الصيام عبادة فردية ذات منحى اجتماعي وحضاري
في كتابها الصادر باللغة الفرنسية عن “التوحيد الإسلامي والتوحيد في الكتاب المقدس”، تقدم المستشرقة دينيس ماسّون تعريفها للعبادات في الإسلام بأنها “مجموعة من الأفعال التي تؤديها جماعة المسلمين بخضوع تام أمام الله وفق قواعد دقيقة، مستمدة من وحي إلهي أو من السنة النبوية”. على العكس من هذا التعريف، يرى المستشرق جورج هنري بوسكيه في كتابه باللغة الفرنسية “الممارسات الكبرى للعبادات في الإسلام” : :بأن العبادات هي قبل كل شيء تنفيذ لأوامرالله بشكل فردي من خلال ما يقوم به من أفعال متكررة يتعبد بها ويعلن به ولاءه المطلق لله”. ولإثبات هذا المنحى الفردي يذهب بوسكيه الى القول : “بأن كل مسلم مطالب بصفته الفردية – وبدون مساعدة ووساطة أي شخص آخر – بالقيام بالواجبات الدينية المقررة تجاه الله. إلى درجة أننا نستطيع أن نفترض لو لم يكن في العالم إلا مسلم واحد فقط، لما وجد صعوبة على الإطلاق في ممارسة شعائره الدينية، أما البروتستانتي واليهودي فسيكون محرجاً إلى حد ما، والكاثوليكي، وحتى القسيس سيكون عاجزاً تقريباً عن ممارساته للطقوس الكنسية : فلا اعتراف، ولا تقديس بدون قسيس، ويستعرض بوسكيه أدلته قائلاً بأن الكاثوليك والأرثوذكس سيصابون بالعجز التام في ممارسة طقوسهم الدينية إذا مات جميع الأساقفة دفعة واحدة، فستنقطع السلسلة الرسولية، ولن يكون هناك رسامة بعد ذلك، وبالتالي لن يكون هناك المزيد من الأسرار المقدسة. من ناحية أخرى، لو انقرض المسلمون جميعهم غداً، فلن تكون هناك دون أدنى صعوبة دينية أن يعتنق فرد من الناس الدين الإسلامي ويمارس عبادته الفردية دون أي عائق”.
بين هذين التعريفين يتبنى الإسلام موقفاً متوازناً ومتكاملاً بين ما يشكل فرض عين يؤدى منفرداً وما تحتويه العبادات من معاني ذات أهداف لصيقة بالجماعة بمفهومها الواسع والشامل. فكافة الفرائض الدينية هي فرائض عينية فردية ولكن لها مع ذلك أهمية اجتماعية وجماعية متأصلة ومتداخلة. فالصلاة تمارس بشكل فردي، إلا أن الإسلام يوصي بشدة أدائها جماعة بل وتصرح الأحاديث النبوية بأفضلية تأديتها في الجماعة، إلى أن تصبح المشاركة الجماعية فرضًا في منتصف النهار من كل يوم جمعة. وكذلك الزكاة بفرضيتها على مصارفها الشرعية الثمانية ابتداء من فقراء المجتمع وانتهاء بابن السبيل، والحج كمناسبة تجتمع فيها وفود المسلمين من جميع الأقطار لتأديتها في مناسك جماعية من طواف وسعي ووقوف بعرفة تشعر بالوحدة والتضامن بين أفراد الأمة.
مفهوم الصيام الذي يعنينا هنا، على الرغم من أنه أداء فردي، إلا أن متعلقاته العديدة لها تأثير كبير على الحياة الاجتماعية كافة. فالصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب والعلاقات الجنسية، بل هو تدريب على التحكم في الرغبات والغرائز، وهو ما يُعزز قوة الإرادة والانضباط الذاتي التي تشكل الأساس الذي تبنى عليه الشخصية الفاعلة في المجتمع .إضافة الى تعزيز القيم الإنسانية والاجتماعية التي ترتكز عليها هذه العبادة، وما تحبكه من روابط بين الجوانب الروحية والممارسات العملية التي تُعزز الهوية الإسلامية. في تأدية هذه الفريضة يشعر الصائم برقابة الله له راجياً منه تقبل صيامه وتحمله ثواب الجوع والعطش، مما يُعزز الأخلاق الفردية كالصدق والنزاهة، والتي تنعكس إيجابًا على التعاملات اليومية.
ما يلزمنا لإعطاء فريضة الصيام طابعاً اجتماعياً وحضارياً :
تعزيز المبادرات الفردية والجماعية، والإستفادة من تجارب المجتمعات الإسلامية في الدول الأخرى، مثل تعزيز التكافل الاجتماعي، وتفطير الصائمين مثل موائد الرحمن في بيروت، وتشجيع مبادرات الإفطار الجماعي في الساحات العامة، كما في السودان حيث يحرص الرجال على دعوة المارة على المشاركة في الإفطار معهم، مما يعكس روح التضامن الاجتماعي، ومشروع “القفة” الرمضانية كما في الجزائر، حيث تتعاون الأحياء على توزيع سلال غذائية على المحتاجين، وهو نموذج للعمل التكافلي، والمحافظة على العادات والتقاليد الرمضانية في الفنون والتراث والتي تُبرز التناغم بين العبادة والثقافة المحلية : كالتزيين بالفوانيس الرمضان المزينة بأشكال مزخرفة كما في مصر، أو دق طبول “البدوق” في إندونيسيا، والتي تعكس التنوع الثقافي ضمن الإطار الإسلامي، وطواف “المسحراتي” في الأحياء مع الحرص على إعادة تنظيمه حضارياً وثقافياً كموروث عربي متطور، وإطلاق مدافع الإفطار لإعلان بداية شهر رمضان وختامه ومواعيد الإمساك والإفطار اليومي، وهو مازال متبعاً في كثير من الدول الإسلامية منذ العهد العثماني، والاهتمام بالبيئة والنظافة، كما في ماليزيا، حيث تُنظف المدن قبل رمضان استعدادًا لاستقبال الشهر، مما يعكس الاهتمام بالبيئة كجزء من العبادة .دون أن ننسى الفعاليات الدينية والثقافية، كالندوات الأدبية في المساجد أو المعارض الفنية التي تجمع بين الروحانية والإبداع، على غرار ما كان يفعله المماليك في العشر الأواخر من رمضان، والاعتكاف في العشر الأواخر، الذي يجمع بين العزلة التأملية والإستعداد للانخراط في المجتمع بروحانية متجددة، مما يعكس التوازن الإسلامي بين الجوانب الروحية والعملية. يختتم شهر الصوم بوجوب إعطاء صدقة الفطر التي تُذكِّر بأهمية العطاء للفقير، حيث يُطلب من كل مسلم المشاركة في العطاء، خارج أداء الزكاة، مرة واحدة على الأقل سنويًا، مما يقوي نسيج المجتمع، وصلاة العيد التي ينتدب أن تؤدى جماعة في الفلاء، حيث يسبق فضلها عن تأديتها داخل المساجد في المذاهب الثلاثة الحنفية والمالكية والحنابلة وذلك زيادة في إظهار الوحدة والتضامن والثبات في المجتمع الإسلامي.
إلى جانب هذه المظاهر الرمضانية، يجب توجيه المجتمع الإسلامي إلى الإعتناء بالأيتام والمقعدين وبفئات الجيل الثالث من كبار السن، وإبراز أسمى ما يمكن القيام به لإخراجهم من حرمانهم من أهلهم أو من عزلتهم وتقلبات السنين بحقهم عبر مشاركتهم الإفطارات والنشاطات الثقافية والترفيهية. كما يجب حث المتخصصين الى إبداع كل ما من شأنه أن يؤدي الى زرع محبة الإحتفاليات الرمضانية في قلوب الأطفال والناشئة، بما فيها الصور الرمزية والتواشيح والأغاني الهادفة، والهدايا المتجانسة مع هذه المناسبة.
دون أن تنسينا هذه المناسبة عدم الإسراف في الأكل والتخفيف من الاستهلاك، فتشجيع الاقتصاد المعتدل عبر تجنب الإسراف في الولائم، والتركيز على الجوهر الروحي في شهرالصيام هو المطلب المكمل لإتمامه على الوجه الصحيح.
يبقى أن نشير الى ضرورة التواصل الحضاري لشركائنا في الوطن من غير المسلمين، فالصيام فريضة مشتركة بين الأديان السماوية، كما ذكر القرآن الكريم: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. ينتج عن هذا المنحى الوطني تعزيز باب الحوار حول القيم الإنسانية المشتركة، خاصة وأن شهر الصيام عند المسيحيين يلتقي هذا العام مع شهر الصيام عند المسلمين.
شهر رمضان ليس مجرد عبادة دينية، بل فرصة لبناء حضارة تعكس قيم الإسلام في العدل والتكافل والجمال. بدمج هذه الجوانب – من العبادات الفردية إلى الممارسات الجماعية – يُمكن تحويل الصيام إلى قوة دافعة لتجديد الهوية الإسلامية وتعزيز تأثيرها الحضاري عالميًا.