مدونة

حوار هادئ عن صحيفة المدينة وعقد الذمة :

حوار هادئ
مدونتي

حوار هادئ عن صحيفة المدينة وعقد الذمة :

 الأساس الذي بنى الإسلام عليه نظامه التعددي هو عدم الفصل والتمييز بين الأفراد الذين يعيشون على نفس الأرض ويرغبون في العيش معاً لا من حيث انتماءهم الديني ولا من حيث نسبهم العرقي ولا من حيث تنوع السنتهم ولغاتهم. الأصل في هذا المبدأ يستنبط من صحيفة المدينة التي تعتبر أول وثيقة دستورية مكتوبة في التاريخ الإنساني. هذه الوثيقة تنص على أن سكان يثرب من المسلمين المهاجرين والأنصار واليهود بمختلف تشعباتهم هم أمة واحدة. هذا التكوين السياسي يفترض أن يكون الجميع متساوين في الحقوق والواجبات والتي أهمها : تحمل المصاريف والتكاليف والأعباء التي تقع على كاهل الجميع والدفاع عن الدولة : ” وأنّ يهود بني عوف أُمّة مع المؤمنين، لليهود دِينهم وللمسلمين دِينهم، وإنّ على اليهود نفقاتهم، وعلى المسلمين نفقاتهم، وإنّ بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وأنّ بينهم النصح والنصيحة، والبرّ دون الإثم، وإنّه لم يأثم امرؤ بحليفة، وإنّ النصر للمظلوم، وإنّ يهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين”.

هذه الوثيقة نقضت من قبل اليهود الذين تآمروا على المسلمين وناصروا أهالي مكة المشركين ضد المسلمين.

الخيار الثاني في التعددية هو عقد الذمة وترجمته le contrat de conscience من كلمة ذمة الإنسان بكسر الذال، وليس بفتحها كما تترجم الى الفرنسية contrat d’humiliation والتي تفيد الإهانة والتحقير. قوام هذا الخيار هو عدم رغبة مجموعة من الأفراد بسبب انتماءهم الديني عدم الزود عن الدولة والإنخراط في الجيوش، حيث يلتزم أبناء هذه الجماعة بدفع جزء من أموالهم للدولة مقابل دفاع الدولة عن أراضيها. الذين يعفون من دفع هذا الجزء من الأموال هم الأطفال والنساء والشيوخ لعجزهم عن الدفاع عن الأرض أيام الحروب، ويعفى عنها أيضاً الرجال الذين ينخرطون في الجيوش. في حال عجز الدولة عن الدفاع عن أراضيها ترد هذه الأموال الى هذه الجماعات.

هذا الخيار الثاني اختاره مسيحيو العرب ووقعوا على اتفاقية مع النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وجددت خلال حقبات التاريخ الإسلامي. هذا نصها :

هذا كتاب أمان من الله ورسوله، للذين أوتوا الكتاب من النّصارى، من كان منهم على دين نجران، أو على شيء من نِحل النّصرانيّة، كتبه لهم محمد بن عبد الله، رسول الله إلى النّاس كافّة؛ ذمّة لهم من الله ورسوله”.

“أنّه عهد عهده إلى المسلمين من بعده. عليهم أن يعوه، ويعرفوه، ويؤمنوا به، ويحفظوه لهم، ليس لأحد من الولاة، ولا لذي شيعة من السّلطان وغيره نقضه، ولا تعدّيه إلى غيره، ولا حمل مؤونة من المؤمنين، سوى الشّروط المشروطة في هذا الكتاب.

فمن حفظه ورعاه ووفى بما فيه، فهو على العهد المستقيم والوفاء بذمّة رسول الله.

ومن نكثه وخالفه إلى غيره وبدّله فعليه وزره؛ وقد خان أمان الله، ونكث عهده وعصاه، وخالف رسوله، وهو عند الله من الكاذبين”.

أولاً: ” أن أحمي جانبهم  أي النّصارى وأذبّ عنهم وعن كنائسهم وبيعهم وبيوت صلواتهم ومواضع الرّهبان ومواطن السّياح، حيث كانوا: من جبل، أو واد، أو مغار، أو عمران، أو سهل، أو رمل”.

ثانيًا: “أن أحرس دينهم وملّتهم أين كانوا؛ من برّ أو بحر، شرقًا وغربًا، بما أحفظ به نفسي وخاصّتي، وأهل الإسلام من ملّتي”.

ثالثًا: “أن أدخلهم في ذمّتي وميثاقي وأماني، من كلّ أذًى ومكروه أو مؤونة أو تبعة.

وأن أكون من ورائهم، ذابًّا عنهم كلّ عدو يريدني وإيّاهم بسوء، بنفسي وأعواني وأتباعي وأهل ملّتي”.

رابعًا: “أن أعزل عنهم الأذى في المؤن التي حملها أهل الجهاد من الغارة والخراج، إلاّ ما طابت به أنفسهم.

وليس عليهم إجبار ولا إكراه على شيء من ذلك”.

خامسًا: ” لا تغيير لأسقف عن أسقفيّته، ولا راهب عن رهبانيّته، ولا سائح عن سياحته، ولا هدم بيت من بيوت بيعهم، ولا إدخال شيء من بنائهم في شيء من أبنية المساجد، ولا منازل المسلمين.

فمن فعل ذلك فقد نكث عهد الله وخالف رسوله وحال عن ذمّة الله”.

سادسًا: “أن لا يحمل الرهبان والأساقفة، ولا من تعبّد منهم، أو لبس الصّوف، أو توحد في الجبال والمواضع المعتزلة عن الأمصار شيئًا من الجزية أو الخراج…”.

سابعًا: “لا يُجبر أحد ممّن كان على ملّة النّصرانيّة كرهًا على الإسلام. “ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن”. ويخفض لهم جناح الرّحمة، ويكفّ عنهم أذى المكروه حيث كانوا، وأين كانوا من البلاد”.

ثامنًا: “إن أجرم واحد من النّصارى أو جنى جناية، فعلى المسلمين نصره والمنع والذبّ عنه والغرم عن جريرته، والدّخول في الصّلح بينه وبين من جنى عليه. فإمّا مُنّ عليه، أو يُفادى به”.

تاسعًا: “لا يرفضوا ولا يخذلوا ولا يتركوا هملاً؛ لأنّي أعطيتهم عهد الله على أنّ لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين”.

عاشرًا: “على المسلمين ما عليهم بالعهد الذي استوجبوا حقّ الذّمام، والذبّ عن الحرمة، واستوجبوا أن يذبّ عنهم كلّ مكروه، حتى يكونوا للمسلمين شركاء فيما لهم، وفيما عليهم”.

حادي عشر: “لهم إن احتاجوا في مرمة  ترميم – بيعهم وصوامعهم، أو شيء من مصالح أمورهم ودينهم، إلى رفد من المسلمين وتقوية لهم على مرمتها ترميمها -، أن يُرفدوا على ذلك ويُعاونوا، ولا يكون ذلك دينًا عليهم، بل تقوية لهم على مصلحة دينهم ووفاء بعهد رسول الله موهبة لهم ومنّة لله ورسوله عليهم”.

هذه الإتفاقية التاريخية تطورت فيما بعد واسست في عهد الدولة العثمانية ما بات يعرف بنظام الملل. بعد انتهاء الخلافة الإسلامية اعتبر بعض كبار رجال القانون والشريعة بأن عقد الذمة انتهى بانتهاء الدولة الإسلامية والإستعاضة عنه بفكرة المواطنة والتي تعتبر الأساس الذي بنى الإسلام عليها فكره السياسي من خلال وثيقة المدينة : باعتبار أن المسيحيين والمسلمين خاضوا معاً حروب الإستقلال وبنوا معاً أوطانهم، وعلى اعتبار ان المسيحيين كمواطنين يلتزمون بالواجبات كافة التي يلتزم بها المسلمون من المساهمة في بناء الدولة والدفاع عنها. وما النظام اللبناني التعددي إلا نموذجاً من الأنظمة التي رسمها الإسلام من أجل الإعتراف بالآخر ومساواة كافة المواطنين بالحقوق والواجبات انطلاقاً من وثيقة المدينة.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare