الله تعالى كيف ندعوه، بأن يهدينا طريق الذين ظهرت نعمته عليهم بالوقوف عند حدوده، وتقويم العقول والأعمال بفهم ما هدانا إليه، وأن يجنبنا طرق أولئك الذين ظهرت فيهم آثار نقمه بالانحراف عن شرائعه سواء كان ذلك عمدًا وعنادًا أو غواية وضلالًا».

تفسير الشيخ الشعراوي  :

وقوله تعالى : {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم}.. أي غير الذين غضبت عليهم يا رب من الذين عصوا. ومنعت عنهم هداية الاعانة.. الذين عرفوا المنهج فخالفوه وارتكبوا كل ما حرمه الله فاستحقوا غضبه.

ومعنى غير {المغضوب عَلَيْهِم} أي يا رب لا تيسر لي الطريق الذي نستحق به غضبك. كما استحقه أولئك الذين غيروا وبدلوا في منهج الله ليأخذوا سلطة زمنية في الحياة الدنيا وليأكلوا أموال الناس بالباطل.

وقد وردت كلمة {المغضوب عَلَيْهِم} في القرآن الكريم في قوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير وَعَبَدَ الطاغوت أولئك شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السبيل} [المائدة: 60] وهذه الآيات نزلت في بني اسرائيل. وقول الله تعالى: (ولا الضالين) هناك الضال والْمُضِل.. الضال هو الذي ضل الطريق فاتخذ منهجا غير منهج الله.. ومشى في الضلالة بعيدا عن الهدى وعن دين الله.. ويقال ضل الطريق أي مشي فيه وهو لا يعرف السبيل الى ما يريد أن يصل إليه.. أي أنه تاه في الدنيا فأصبح وليا للشيطان وابتعد عن طريق الله المستقيم.. هذا هو الضال.. ولكن المضل هو من لم يكتف بأنه ابتعد عن منهج الله وسار في الحياة على غير هدى.. بل يحاول أن يأخذ غيره الى الضلالة.. يغري الناس بالكفر وعدم اتباع المنهج والبعد عن طريق الله.. وكل واحد من العاصين يأتي يوم القيامة يحمل ذنوبه.. الا المضل فانه يحمل ذنوبه وذنوب من اضلهم. مصداقا لقوله سبحانه: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} [النحل: 25] أي أنك وأنت تقرأ الفاتحة.. فأنك تستعيذ بالله أن تكون من الذين ضلوا.. ولكن الحق سبحانه وتعالى لم يأتِ هنا بالمضلين. نقول انك لكي تكون مضلا لابد أن تكون ضالا أولا.. فالاستعاذة من الضلال هنا تشمل الاثنين. لأنك مادمت قد استعذت من أن تكون ضالا فلن تكون مضلا أبداً.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solverwp- WordPress Theme and Plugin

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare