قراءة حول كتاب السياحة الدينية الثقافية لمؤلفته ليلي مكرزل سعد
ضوء البدر حين يسطع نوره يخفي بريق نجوم السماء. هذا شعوري الأول لقراءتي ما خطته أنامل الكاتبة ليلي مكرزل في كتابها عن السياحة الدينية الثقافية. الأمر الثاني الذي جعلني أحيد عن الدخول مباشرة في موضوع هذا الكتاب ما خطه الدكتور أنطوان مسرة من كلمات رائعة ودقيقة ومفصلة لتكون مقدمة لهذا الكتاب ولكلمته التي أتحفنا بها في لقاء هذا المساء. لو كنت في هذه الندوة وحيداً لقلت لنفسي كما في المثل العربي مع فارق المناسبة التي قيلت فيها : قطعت جهيزة قول كل خطيب. لذلك فإن مداخلتي ستتسم بطابع الخصوصية حول السياحية الدينية الإسلامية.
في احدى النصوص المتداولة عن شيخ المتصوفين المسلمين في القرن الثامن الميلادي أبو يزيد البسطامي، ما روي عنه أنه قال : مررت بدير فيه راهبة ، فسألتها أهنا مكان طاهر أصلي فيه ؟ فقالت : طهر قلبك ، و صلِ حيث شئت. لعلي بهذه البداية أكون قد أخذت منحى جديداً في قراءتي لهذا الكتاب القيم. فمن عنوانه سمحت لنفسي بالغوص في أعماقه للتعرف على جواهره الثمينة، فهو ليس كتاباً عن السياحة الدينية التجارية التي أخشى من تفاقمها وأجانبها، بل هو عن السياحة الدينية الثقافية التي أنحو اليها وأشجعها. ولعل إدراج كلمة الثقافية تحد من جشع تجار الهيكل الذين لهم في كل مصطبة صداحين لفتح شهية أبرياء الناس الساعين الى التقرب الى الله. قد يسأل متدين بريء عن أهمية إقحام الثقافة في مسائل السياحة الدينية، لأجيبه بأن الإيمان مقره القلب ولا أحد يطلع عليه الا الله، فكم من متظاهر بالايمان أخفى منفعته المادية وجشعه بادعاءه لنفسه الصلاح والتقوى، وللمكان الذي يدعو لزيارته التقرب الى لله والتأسي بالأولياء والقديسين، وأما الثقافة فمقرها العقل والتفكير ولمعرفتها يكفي أن يتكلم مدعي الثقافة ليؤكد حقيقة معرفته أو ليفضحها. وقد قال سقراط لرجل يمشي متباهياً بين تلامذته في إحدى مجالسه “تكلم حتى أراك”، كما جاء عن الامام علي قوله “الرجال صناديق مغلقة مفاتيحها الكلام”.
في مجال المقارنة لاختيار أماكن السياحة الدينية ولمعرفة روحية المكان الذي يقصده الزائر ومدى تأثيره عليه في بناء شخصيته الروحية أو المادية، أذكر ما حدث لإمام العيش المشترك الأوزاعي الذي وقف في القرن السابع الميلادي مناصراً مسيحيي المنيطرة في جبل لبنان ضد الوالي العباسي، فحين سافر الى بيروت من مدينة ولادته كرك نوح المجاورة لمدينة زحلة، وقف قبل الدخول اليها على مشارفها ليسأل عن وجهته فصادف امرأة عجوز في مقبرة من الضواحي فسألها أين المعمورة فأجابته وهي تشير بأصبعها الى المدافن : المعمورة ها هنا، ثم أشارت بإصبعها الى ناحية بيروت وقالت له وأما “الخرابة فهناك”، فأعجب الامام الاوزاعي بإجابتها وعفويتها وعمق فكرها الإيماني، ثم استقبل وجهته قاصدا بيروت وحين وصل الى أسواقها التجارية سمع صوت أحد الباعة وهو ينادي : “معنا بصل أطيب من العسل”، فوقف الامام غاضباً ونهاه عن هذا الكلمات وليطالبه بأن يكون لسان حاله في تجارته صادقا، وانه سيحاسب امام الله عن زلات لسانه. حينها قرر الاوزاعي السكن في بيروت متخذا زاويته في الوسط التجاري لبيروت التي ما زالت قائمة الى الآن ليرشد الناس الى القيم المثلى للدين، وليقف على سر هذا التأرجح بين الثقافة الدينية والخدع التجارية داخل المجتمعات حين تجمع بين حكمة عجوز آثرت العيش بجوار المدافن ودهاء تاجر كاذب يجول في الأسواق. أقول لولا هذين الحدثين لربما عاد الامام الأوزاعي الى قريته تاركاً بيروت لمتناقضاتها أو توجه الى دمشق الشام والتي كانت عاصمة الدولة في ذلك الوقت.
انطلاقاً من هذه المقدمة أدخل الى الموضوع الذي يخصنا في تقديم هذا الكتاب ولكني سأدخله من بابه الجانبي لأشير الى خصائص السياحة الدينية الإسلامية.
في البداية أذكّر بالنصوص التأسيسية للسياحة الدينية عند المسلمين فهي تتفرع الى نصوص قرآنية ونصوص مستمدة من كلام النبي محمد :
- النص القرآني الأول يتكلم عن أهمية التدبر في سيرة الأولين من خلال التنقل في البلاد ومشاهدة ما أصاب الظالمين منهم من عذاب لتكذيبهم الأنبياء والرسل : (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وأثاراُ في الأرض)، فتكون السياحة في هذا المنظور القرآني للتعرف على تاريخ الأمم القديمة والتدبر والإعتبار لما أصابها من شدائد.
- النص التأسيسي الثاني هو دعاء النبي إبراهيم بأن يجعل من المكان الموحش والقاحل الذي سكنته هاجر وابنها إسماعيل مكاناً لتوافد الناس اليه (رَّبَّنَاۤ إِنِّیۤ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّیَّتِی بِوَادٍ غَیۡرِ ذِی زَرۡعٍ عِندَ بَیۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِیُقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةࣰ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِیۤ إِلَیۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَ ٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَشۡكُرُونَ ) فتكون السياحة من هذا المنظور للتعبد وللحج والإعمار وأحياء المدن القاحلة والفقيرة وللإنعاش الاقتصادي.
- والنص التأسيسي الثالث هو للسعي الى الراحة النفسية والإنعتاق من الهموم ومتاعب الحياة وإن اقتضى الأمر الهجرة الى البلاد الأخرى، فالنص القرآني يتكلم عن مصير الذين ظلموا أنفسهم باتباعهم أهوائهم واعراضهم عن مناصرة الحق بأنهم سوف يسئلون عن سبب ذلك، فإن أجابوا قائلين (كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ) فيأتيهم السؤال (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ؟)، فتكون السياحة هنا بمعنى السفر الى أرض الله الواسعة إن ضاقت بالناس سبل الحياة، كي لا يحتجوا بأنهم كانوا مستضعفين ولا حول لهم ولا قوة بسبب الوهن والكسل أو لأي سبب آخر تعزو الى سوء تقدير الإنسان.
- النص التأسيسي الرابع هو الحديث النبوي ” لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا”، وهذا النص يتعلق بالمفهوم اللغوي للحج وليس بالمفهوم الديني الا في جزئية منه، فالسياحة الدينية بمعناها االحصري تتحقق بزيارة الأماكن الثلاثة الأشد قدسية عند المسلمين وهي المسجد الحرام في مكة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة والمسجد الأقصى في القدس الشريف.
لهذا السبب نستطيع أن نقول بأن السياحة الدينية عند المسلمين وخاصة السنة ترتكز بكثافة عددية هائلة على زيارة هذين المكانين بانتظار تحرير المكان الثالث المسجد الأقصى في مدينة القدس الشريف، وتهمل زيارة باقي الأماكن الدينية، سواء في لبنان أو في بلاد العالم. أضف الى هذا الأمر ما ذكره المستشرق Henri BOUSQUET Georges في كتابه , Les grandes pratiques rituelles de l’Islam, بأن الأماكن الدينية عند المسلمين لا تحتوي على ما يشد الإنتباه كما في الكاثوليكية والأورثذوكسية، فلا وجود لآلات موسيقية ولا تماثيل ولا صور ولا كؤوس ولا صواني ولا شمعدانات ولا بخور، بل كل ما فيها عبارة عن بسط تفترش الأرض للسجود أثناء الصلاة، ومنبر للوعظ ومحراب للإمام. فبهذا المعنى يستطرد المستشرق بأن المسلمين لا يستطيعون وضع أي أدوات دينية كما في متحف Musée Guimet في فرنسا. وإن كانت العمارة الإسلامية والزخرفة والخطوط العربية التي تزين جدران المساجد تلفت الانتباه وتحث على زيارتها.
يبقى أن أسأل قبل أن أختم مداخلتي عن السياحة الدينية هل يجب أن ندلي اهتماما في المقام الأول للسياحة الدينية في النفوس قبل الأمكنة وما تحويه من نقوش ونصوص. لأجيب عن هذا السؤال أعود الى الوراء قليلا لأتذكر زيارة أحد الكرادلة من أمريكا الى دار الفتوى موفداً من قبل البابا طيب الذكر يوحنا بولس الثاني وما دار بيني وبينه من حوار حين ذكرت له مشروعا تساهم به المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية يتضمن بأن تنشأ مكاتب سفر تمنح تخفيضات كبيرة لمن أراد من رجال الدين السياحة بصحبة رجال دين آخرين من مذاهب مختلفة، وهدفي بذلك بأن هذه السياحة الدينية داخل النفوس هي أحرى بالتشجيع، انطلاقاً من كلام الراهبة التي طلبت من شيخ المتصوفين البسطامي بأن يطهر قلبه ويصلي أينما شاء، باعتبار أن طهارة القلوب أولى بالاتباع من طهارة الأمكنة، فتكون السياحة الدينية بهذا المعنى التي تعمل عملها داخل قلوب المؤمنين وخاصة رجال الدين أولى بالإهتمام والتشجيع من زيارة الأمكنة السياحية وأنها ستجني ثمرات من الصداقة والأخوة تعود فائدتها على المؤمنين جميعا بكل الأديان. لا أخفي عليكم دهشة الكاردينال وبريق عينيه وابتسامته وهو يحدثني معتقداً بأن هذا المشروع هو قيد التنفيذ، فأجبته بأنه ما زال من لبنات أفكاري نتيجة الصداقة والمحبة التي تربطني برجال دين مسيحيين في سفراتنا المتعددة الى الخارج. فتمنى لي تحقيق هذا المشروع ودعمه له.
السؤال الثاني الذي به أختم حديثي وهو سؤال أدلي به دون أن أعطي جواباً مفصلاً عنه : في مجال التنافس بين الطوائف والرغبة في جذب المؤمنين في كل دين ومذهب، هل يحق للمؤسسة الدينية تمرير بعض الأساطير الخيالية حول الأماكن والشخصيات الدينية ؟ في حديث جمعني برجال دين من كل الطوائف ومن خلال ابحاثهم تبين لي دون أن أدخل بجوهر اجاباتهم على هذا الموضوع، بأن بعض الأساطير تحاك فعلاً عن أماكن وشخصيات دينية تشد اليها الرحال في لبنان من قبل المؤمنين. وقفت على هذه الإجابة ليدب بي الذعر والخشية من الأجيال الصاعدة التي لم تعد تتقبل الخرافات والأساطير وخاصة عندما تتوشح بمظاهر دينية براقة وخداعة، فتذكرت المقولة التي تنسب الى André Malraux المفكر الفرنسي الفيلسوف والوزير في فترة رئاسة الجنرال ديغول حين قال : « Le 21ème siècle sera religieux, ou ne sera pas »….أخشى بأن يصبح القرن الواحد والعشرين لا دينياً إذا لم نضع حدا لانتشارهذه الأخطاء والأوهام المقصودة داخل كل الأديان، وأن نستبدلها بنشر قيم المحبة والسلام والعدل وقول الحقيقة مهما كانت الأسباب والمكاسب والمحفزات.