وجهة نظر في احتفاليات رأس السنة الهجرية
عندما ذكر الفقهاء اختلاف الأمكنة والأزمنة كمعيار في تبدل بعض الأحكام وفق القاعدة الشرعية ” تتبدل الأحكام بتغير الزمان والمكان”، إنما قصدوا بها الأحكام المستندة الى الأعراف وعادات الناس، ولأنه بتغير الزمان تتغير احتياجات الناس فيتغير العرف والعادة وبتغيرهما تتغير الاحكام، وكذلك الأمكنة، فما كان معتمداً عند الإمام الشافعي في مذهبه القديم في العراق مثلاً، لم يعد كذلك في مذهبه الجديد بعد إقامته في مصر. عدم النظر في هذه القاعدة الشرعية على إطلاقها دفع بالمقلدين في العصور التي تلت الحروب والغزوات على بلاد المسلمين وخاصة حروب الإفرنجة (الصليبية) واستقرارهم في بعض بلاد المسلمين خلال ما يقارب القرنين من الزمان، وما تبعه من اندماج العادات والتقاليد غير الإسلامية في المجتمع، الى دعوة فقهاء ذلك العصر وما تليه الى غربلة هذه العادات وإحياء الذاتية الإسلامية للحد من تقليد المسلمين لهذه الأعراف، والتي كان من ضمنها اصدار الأحكام الفقهية التي تحذر المسلمين من تقليد غير المسلمين في أعيادهم وأفراحهم. تبدلت هذه الأزمنة وأصبح إعمال هذه الأحكام في إطلاقها بعد انحلال النظام السياسي الإسلامي، نقمة على المسلمين وأبنائهم في العصر الحديث. إذ تبنى كثير من المسلمين وبإصرار الإحتفالات بالمناسبات الدينية المسيحية وما رافقها من عادات وتقاليد، استدعت لمواجهتها علماء الدين المسلمين دون أدنى جدوى، الى تقطيب جباهم وشحذ حناجرهم والإنقضاض على فاعليها ومحاربتهم تحت شعار مكافحة البدع في الإعتقاد السليم وإعلام مروجيها بالخلود في نار الجحيم.
فمن مظاهر المقارنة غير المتكافئة ما درج المسلمون والمسيحيون على القيام به للإحتفال بمناسبتي الميلاد ورأسي السنة الميلادي والهجري بطريقتين مختلفتين، فبميلاد السيد المسيح عليه السلام، ورأس السنة الميلادي تزين الطرقات والمباني وتوضع شجرات الميلاد في البيوت وتعم الفرحة والسعادة في قلوب الناس وتستذكر قصة ميلاد المسيح، وتقدم الهدايا والتهاني ويلعب الأطفال ويتسامر الشباب ويتبادل الكبار القصص والأخبار ومجريات الأحداث. وفي احتفالات رأس السنة الهجرية والمولد يقتصر القلة من المسلمين على حضور الإحتفالات التي تقام في بعض المساجد للإستماع إلى الكلمات الدينية وإلى بعض الأناشيد النبوية. هكذا بكل بساطة، نسي المسلمون كيف يحتفلون بذكرى رأس السنة الهجرية وبمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن كانت مظاهر الاحتفالات تعم البلاد وتخرج الفرق الصوفية إلى الشوارع والحارات وتزين المباني بالفوانيس والأعلام ويتعالى أصوات المنشدين بالتواشيح الدينية، والى تبادل التهاني وتوزيع الحلويات.
سبق أن تساءلت في مقال سابق نشرته اللواء، كيف وصلنا إلى هذا القحط والجفاف الإحتفالي والإستعراضي في أعيادنا ومناسباتنا الدينية الإسلامية ؟ كيف سمعنا وسمحنا لأصوات التشدد والإنغلاق أن تملي علينا تراثنا وتقاليدنا وعاداتنا الإسلامية وتوهمنا بأن ما نقوم به ليس إلا بدعاً يحاربها الدين. إن مجتمعنا التعددي المنفتح يتطلب منا أن نكون دائماً على أهبة الإستعداد الإحتفالي الإسلامي عندما يتعلق الأمربالتنافس الحميد مع الطوائف الدينية الأخرى.
أننا بحاجة في مجتمعاتنا المتعددة الطوائف والأديان إلى رمزية إسلامية تتناقلها الأجيال وتبعث في أطفالنا البهجة والشوق إلى الإحتفال بعيد رأس السنة الهجري وذكرى ولادة نبينا المجتبى، وتكون مناسبة ننتظر قدومها في كل سنة تتربى عليها أجيالنا على الدروس والعبر التي نستذكرها في هجرة النبي الى المدينة، وإلى قراءة السيرة النبوية العطرة وفق أحدث تقنيات العلم الحديث، ومحطة أساسية متطورة ننقل فيها إلى العالم مقومات شخصية نبي السلام والمحبة والرحمة.
هذه الرمزية التي تفهمها المجتمعات المتعددة الطوائف والأديان قبل غيرها، ليست وثنية ولا جاهلية كما سيحلو للبعض تسميتها، وإنما هي حاجة تربوية ونفسية واجتماعية يؤكدها علماء التربية والنفس والإجتماع. ما الضير لو تزينت حاراتنا وبيوتنا في رأس السنة الهجرية والمولد بالنخلة العربية والغار الذي تغطي بابه خيوط العنكبوت والحمام الراقد على مدخله، وبتهاليل موسيقية “لطلع البدر علينا”. أليس في هذه الرمزية ما يجلب الفرحة لأطفالنا وللأسر الإسلامية في كافة أنحاء العالم.
إن مشكلتنا ومشكلة المتشددين لدينا أنهم يبرعون في الهجوم والإنتقاد عند كل مظهر يدعون أنه خارج عن تعاليم الدين، ولكنهم يفشلون دائماً في إعطاء الحلول والبدائل. إن القحط والجفاف في الجانب التصوري والرمزي والإحتفالي الذي ألحقه متعصبو الإسلام بالإعياد والمناسبات الدينية وألحقوه بمظاهر الشرك جعل كثير من المسلمين ينسون ويهملون تماماً الإحتفال بذكرى ولادة نبيهم أو بذكرى رأس السنة الهجرية ويستبدلونه بتقليد إخواننا المسيحيين باحتفالاتهم ووضع أشجار الميلاد في بيوتهم.
دعونا أيها السّاعون إلى الإنغلاق والجفاف والتقوقع، نحتفل بعيد رأس السنة الهجرية وبذكرى ولادة نبينا كما يحلو لنا وكما يتوافق مع حضارة ورقي اسلامنا ومع وضعيتنا وخصوصيتنا كمجتمعات متعددة الأديان والطوائف ومنفتحة على اخواننا في الوطن ممن ينتمون الى الديانات الأخرى.