ترجمة مقال صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال عن العيد الوطني للبشارة
ترجمة مقال صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال عن العيد الوطني للبشارة
نُشر هذا المقال لأول مرة في صحيفة
في 25 مارس 2016 Daily Star
خطوة بيروت الجريئة: تعزيز التسامح في عام 2010
اتخذت الحكومة اللبنانية خطوة جريئة ومبتكرة باسم الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي والتسامح بين الشعوب حيث أعلنت الحكومة عطلة وطنية للاحتفال بعيد البشارة، وهو ذكرى اللحظة التي كشف فيها الملاك جبرائيل للسيدة العذراء مريم أنها ستصبح والدة يسوع. على الرغم من أن عيد البشارة يُعتبر تقليدياً عيداً مسيحياً، إلا أنه في لبنان عيد مشترك بين الأديان. إنه مساحة وفرصة مخصصة لمجتمعين للتواصل على أرضية مشتركة – وهو حدث يسلط الضوء على المعالم المشتركة والأشخاص الذين شكلوا تطور الديانات الإبراهيمية.
بالتأكيد، كان هناك حاجة إلى جهد متعمد لتوضيح هذه المساحة. بالنسبة لمعظم الناس – دينيين كانوا أم غير دينيين – فإن مركزية العذراء مريم في العقيدة المسيحية مفهومة على نطاق واسع. لكن أهميتها الرمزية في الإسلام أقل وضوحًا. قلة من المسلمين، وقلة أقل من المسيحيين، يدركون أن مريم هي الاسم الأنثوي الوحيد المذكور في القرآن، وأن اسمها يرد ما لا يقل عن 34 مرة – وهو عدد أكبر من عدد المرات التي يرد فيها اسم النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) واسم يسوع مجتمعين. علاوة على ذلك، كان الشيخ محمد نقري، وهو سني، هو الذي ألهم فكرة انضمام المسلمين إلى المسيحيين للاحتفال بعيد البشارة. كانت هذه خطوة صغيرة نحو حلمه في رؤية المسلمين والمسيحيين يصلون معًا، ويحتفلون بأديانهم في سلام ووئام.
إن تطور مثل هذا التعزيز للعلاقات بين الطوائف في بلد معقد دينياً مثل لبنان يدل على أهمية الحوار بين الأديان في إرساء الوحدة والتماسك الاجتماعي. أولاً، العيد هو وسيلة ملموسة لجعل الحوار بين الأديان في متناول الجميع، وإخراجه من أيدي العلماء ومجال اللاهوت، وإسناد المسؤولية إلى جميع المؤمنين.
هذا الإدماج هو مفتاح فهم أهمية البشارة؛ فقد كانت امرأة عادية، وليست من النبلاء، هي التي تلقت رسالة رئيس الملائكة جبرائيل. يمكن للمرء أن يفسر أن رئيس الملائكة أعلن أن النساء وإيمانهن – المتواضع والمتواضع، ولكنه غني بالعزيمة ومنفتح على الحياة – يمثلان أكبر فرصنا لمستقبل أكثر ثراءً وسلامًا.
ثانياً، مع احتفال مجتمعين، تظهر مفارقة سعيدة في شوارع لبنان – مفارقة قد تكون درساً للمنطقة بأسرها. فالتغيير هو أن الدين يُستخدم بشكل استباقي ومن قبل المواطنين العاديين، كوسيلة للتوحيد والاتحاد، بدلاً من التقسيم والانقسام. الاحتفال بالدين كوسيلة لتعزيز كرامة الإنسان والحوار بين الشعوب هو نقيض ربط الإيمان بالتعصب الأعمى لأغراض عنيفة. الإيمان الحقيقي لا يدين الأديان الأخرى. لا يمكن أن يكون حكماً قاتماً على ما هو مختلف أو غير مفهوم. الإيمان هو في الأساس فرح واحتفال؛ وسيلة لجمع الناس من خلال التزام مشترك بالاحترام المتبادل والتسامح والتسامح.
وأخيراً، تثير مثل هذه الأحداث التفكير في كيفية ارتباط قضايا الإيمان بالقضايا الوجودية للقيم المدنية والتماسك. وتكشف الصراعات التي تعصف بالمنطقة اليوم عن تجزئة الهوية التي كانت موجودة في غرب آسيا وشمال أفريقيا لقرون. وقد تفاقمت هذه التجزئة بسبب تصاعد العداء، المدفوع بالتفاوتات العرقية والوطنية والطائفية والدينية، فضلاً عن الفوارق في الوضع الاجتماعي والطبقي.
مع استمرار ارتفاع عدد القتلى والمعاناة الإنسانية، يتضح بشكل متزايد أن التفاوض، وليس القنابل، هو الحل. البديل هو أن القرن الماضي من القتال ومؤتمرات السلام لم يعلمنا شيئًا. يجب على شعوب المنطقة الالتزام بإنهاء الحرب على الإنسانية من خلال تحقيق السلام والتصالح مع اختلافاتنا. قد يشكل الحوار بين الأديان أساسًا لهيكل إقليمي جديد، حيث تكون الكرامة الإنسانية هي المصلحة الوطنية، ويفضل التعاون على الصراع والاختلاف الأيديولوجي.
في عيد البشارة بين الأديان في لبنان، أرى بذور ما قد يحمله المستقبل، إذا ما وجدت التربة المناسبة لتنمو. ومن المؤكد أن التركيز على كرامة الإنسان وتمكين الناس من العيش بكرامة هو السبيل الوحيد لتطور دول مستقرة ومناطق سلمية.
صرح قداسة البابا فرنسيس مؤخراً أنه يجب علينا أن نجد مرة أخرى “الشجاعة للحلم”. الشيخ نقري هو مثال على قوة الأحلام ومدى ما يمكن أن تحققه. ويظهر لبنان، وسط عدم استقراره السياسي وهشاشته الاقتصادية، هذا الأمر بوضوح. وربما تجرؤ دول أخرى في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا على الحلم أيضاً.