مدونة

مخاطر اضمحلال اللغة العربية في زمن العولمة وبعض الحلول المطروحة

اللغة العربية2
مؤتمرات / مدونتي

مخاطر اضمحلال اللغة العربية في زمن العولمة وبعض الحلول المطروحة

من خلال الأبحاث التي أجراها علماء الاجناس خلال القرنين الماضيين عن تطور المجتمعات البدائية من العائلة ثم العشيرة ثم اتحاد العشائر، أجمعوا على أن تعددية هذه المجتمعات من خلال تطورها نحو الإتحاد اعتمدت على منهجية ضم الشعوب المغلوبة دون المس بعقائدها الدينية ففي كل مرة كانت تتوسع فيها هذه المجتمعات كانت تضم آلهة الشعوب المغلوبة الى آلهة الشعوب الغالبة وتوضع جميعها داخل بناء تجمّع الآلهة والعظماء Panthéon. الذي يهمنا من هذا الموضوع أن هذا الإنصهار الوطني والديني تزامن مع اندماج لغات ولهجات الشعوب المغلوبة وعاداتهم وتقاليدهم مع الشعوب الغالبة فأثرت اللغة الغالبة باللغات الأخرى ولكنها تأثرت أيضا في بعض منها.

 الإنتكاسة الأولى التي تلقتها هذه التعددية الثقافية كان من قبل الديانة اليهودية التي منعت أي اتصال واحتكاك بين الشعب اليهودي مع كافة الشعوب المجاورة، فيهوا الإله الحصري لليهود لم يكن ليقبل بوجود إله آخر غيره، ونصوص العهد القديم مليئة بآيات تحظر على اليهود اتباع عادات وتقاليد الوثنيين. وتبع ذلك الإنحسار تقوقع اللغة والعادات والتقاليد للشعب اليهودي ولم تندمج مفرداتها ولا عاداتها مع باقي الشعوب الوثنية.

        عندما جاء الإسلام كانت مكة مقصدا لحجاج العرب الوثنيين وكانت لهجتها العربية رائجة ومهيمنة على باقي لهجات القبائل باعتبار كون مكة مقصدا للحجاج في الجاهلية، وجاء القرآن الكريم  -وفق قول السيوطي  -وضم بعض المفردات غير العربية الى نصوصه، مثل كلمات : “استبرق ، سندس سجّين ، مرقوم، أرائك ، تسنيم” دون أن ينال ذلك من عظمة القرآن الكريم الذي أنزل “بلسان عربي مبين”.

عندما توسعت الدولة الإسلامية ودخلت شعوب المناطق المجاورة الى الإسلام لم يتم حظر اللهجات واللغات التي كانت تنطق بها هذه الشعوب ولم تستبعد عاداتهم وتقاليدهم بل على العكس تماما أصبحت هذه العادات فيما لو كانت حسنة مصدرا من مصادر التشريع الإسلامي، حتى على الصعيد اللغوي انتشرت كثير من المفردات السريانية وغيرها الى اللغة العربية وباتت جزءا من التراث المنطوق والمكتوب لسكان المنطقة.

فهم المسلمون الأوائل بأن تنوع الألسنة هو مقصود إلهي بذاته فلم يفرضوا اللغة العربية كرها على تلك الشعوب كما فعلت الدول الأوروبية مع اللغات المحلية لبعض السكان، بل تركوا المجال للتفاعل الحضاري أن يدلو بدلوه فدخلت الشعوب التي أسلمت حديثاً ضمن إطار التعريب الهاديء وترجمت العلوم من الإغريقية الى العربية وظهرت في كل العلوم مصطلحات جديدة أبهرت العالم بتنوعها فأدخلت إلى قاموس اللغات الأوروبية والهندو أوروبية وما زالت الى الآن مستخدمة كمصطلحات تعود بجذورها الى اللغة العربية.

في كتابها الشهير شمس العرب تشرق على الغرب، كتبت المؤلفة زيغريد هونكه في فصله الأول مخاطبة صديقتها الأوروبية : ” هل لي ياسيدتي الفاضلة ، أن أدعوك إلى دخول هذا المقهى ( Cafe ) فإنك تبدين متعبة . وهل لك أن تنزعي عنك شقتك ( جاكتتك  Jacke )  وأن تأخذي مكاناً لك على الصفة     sofa )) ذات المرتبة الحمراء القرمزية ( Karmin….Matraze ) إن القندي ( صانع الحلوى  ( Konditor )  ذو القلنسوة ( Mutze ) الفارعة والقباء( Kittel )  الأبيض الناصع، سيحضر لك حالاً طاسة ( Tasse )  من قهوة البن ( Bohnen Kaffee ) مع قطعتين من السكر ( Zucker ) أم إنك تفضلين غرافة ( Karaffe ) من عصير الليمون ( ليموناضة ) ( Limonade ) إذا كنت لا ترغبين في تناول الكحول فإنك بلاريب ترغبين بقطعة من الحلوى مع شيء من البرقوق المشمش ( Aprikosen ) ومن بنان الموز (( Banaen  “

هذه المفردات الكثيرة جدا التي دخلت قواميس اللغات الأوروبية المتنوعة مصدرها اللغة العربية، وقد دخلت اليهم عن طريق التبادل التجاري وكنتيجة طبيعية للتفوق العلمي الإسلامي والعربي ولما صاحبه من حركة الترجمة، دون أن ننسى احتكاك اللغات الأوروبية باللغة العربية الاندلسية. هذه الهيمنة الحضارية والتي تبعتها الهيمنة اللغوية للغة العربية خلال قرون عديدة لم تكن لتمر إلا على حساب اللغة اللاتينية لغة الثقافة والعلم في حينها، فكثرت شكوى رجال الدين المسيحيين من استخدام الشباب في ذلك الوقت للغة العربية للدلالة على ثقافتهم بل كان هؤلاء الشباب يستغرقون في تقليد العرب في لباسهم ومأكلهم وفنونهم، فكتب أحد رجال الدين المسيحيين في ذلك الوقت :

“وا أسفاه، إن الجيل الناشئ من المسيحيين لا يحسنون أدباً أو لغة غير الأدب العربي، واللغة العربية، وإنهم ليلتهمون كتب العرب، ويجمعون منها المكتبات الكبيرة بأغلى الأثمان. وفي نفس هذا السياق كتب ألفاروا مطران قرطبة في عام ثمانمائة وأربع وخمسين للميلاد إلى أحد أصدقائه رسالة يقول فيها: “إن إخواني في الدين يجدون لذة كبرى في قراءة شعر العرب وحكاياتهم، ويقبلون على دراسة مذاهب أهل الدين والفلسفة المسلمين، لا ليردوا عليها وينقضوها، وإنما لكي يكتسبوا من ذلك أسلوبا عربيا جميلاً صحيحا. وأين تجد الآن واحداً من غير رجال الدين يقرأ الشروح اللاتينية التي كتبت على الأناجيل المقدسة؟ ومن سوى رجال الدين يعكف على دراسة كتابات التلاميذ، وآثار الأنبياء والرسل؟ يا للحسرة !!  إن الموهوبين من شبان المسيحيين لا يعرفون اليوم إلا لغة العرب وآدابها، ويؤمنون بها ويقبلون عليها في نهم، وهم ينفقون أموالاً طائلة في جمع كتبها، ويفخرون في كل مكان بأن هذه الآداب حقيقية جديرة بالإعجاب. فإذا حدثتهم عن الكتب المسيحية أجابوك في ازدراء بأنها غير جديرة بأن يصرفوا إليها انتباههم. يا للألم !! لقد نسي المسيحيون حتى لغتهم فلا تكاد تجد في الألف منهم واحداً يستطيع أن يكتب إلى صاحبه كتاباً سليماً من الخطأ. فأما عن الكتابة في لغة العرب، فإنك لتجد منهم عددا عظيما يجيدونها في أسلوب منمق، بل هم ينظمون من الشعر العربي ما يفوق شعر العرب أنفسهم فناً وجمالا”

يضاف إلى الهيمنة الحضارية العربية وتفوق اللغة العربية على باقي اللغات المحكية ، أن الدولة كانت تشترط على من يريد تسلق المناصب الإدارية التحدث باللغة العربية فأدرك يهــود الأندلس بأنــه لاســبيل امــامهم اذا مــا أرادوا الوصول الى هذه المناصب إلا بــتعلم اللغــة العربيــة، وعلـى اسـاس ذلـك فقـد دأب اليهـود بإتقانها بسرعة فاقت كـل التصـورات، إلى درجة أنها أصبحت لغة الكتابة والمراسلات لديهم فألفت كتب كثيرة بما فيها الكتب الدينية،  وقد انعكست هذه الحركة الثقافية على سائر اليهود في بـلاد الانـدلس فـأقبلوا علـى تعلم اللغة العربية مما فتح المجال امام اليهود في تبـوأ المناصـب الاداريـة سـواء داخـل الانـدلس او خارجهـا علـى سـبيل العمـل الدبلوماسـي، ولا يفوتنـا فـي هـذا المجـال ايضـا الاشـارة الـى ان أتقـان اليهـود للغـة العربيـة واللغات الاخرى قد منحهم أولوية العمـل فـي قصـور الخلفـاء والامـراء، فكـانوا يشـاركون فـي مراسـيم اسـتقبال سفراء الدول الاوربية الوافدين الى بلاط الدولة العربية الإسلامية. مع الإشارة بأن المسيحيين قد شاركوا اليهود في نهضة اللغة العربية واستخدام مفرداتها بل وإتقانها على حساب لغاتهم الأم كما سبق وذكرنا.

هذه المقدمة الطويلة عن تبوء اللغة العربية لمركز الصدارة بين لغات العالم خلال قرون عديدة تصلنا بواقعنا الحالي في بداية الألفية الثالثة التي باشرت بإزالة الحدود بين الثقافات وقفزت بنا الى عالم افتراضي للالتحاق بالقرية الكونية. إزاء هذا التغيير الجذري والمربك تعاني اللغة العربية من كل أعراض الضعف والتهميش على حساب اللغات الأخرى، والناتجة عن عدم مواكبة اللغة العربية للتقدم العلمي الهائل الذي تمتلكه الدول الغربية. لإن صمدت لغتنا العربية أمام محاولات التتريك ثم أمام المستعمر الفرنسي والإنجليزي والإيطالي الذين فرضوا لغتهم على مراسلات الدولة والتعاليم الصادرة في الإدارات العامة والخاصة، بل وعلى صعيد المدارس والإرساليات فهل ستصمد لغتنا أمام تحديات العولمة. إن الصرخة التي أطلقها رجل الدين المسيحي مطران قرطبة في عهد الدولة الأندلسية هي نفس الصرخة التي يطلقها الآن المشايخ والعلماء والأساتذة من على منابر الجوامع والجامعات، مع فريق بسيط يكمن في استبدال كلمة هيمنة اللغة العربية بكلمة هيمنة اللغات الأجنبية.

ليست مشكلة إتقان اللغات الأجنبية هي التي يشار اليها بتهمة إضعاف اللغة العربية، ولكن عدم ميل الشباب الى استخدام اللغة العربية كلغة محكية ولغة ثقافة وكتابة وتعليم واستبدالها باللغة الإنجليزية أو الفرنسية. والأشد خطورة هو ميل الأهل بالتحدث مع أطفالهم حصريا بإحدى اللغات الأجنبية دون اللغة العربية. هذا على الصعيد الفردي أما على صعيد التبادل التجاري والمصرفي والمراسلات الإدارية حتى الفواتير والإعلانات والدعايات داخل الوطن العربي فتتم معظمها باللغة الأجنبية. إلى جانب هشاشة البرامج التلفزيونية والسينمائية ومختلف الفنون وضعف البرامج الدراسية والجامعية المخصصة للغة العربية.

هذه التحديات يضاف اليها استخدامات الأنترنت وصفحات التواصل الاجتماعي والمراسلات بين الشباب بحيث باتت كتابة اللغة العربية بالأحرف اللاتينية هي المعتمدة، وسط اعتراض الآباء والخبراء التربويين، الذين يؤكدون خوفهم من اندثار اللغة العربية. في المقابل يرى بعض الإختصاصيين أن استعمال الشباب لغة خاصة بهم ليس تمرداً على المجتمع أو أحد أنواع الهروب منه، وإنما هو تطور طبيعي للغة الشباب، ويمثل صراعاً دائماً على مر الأجيال بين الشباب والآباء والأجداد، إذ يرون دائماً أن تطور المفردات يهدد اللغة العربية، لكن المشكلة تكمن في صراع الأجيال. ومهما يكن فإن هذه الإستخدامات التي يلتجأ اليها الشباب للتعبير بسهولة وبسرعة عن افكارهم، تهدد مصير اللغة العربية في الحياة اليومية، وتلقي بظلال سلبية على ثقافة الشباب العربي وسلوكه بشكل عام وهذا ما أكدته الدراسة التي أعدها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في القاهرة. ورغم ذلك فإننا لا نقصي مسؤولية خبراء اللغة العربية من استحداث مفردات سهلة لمواكبة التطوّر الهائل في التكنولوجيا مما يدفع الشباب للجوء إلى ابتكار ألفاظ ومصطلحات جديدة قد لا تلقى مرادفاً لها في اللغة العربيّة. هذا إذا ما أخذنا بعين الإعتبار تمدد شبكات التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت لتطال مختلف الشرائح العمرية من شتى الخلفيّات السياسية والدينية والثقافية.

ولا تقتصر حالة الفوضى اللغوية هذه على اللغة العربيّة فحسب، بل تطال حتى اللغات الأجنبيّة الأخرى. فاللغة الفرنسية مثلا لم تستهو إلا نسبة 4 % من المستخدمين بعد اللغة الروسية والصينية واليابانية والإسبانية ، في حين أن اللغة الإنجليزية تستولي على 56% من مستخدمي الانترنت في العالم. وهذا يعود الى أن اللغة الإنجليزية تزيد من مفرداتها من أجل مواكبة التقدم التكنولوجي بنسبة 5% سنوياً لتصبح حالياً عدد مفرداتها ما يتجاوز المليون كلمة في حين أن اللغة الفرنسية لا تتجاوز كلماتها المائة الف كلمة. ومع اختلاف الآراء في عدد مفردات اللغة العربية فإنها قد تتجاوز المليون كلمة غير أن المستخدم منها لا يتجاوز 30% من المفردات هذا إذا أخذنا بالإعتبار الجفاف التام لمفردات اللغة العربية المستحدثة وخاصة حين يتعلق الأمر بمواكبة التقدم التكنولوجي والعلمي.

بعض الحلول لاستعادة اللغة العربية لدورها الرائد سواء على صعيد الوطن العربي أو على صعيد العالم :

  • بما أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية في الدول العربية فيجب أن تكون لغة الوزارات والإدرات العامة والمراسلات حصريا في اللغة العربية. وهذا من موضوعات السيادة التي يتعين على كل دولة احترامها والتقيد بها.
  • الزام المؤسسات التجارية والإقتصادية والإعلامية والإعلانية أن تتقيد باستخدام اللغة العربية في معاملاتها الداخلية. وهذا الأمر لا تتقيد به معظم هذه المؤسسات التي تتعامل باللغة الإنجليزية او الفرنسية مع عملائها وزبائنها. (عندما كنت مديرا عاما لدار الفتوى أشرفت على تنظيم مؤتمر وزراء الأوقاف الذي عقد في حينها في بيروت، وعند استلامي لفواتير الفنادق التي استضفنا فيها أعضاء الوفود أعدتها اليهم وطلبت منهم كتابتها باللغة العربية، وبعد أخذ ورد أضافوا الى برنامجهم المعلوماتي برنامج اللغة العربية ثم أرسلوا لي الفواتير باللغة العربية.)
  • ضم الشباب الى المجمعات اللغوية وخاصة عندما يتعلق الأمر بالمفردات التكنولوجية والعلمية وتلك المستخدمة في برامج المعلوماتية.
  • إلزام الموظفين والعاملين الأجانب في كافة الدول العربية من أعلى الهرم الوظيفي الى فئة المستخدمين اتقان اللغة العربية.
  • تعديل البرامج الدراسية والجامعية بما يتوافق مع مستلزمات دعم وتطوير اللغة العربية.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare