مدونة

مسؤولية الظالمين وأتباعهم ومحبيهم والعاملين لديهم

محاكمة نومبرغ
مدونتي

مسؤولية الظالمين وأتباعهم ومحبيهم والعاملين لديهم

كثيراً ما يطرح سؤال في هذه الفترة – بعد نجاح الثورة السورية واقتحام سجن صيدنايا وغيره من السجون – عن مسؤولية الذين كانوا يساندون الظالمين أو يعملون لديهم وينفذون أوامرهم سواء كانوا جنوداً او موظفين او مناصرين أو مجرد محبين. فدرجات التبعية للزعيم الفاسد والظالم التي تستوجب المسؤولية تتراوح من أخفها استلحاقاُ وهو التأييد النسبي والتصفيق والإعجاب، الى أكثرها خطورة وهي الإستعداد المطلق للدفاع عنه الى درجة بذل روحه فداء له، مروراً بتبرير مواقفه وتنفيذ أوامره واعتباره مثله الأعلى، وتأييده المطلق وإحاطته بالقداسة. دون أن ننسى من ضمن أنواع هذه المسؤولية تقديم المساعدة له ولأعوانه في الهروب أو الإختباء أو تسهيل سفره الى الخارج وقت الثورات والإنقلابات.

يستتبع هذه الأسئلة التي تطرح في هذه الفترة، الحديث عن مقدرة الخونة والذين يتقنون فن نقل البندقية من كتف إلى كتف، كيف يغيرون ويبدلون سيرة حياتهم ويجيدون التلاعب في وسائل الأعلام ومع الشعوب بعد تغير الأنظمة وانقلاب الأمور والتخوف من المحاكمة والمتابعة.

أردت من خلال هذين الحدثين أن أنفذ الى واقعتين حدثتا بعد الحرب العالمية الثانية ومقارنتهما بالنصوص القرآنية التي تكلمت عن المسؤولية التبعية للجنود الذين يتلقون الأوامر من قادتهم لقتل الأبرياء وهم يعلمون بظلمهم وبطشهم. إضافة الى الآيات التي تكلمت عن المنافقين وصفاتهم.

  • في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تم إنشاء محكمة لمحاكمة القادة النازيين الرئيسيين. عُرفت باسم محكمة نورمبرج (في بافاريا). تم توقيع الاتفاقية التي أدت إلى إنشائها في لندن من قبل ممثلي القوى المنتصرة. تنفيذاً للاتفاق الذي وقعته الحكومة المؤقتة للجمهورية الفرنسية وحكومات الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة لبريطانيا وأيرلندا الشمالية واتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية في 8 أغسطس 1945، تم إنشاء محكمة عسكرية دولية لمحاكمة ومعاقبة مجرمي الحرب الرئيسيين في دول المحور الأوروبي على النحو المناسب ودون إبطاء.

جاء في الفقرة (ج) من المادة السادسة الخاصة بهذه المحكمة، تحديد ”الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية“ وهي القتل والإبادة والاسترقاق والإبعاد وأي فعل لا إنساني آخر يرتكب ضد أي سكان مدنيين، سواء قبل الحرب أو أثناءها، أو الاضطهاد لأسباب سياسية أو عنصرية أو دينية، عندما تكون هذه الأفعال أو الاضطهادات، سواء شكلت أو لم تشكل انتهاكاً للقانون المحلي للبلد الذي ارتكبت فيه، قد ارتكبت نتيجة أو فيما يتصل بأي جريمة تدخل في اختصاص المحكمة.

ويتحمل القادة أو المنظمون أو المحرضون أو الشركاء الذين شاركوا في وضع أو تنفيذ خطة مدبرة أو مؤامرة لارتكاب أي من الجرائم المحددة أعلاه، المسؤولية عن جميع الأفعال التي يقوم بها أي أشخاص تنفيذاً لهذه الخطة.

ولا يجوز اعتبار المنصب الرسمي للمتهمين، سواء أكانوا رؤساء دول أو موظفين حكوميين كبار، عذراً مطلقاً أو سبباً لتخفيف العقوبة.

كما نصت المادة 8 منها : على أنه لا يعفي المتهم من مسئوليته كونه قد تصرف وفقاً لتعليمات حكومته أو أحد رؤسائه، ولكن يجوز اعتباره سبباً لتخفيف العقوبة، إذا قررت المحكمة أن العدالة تقتضي ذلك.

 السبق القرآني لهذه النصوص القانونية في محاكمة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية   أنها لم تعف من المسؤولية الموظف والعامل البسيط والجندي والشرطي الذي يساند المسؤول الظالم أو يكون ذراعه في قمع صوت الأبرياء أو ظلمهم أو إهانتهم أو ارتفاع نبرة صوته أمامهم أو “التبحلق” في وجوههم لإخافتهم واستحقارهم. جاء في سورة القصص الآية الثامنة : ( إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِين.َ وجه الاستدلال ان هذه الآية أسندت الخطأ للجنود ايضاً، وكذلك الآية التاسعة والثلاثون من نفس السورة : ( واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون * فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ).

فهذه المسؤولية تقع على كل من يتعامل مع الظالم ويطيعه وينفذ أوامره. جاء رجل الى الامام أحمد بن حنبل وقال يا إمام “أنا أعمل خياطا عند حكام ظلمة فهل ينطبق علي قوله تعالى “ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار ” ؟ فقال الامام : بل أنت من الذين ظلموا، أما الذي يبيعك الخيط فهو من الذين ركنوا للذين ظلموا.

بهذا المعيار الذي وضعه الامام أحمد يحشر مع الظالمين من يدافع عنهم ويتستر عليهم ويسّوغ لهم ويحبهم أو يؤيدهم في ظلمهم أو بعض ظلمهم، خاصة اذا علمنا تتمة الآية : (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون).

يروى في قول ضعيف السند للصحابي عبدالله ابن مسعود رضي الله عنه ، قوله : ” لو أنّ أحدَكم عبدَ ربّه سبعين عاماً بين الكعبة ومقامِ إبراهيم ثم أتى يوم القيامة وهو يُحبُّ ظالماً، حُشر معه في نار جهنم”

  • بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية يذكر أحد الصحافيين القصة الآتية : ” سكنت ايام دراستي في الجامعة، عند رجل يعمل بسكة حديد صربيا، كان سكيراً وقليلاً ماوجدته بوعيه، فهو يشرب الخمر وكأنه يحاول الانتحار. سألته يوما عن السبب في إدمانه الخمر بهذه الشراهة ؟ فأجاب حتى انسى كآبتي، فسألته عن سبب كآبته وهروبه من الواقع ؟ فقال : أيام الحرب كان بيننا جندي خائن متعاون مع الألمان ووشى باسمي وبأسماء عدة جنود من أصدقائي، وأصبحت والكثير من الذين معنا مطلوبين للألمان وجنودهم تطاردنا في كل الأنحاء، فتواريت عن الأنظار والتحقت بالمقاومة الشيوعية، ولكني عانيت الأمرين بشكل كبير حتى انتهت الحرب واستقرت البلاد وعدت الى عملي في سكة الحديد. في صباح اليوم الأول انطلقت لعملي مبتهجاً، وطرقت باب المدير الذي تم تعيينه مديراً لسكة الحديد للتعارف والسلام.. فصعقت حينما رأيته لأنه هو الجندي الخائن الذي وشى بنا لدى النازيين. وهكذا اصبح مديري بعد الانتصار، مضطر أن أحييه يوميا وأبتلع غصتي كل العمر، لا أدري كيف يتمكن الخونة من التحايل والتأثير على القيادات في خط المقاومة، ليتوجونهم أبطالا يتلقون التكريم والاوسمة، والأبطال الحقيقيون إما راقدون تحت التراب او مهمشون، لايجدون سوى معاقرة الخمر ليهربوا من واقعهم المحبط.”

 في قاموسنا القرآني نقول عن هؤلاء الأشخاص الذين يجيدون نقل بندقيتهم من كتف الى كتف محاباة للمنتصر : “المنافقون”

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare