مدونة

التدين بين المغالاة والوسطية

altad
مدونتي

التدين بين المغالاة والوسطية

ابتلت كل العقائد الدينية بوجود تيارات متشددة إلى درجة الجمود وتيارات متفلّتة بلا قيود ولا حدود. وبينهما تيارات متأرجحة بين الثابت المرصود والمرفوض المردود. فالحريديم اليهود – حتى نتكلم حصريا عن الأديان الإبراهيمية – يتميزون بتبنيهم للتفاسير الأكثر غلواً في التراث الديني، وهم المغالون في أداء العبادات والطقوس الدينية، يقابلهم الحيلونيم المتفلتون من كل القيود والقيم الدينية، والحسيديم  وهم جماعة تمرّدت على النخبوية الدينية لعالم الحاخامات وحكماء التوراة. وفي المسيحية الكاثوليكية – حتى لا نتكلم الا عنها – توجد حركات مناوئة لسلطة البابا ولا يتبعون تعليماته وارشاداته مثل التي أسسها مونسونيور Marcel Lefebvre و Richard Williamson وغيرهما من الذين نشطوا في معارضتهم للتيار الفاتيكاني المنفتح نحو الأديان غير المسيحية، ولاعتماده اللغات غير اللاتينية في الصلاة، وهما النقطتان اللتان اقرهما الفاتيكان في المجمع الفاتيكاني الثاني الذي انعقد ما بين سنة ١٩٦٢ إلى سنة ١٩٦٥، ويعد قبول ما جاء فيه شرطاً أساسياً لإعادة ضم الفئات المعارضة الى سلطة البابا.

وأما عند المسلمين فحدث ولا حرج فهناك تيارات تعتمد على العقل وتجعله سابقاً على الشرع، وعلى عكسها تيارات تعتمد على الشرع وتجعله مهيمناً على العقل، وتيارات فكرية تقف عند النصوص الدينية بحرفيتها ولا تتعداها مطلقاً ولو أدى فهم هذه النصوص الى تضييق المعاني بحيث  لا تخرج عن إضفاء صفات المحسوس الملموس الى الذات الإلهية، وتيارات فكرية تتعدى المفاهيم اللفظية الى المعاني المجازية. إضافة الى تيارات فكرية قديمة ومعاصرة متشددة وتكفيرية وتيارات متفلتة ومتحررة، وأخرى وسطية مجددة ومحدثة. وأما من الناحية الفقهية، فهناك  التجاذب بين مدرستي أهل الرأي وأهل النص، حتى أن مؤسسي هذه الأخيرة كانوا يقدمون أحاديث الآحاد والأحاديث الضعيفة على العقل ويعتبرونه مصدراً من مصادر التشريع، فالإمام أحمد ابن حنبل مؤسس المدرسة التي تفرعت عنها الوهابية بعد ذلك يقول : “الحديث الضعيف أحب الي من رأي أبي حنيفة الحسن”.

ومن هذه الإختلافات ومعالم التشدد طريقة فهم وتطبيق النصوص الدينية، فمنهم من يتشدد في أمور الدين والإنغلاق حتى لتراه يتنصل من كل ما هو يسر وانفتاح معتقداً بأنه بمثل هذا التشدد يحافظ على ذاتية الإسلام وخصوصيته وعدم ذوبانه، وأنه يكون الأشد حرصاً على الدين عند تضييقه لمفاهيم النصوص الى حد الأخذ بأشدها وأرهقها على نفسه وجماعته. وهذا الفريق ليس مستحدثاً في الإسلام بل هو مرتبط بسجيّة في النفس البشرية تغوى التضييق والتشدد وتنفر من التسهيل والتجديد والترخيص والتبسيط، كما هي حال الأمثلة التي سبق ذكرها في اليهودية والمسيحية. حتى أن هذه السجيّة كان لها من يتبعها في عهد النبي بل وكانت لهم الجرأة في تحدي النبي نفسه، فقد “جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا كأنّهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النّبي صلى الله عليه وسلم، قد غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، قال أحدهم: أمّا أنا فإنّي أصلي اللّيل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدّهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النّساء فلا أتزوّج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: «أنتم الّذين قلتم كذا وكذا؟! أما والله إنّي لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنّي أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوّج النّساء، فمن رغِبَ (أعرض) عن سنّتي فليس منّي”

 يقابل هذا الفريق المتشدد السّاعون الى تطويع النصوص الدينية لدرجة التسيب والإنصهار والإنعتاق من الثابت الموثق بحجة التجديد والتحديث بينما هم يسعون في الحقيقة الى إرضاء الحاكم أو الجماعات ذات النفوذ والغلبة. وما بين هذا التيار المتفلت وذاك المتشدد يأتي التيار الوسطي الذي يعتبر بأنه ليس من باب المحافظة على التراث، الحرص على تقليده مع العلم بأنه خطأ، أو التوهم بان البحث فيه قد يوقعه بالمحظور، وليس خروجا عن المألوف المتوارث التصحيح الذي يعيد للمباديء اصوليتها وانفعيتها للناس ومواكبتها للتجدد المنضبط المبني على الايمان والعلم والمعرفة والحكمة. وهذا المنحى هو سجية عند بعض البشر الذين يسعون الى التوفيق بين ثوابت النص ومقتضيات العقل وضرورات التقدم والتطور. في سعيهم الحميد الى ذلك ترتسم معالم منهجيتهم بتطبيقهم القاعدة الذهبية التي سار عليها أئمة الإجتهاد والتشريع : “إذا تعارض العقل والنقل قدم العقل وأوّل النقل تغليباً للمصلحة المعتبرة وإعمالاّ لمقاصد الشريعة”.

مناهج وآراء متعارضة ومتنافرة وفي بعض الأحيان باغضة متقاتلة، وليس من السهل الخروج من كهف المنحى المتشدد والمتعصب، ولا التخلي عن المنهجية الوسطية لكبار علماء الإجتهاد والتجديد والتحديث تغليباً للمصلحة ولمقاصد الشريعة، ويبقى الخيار أن يعذر كل أصحاب منهج الآخر، دون إفتراء أو تجريح أو تسخيف.

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare