كلمتي عن المجمع الفاتيكاني الثاني في حريصا
في زمن يكثر فيه القتل والدمار والغدر
وتنتشر فيه الخيانة والكذب والقهر،
هو زمن يَقتُل الناس فيه بعضَهُم بعضا فيقتُلَ الرجل جاره ويَقتُل أخاه ويَقتُل عمه وابن عمه ولا يعلم القاتِلُ ولا المقتولُ لماذا يَقتِل أو يُقتَل، إذا جاء ذلك الزمان يقول نبينا محمد عليه الصلاة والسلام فاعلموا بأن يوم القيامة قد اقترب فيسأله من سمع منه هذا الكلام عما إذا فقد الناسُ عقولهَم حينئذ؟ فيجيب النبي محمد بأنه تنزع عقول أهل ذلك الزمان حتى يحسب أحدهم بأنه على شيء وليس هو على شيء.
في زمن هذا الإنقسام الأكبر : إنقسام المجتمعات على بعضها والشعوب على بعضهم والعائلات والأبناء على بعضهم البعض، تأتي هذه المناسبة في ذكراها الثلاثين لتطرح تساؤلات عديدة :
في زمن الفتن والحروب إلى أي أمر يلجأ المؤمنون الصادقون بربهم؟ هل يلجئون الى تبادل الإتهامات والتلهي في مهاجمة المعتقدات والتشكيك والتخوين وتسعير الخلافات؟ أم إلى الشحن الطائفي وهدم الأوطان وتغييب المؤسسات؟ أم يلتجئون الى التقوقع والعزلة وتغليب روح الأنانية وترسيخ الإنقسامات ؟
هنا تكمن أهمية هذا اللقاء الذي أسسه البابا يوحنا بولس الثاني والذي يسير على خطاه البابا فرنسوا ليكون نسمة خير يفوح عطرها على المؤمنين بالله جميعا، بل ليكون بستاناً تنبت من على أرضه الطيبة رايات الأمل والرجاء بعد أن ظن المبغضون والحاقدون والأشرار أنهم أتلفوا تربته وأفسدوا ماءه وهوائه. هاتان الصفتان : الأمل والرجاء، هما من الصفات التي يحملها المسيحيون والمسلمون على حد سواء، ألم يقل بولس في رسالته إلى أهل كورنثوس : ” إِنَّهُ مِنْ أَجْلِنَا مَكْتُوبٌ. لأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْحَرَّاثِ أَنْ يَحْرُثَ عَلَى رَجَاءٍ، وَلِلدَّارِسِ عَلَى الرَّجَاءِ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا فِي رَجَائِهِ”. وكما تعلمناه نحن المسلمون أيضاً من قرآننا الكريم حين يقول الله تعالى : ” قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله” وكما يقول النبي محمد عليه الصلاة والسلام : “لو قامت الساعة (أي يوم القيامة والدينونة وما يصاحبها من مظاهر كونية تنذر بنهاية العالم) وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها”.
هذا الجمع الفاتيكاني الكبير في مدينة اسيزي والذي نقتدي به في لبنان من هذا المكان الشامخ الذي يطل على رمزية أمنا جميعا مريم العذراء، يجيب على تلك التساؤلات المطروحة بالقول والذي نتمنى أن يكون بالفعل أيضاً، بأن يجتمع المسيحيون والمسلمون على المحبة والثقة المتبادلة والإحترام بل على البحث على المشتركات التي بينهم وما أكثرها وترك الخلافات والتصدعات. إن مسيحَنا جميعاً، نحن وأنتم، قد قارب مجيئَه -كما تذكر أحاديثنا النبوية – ليكون الإشارة الأخيرة ليوم الدينونة ويوم الحساب وليملأ الدنيا عدلا ورحمة ومحبة بعد أن ملأها الأشرار ظلماً وكراهية وقتلا. فلنتعاضد بجمعنا المبارك ولنمسك بأيدي بعضنا البعض لنبتهل إلى ربنا رب المحبة والرحمن الرحيم قائلين :
اللهم إننا مؤمنون بأنك خالق الأكوان وما حواه من إبداعات خلقك وانبهارات صنعك، جئناك مسلمين ومسيحيين متضرعين باسمك الأمجد والأرحم أن تجمعَنا على المحبة والألفة، وتطهر قلوبَنا من الأحقاد والتعصب، وأن تبعد عنا كيد الأشرار والقتلة، وأن تقرب بيننا لنصبح متحابين ومواطنين متجاورين متضامنين متراصين. اللهم اعط لبنان، وما جاوره من بلاد، الأمن والأمان ورسخ أقدام أبنائه على أرضه حتى يكون لبناننا رسالة المحبة والعيش الواحد الى كافة البلاد والى جميع العباد. اللهم آمين