الزواج المبكر في لبنان بين الواقع والمرتجى – مؤتمر جامعة أوسلو في مراكش
الزواج المبكر في لبنان بين الواقع والمرتجى – مؤتمر جامعة أوسلو في مراكش
للأعراف والتقاليد أهمية بالغة في بلورة القوانين والتشريعات، وهي تختلف في كل المجتمعات وتتأثر تبعاً لعاملي الزمان والمكان. لذلك اهتمت الشريعة الإسلامية بالأعراف وجعلتها مصدراً من مصادر التشريع وفرقت بين ما كان منها عرفاً صحيحاً أوفاسداً، وقد عرفه الفقهاء بأنه « ما تعارف الناس عليه من طبائع وعادات فيما بينهم في عصر وأقرها العقل والشرع والفطرة». من ضمن الأعراف التي طرأ عليها التغيير والتبديل نظراً لتقادم الزمان واختلاف العصر هو الزواج المبكر. ولا شك بأن التقدم العلمي وما استتبعه من دراسات نفسية وإحصائيات تخطت ما أكده علماء الإجتماع عن خطورة الإقدام على الزواج المبكر ليدركه القاصي والداني بأن هذا الزواج المبكر له آثار مدمرة على الأطفال المعنيين، حيث لا يحرمهم من طفولتهم فحسب، بل يهدد حياتهم وصحتهم وحقوقهم الأساسية بشكل مباشر، وهو ما يحدّ من آفاقهم المستقبلية ونموهم. إضافة الى أن الزواج المبكر لا يراعي النضوج الفكري للمقبلين على الزواج، بل هو في أغلب الأحيان يخشى فيه الأهل تقلبات الرغبات الجنسية لأبنائهم القصر، فيهيئونهم من خلال احتفاليات وطقوس تسبق مراسم الزواج يتلقون فيها دروساً في التوعية والإثارة الجنسية بدلاً من ارشادهم إلى مفاهيم الأسرة التي تؤسَّس على المودة والرحمة. لا شك بأن هذه التربية الجنسية ولو كانت في إطارها الشرعي إلا أنها ومن خلال تجاربي في القضاء تحبط شعور الزوجين بعد فترة قصيرة من الزواج حيث تنتقل فيها الرغبة الجنسية ليصيبها الملل والسعي إلى الإبتعاد ولربما الإلتجاء الى القضاء بدعوى التفريق بينهما. ما يصيب الزوجة الطفلة على وجه الخصوص في فترات الملل يفوق بمراحل ما يصيب الزوج من شعور بأنها أصبحت سجينة في بيت زوجها محرومة من طفولتها التي خطفت منها الى شعور بأنها قد فقدت أنوثتها باعتبار أنها باتت غير مرغوب بها كما في الفترات الأولى من الزواج، وأن عليها أن تسكت وترضخ وتتحمل كي لا تطعن في أنوثتها وتلوكها الألسنة في حال الطلاق، أو في حال الحمل والإنجاب. وتشير كثير من الإحصائيات لدى علماء النفس إلى أن انحلال الشعور بالعشق والتيم يضمحل بعد فترة الثلاث سنوات، وهي الفترة التي تكثر فيها النزاعات الزوجية والدعاوى القضائية الأسرية.
ليست الدوافع والإيحاءات الجنسية لتشجيع الأطفال على الزواج المبكر هي المسؤولة فقط عن إقصاء مفهومه الرئيسي لتأسيس الأسرة، بل أن الفقهاء القدماء يشتركون عن حسن نية بتحمل هذه المسؤولية بناء على المفاهيم الرائجة في عصرهم. فمنهم من عرفه بأنه عقد على مجرد متعة التلذذ بآدمية بأنثى (المالكية)، أو عقد وضع لتمليك منافع البضع كما هو عند بعض الحنفية، أو عقد يفيد ملك المتعة قصدا كما هو عند الحنفية، أو عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ الإنكاح والتزويج، أو معناهما، أو بترجمتهما كما هو عند الشافعية، أو عقد بلفظ إنكاح أو تزويج على متعة الاستمتاع كما هو عند الحنابلة. كما أن الفقه الشيعي الجعفري أضاف الى هذه التعاريف مشروعيته لزواج المتعة المحدودة في الوقت والقائمة على مدلولية اللفط بالاستمتاع الجنسي.
وقد أصابت مدونة الأسرة في المغرب وما استتبعها من تشريعات في باقي الدول الى أعادة المفهوم القرآني للزواج وتقديم تعريف جديد له يتماشى مع روح الشريعة الإسلامية : “الزواج هو ميثاق تراض وترابط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام، غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرة، برعاية الزوجين”. إنطلاقاً من هذه التعاريف الحديثة للزواج، فإنه لا بد أن يستتبعه تغيير في الشروط الإلزامية في عقد الزواج وهو شرط السن القانونية لكلا الزوجين بحيث يكونا أكثر استعداداً لإنشاء أسرة مستقرة وهو ما يتطلبه إضافة إلى الشروط الجسدية التي تتحمل فيها الزوجة العلاقة الجنسية والإنجاب : الشرط الإدراكي والنضوج الفكري لإنشاء الأسرة.
حالات الزواج المبكر في لبنان
لا بد أن أشير أولاً الى أن العادات والتقاليد في معظم أرياف الدول العربية والإسلامية ما زالت تعتبر أن تزويج الأطفال في سن مبكر من الأمور المستحسنة طلباً للإحصان والعفة أو دفعاً لعار افتراضي متوارث يطال الفتيات بشكل خاص، وأن تأخير الزواج يسيء الى سمعة الفتاة التي سرعان ما تتصف بالعنوسة وهي مازالت في مقتبل العمر. يضاف الى هذه الإعتبارات تبريرات دينية تتناقلها الأجيال من مصادر مستمدة من الشريعة الإسلامية وبالأخص الأحاديث النبوية تروي زواج النبي محمد بالسيدة عائشة وهي في سن التاسعة. المشكلة تكمن في الحقيقة في العادات والتقاليد أكثر من أن تكون في الأسانيد الدينية باعتبار أن العادات والتقاليد هي الأصل والأساس الذي يبنى عليها الزواج المبكر وأن المستندات الشرعية تأتي تبعاً لها لتبريرها وتمريرها ولإضفاء شعور الأهل بالإطمئنان حين التردد وخشية التوهم.
لم يكن الزواج المبكر شائعاُ في لبنان وخاصة في المدن، وإنما لدى العشائر المتناثرة في البقاع والحدود الشمالية مع سوريا. من المعروف بأن هذه العشائر تخضع لقوانينها وعاداتها الخاصة أكثر من خضوعها الى قوانين الدولة. في عدة جلسات كنت أجريها في محكمتي في منطقة شتورة الواقعة بالقرب من الحدود السورية، كان يلفت نظري عند جلسات النطق بالأحكام اعتراض الأطراف “الخاسرة” وتهكمها بما أصدره من أحكام بذريعة أنها حبراً على ورق لمخالفتها الموروثات والعادات المتبعة لديهم من قديم الزمان والتي يحكم بها شيخ عشيرتهم. هذه الفئة من البدو ومكتومي القيد وكما هو الحال داخل المخيمات الفلسطينية، أو داخل المناطق التي تسيطر عليها الأحزاب والميليشيات المسلحة، تعيق تدخل الدولة وتطبيق أنظمتها القانونية وإحكام سلطتها عليها. بصفتي السابقة أميناً لسر مجلس القضاء الشرعي الأعلى وهو أعلى سلطة قضائية للمحاكم الشرعية السنية والشيعية الجعفرية، كانت تردنا مخالفات كثيرة لعقود زواج باطلة بطلاناً مطلقاُ أو فاسدة، دون أن نستطيع إزائها تحريك الساكن وتطبيق الإجراءات القانونية بحق الذين أجروا عقود الزواج لأنهم يتمتعون بحماية من فصائلهم أو ميليشياتهم المسلحة.
في أحد البرامج التلفزيونية Envoyé spécial على قناة France 2 سنة 2016 والمخصصة لزواج القاصرات عند مختلف الطوائف الدينية اللبنانية[1]، سجلت الحلقة التي استغرقت عدة ساعات في محكمتي في منطقة شتورة آنفة الذكر. أثناء جلسات المحكمة أحضرت اليّ فتاة قاصرة مع أفراد عائلتها إضافة الى الأعمام والأخوال. عندما سألتها عن عمرها أجاب والدها بأنها من مواليد سنة 2001 أي أربعة عشر سنة في ذلك الوقت، فطلبت منه التزام الصمت وترك الفتاة تتكلم، فأجابني بأنهم في عشيرتهم لا ينبغي للفتاة أن تتكلم بحضور والدها وأنه هو الذي يزوجها وقد سبق له أن زوج ابنتاه القاصرتين في نفس العمر وبنفس الطريقة. عندما رفضت تزويجهما لمخالفة القانون، سمعت ما دار بينهم من تهاتف بأنهم سيذهبون الى شيخ من خارج المحكمة ويزوجهما. وهذا ما يقوم به هؤلاء الأفراد من إجراء عقود زواج بناتهم القاصرات لدى رجال دين أو منتحلين لصفتهم الدينية غير معتمدين من المحكمة سواء من عشيرتهم أو من قبل محسوبين بانتماءاتهم لأحزاب وميليشيات مسلحة ليس من مقدور الدولة ملاحقتهم. بل أنهم في سبيل الإعتراف بزواجهم المعقود بهذه الصفة، يأتون الى المحكمة التي رفضت الموافقة على تزويجهم بهذه السن المبكرة ويتقدمون بدعوى إثبات زواج بعد ابرازهما عقد زواج عند منتحل صفة رجل الدين، مرفقاً به إفادة طبية بأن الزوجة حامل أو أنها وضعت طفلها. إزاء هذا الوضع تصدر المحكمة قراراً بإثبات الزواج أو النسب أو كليهما حرصاً على إضفاء الصفة الشرعية للأولاد.
إضافة الى هذه المعوقات، فقد أدت أزمة اللاجئين السوريين والأزمة الاقتصادية في لبنان مؤخراً إلى زيادة مذهلة في زواج الأطفال بين اللاجئين السوريين، حيث تزايد معدل زواج الأطفال إلى أعداد مخيفة منذ بداية النزاع السوري على الرغم من أن زواج الأطفال مشكلة عالمية، إلا أن هناك العديد من الأسباب الخاصة بكل بلد للزيادة الأخيرة في زواج الأطفال بين اللاجئين السوريين المقيمين في لبنان. تلخص هذه الأسباب بأعراف وتقاليد المناطق وخاصة الريفية في سوريا والتي تحبذ الزواج المبكر كما سبق وأسلفنا. نزيد على هذا السبب انتشار الفقر وانعدام الأمن الناجم عن الحرب والنزوح، ورغبة الأهل في التخلص من أعباء مصاريف بناتهم بل وانتزاع حقهن في المهر ورفض تسليمه للزوجة باعتبارها قاصر.
في دراسة استقصائية أجرتها اليونيسف في 2015-2016، تبين أن 6% فقط من النساء اللبنانيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 20-24 سنة تزوجن قبل سن 18 سنة. بينما ترتفع نسبته الى 12% بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، و25% بين اللاجئين الفلسطينيين من سوريا المقيمين في لبنان، و 40.5% بين اللاجئين السوريين في لبنان. على الرغم من أن هذه الأرقام تبدو صادمة، إلا أنه من المهم ملاحظة أن هذه الدراسة أجريت قبل الأزمة المالية والأمنية. ونتيجة لذلك، فمن المتوقع أن تكون هذه الأرقام أعلى بكثير بسبب التدهور الأخير في الظروف المعيشية. ومن الأسباب الأخرى التي يمكن أن تجعل الأرقام أعلى من ذلك هو أن العديد من اللاجئين غير قادرين على تسجيل زيجات أبنائهم، لأنهم هم أنفسهم لا يملكون إقامة سارية المفعول.[2]
نضيف الى ذلك ما عاناه ويعانيه لبنان من سلسلة من الأزمات: انهيار اقتصادي ومالي تفاقم بسبب الأزمة السياسية، وجائحة كوفيد-19، والانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت في 4 أغسطس/آب 2020 والحرب التدميرية الأخيرة التي ما زال يتعرض لها لبنان من قبل إسرائيل بسبب مناصرته للقضية الفلسطينية، مما أدى إلى تدهور نوعية حياة السكان، لا سيما بين اللاجئين والنازحين، مع تصاعد مستويات الجوع والديون والمشاكل الصحية التي أدت إلى مزيد من العنف وعمالة الأطفال.
الزواج المبكر في نصوص قوانين الطوائف الإسلامية في لبنان
أشير في البداية بأن لبنان لا يستخدم مصطلح قانون أو مدونة الأسرة أو العائلة وإنما يستخدم مصطلح الأحوال الشخصية. قد يختلط على القارئ غير المتخصص التفرقة بين مصطلحي الأحوال الشخصية وقانون الأسرة أو مدونة الأسرة. فالأحوال الشخصية والتي يستخدمها الغرب خصوصاً في القانون الدولي الخاص تستخدم على وجه الدقة عند وجود قوانين متعددة للٍأسرة. وهذه التفرقة تعود الى ما سماه فقهاء القانون الروماني بعد سقوط الأمبراطورية الرومانية بين حقوق عينية وحقوق شخصية للتمييز بين احكام القوانين التي تطبق القانون الروماني والدول التي أصبح لديها أنظمة قانونية مستقلة. فلبنان لديه قوانين أحوال شخصية بعدد الطوائف المعترف بها والتي هي ثمانية عشر طائفة. أمر آخر تتميز به قوانين الأحوال الشخصية في لبنان، بأنها تصدر عن مرجعياتها الدينية حصرياً، مع الإشارة بأن ما يخص الطوائف المسيحية فقضاءها ومحاكمها تتمتع باستقلالية تامة عن الدولة، وأما ما يخص الطوائف الإسلامية فتعتبر جزءاً لا يتجزأ من تنظيمات الدولة القضائية. أمر آخر أحرص على التنويه به وهو أن للطائفة السنية وطائفة الموحدين الدروز تشريعاتها القانونية المصدق عليها من قبل المجلس النيابي والمنشورة في الجريدة الرسمية، وأما الطائفة الشيعية فليس لديها قانون للأحوال الشخصية وإنما تتبع الفتاوى الصادرة عن المرجع الشيعي في النجف الأشرف، وهذا ما ينطبق على الطائفة العلوية التي تحتكم الى القضاء الشيعي الجعفري في أحوالها الشخصية.
الطائفة السنية
تنص المادة الأولى من المرسوم الإشتراعي رقم 18 الصادر بتاريخ 13-1-1955 المختص بتنظيم شؤون المسلمين السنيين الدينية على ما يأتي :
” المسلمون السنيون مستقلون استقلالا تاما في شؤونهم الدينية واوقافهم الخيرية- يتولون تشريع انظمتها وادارتها بانفسهم طبقا لاحكام الشريعة الغراء والقوانين- والانظمة المستمدة منها بواسطة ممثلين منهم من ذوي الكفاءة واهل الرأي… “
وأما في مجال القضاء الشرعي فقد كان ينص قانون تنظيم القضاء الشرعي السني والجعفري الصادر بتاريخ 16/7/1962 في مادته 242 على أن القاضي السني يصدر حكمه طبقاً لأرجح الأقوال من مذهب الإمام أبي حنيفة إلا في الأحوال التي نص عليها قانون حقوق العائلة الصادر في 8 محرم 1336 و25 تشرين الأول سنة 1917 فيطبق القاضي السني أحكام ذلك القانون.
من نصوص القانون العثماني التي كان يطبقها القاضي السني الى سنة 2011 :
مادته الرابعة: يشترط لأن يكون الخاطب حائزاً أهلية النكاح أن يتم السنة الثامنة عشرة والمخطوبة أن تتم السنة السابعة عشرة من العمر،
وفي مادته الخامسة : إذا راجع المراهق الذي لم يكمل السنة الثامنة عشرة من العمر وبين أنه بلغ فللحاكم أن يأذن له بالزواج إذا كان حاله يتحمل ذلك ،
وفي مادته السادسة : إذا راجعت المراهقة التي لم تتم السنة السابعة عشرة من العمر وادعت أنها بلغت فللحاكم أن يأذن لها بالزواج إن كان حالها يتحمل ذلك وأذن وليها،
وفي مادته السابعة : لا يجوز لأحد أصلاً أن يزوج الصغير الذي لم يتم السنة الثانية عشرة من العمر والصغيرة التي لم تتم السنة التاسعة من العمر،
وفي مادته الثامنة : إذا طلبت الكبيرة التي أتمت السنة السابعة عشرة من العمر أن تتزوج بشخص فالحاكم يبلغ ذلك لوليها ، وإذا لم يعترض الولي أو رؤي أن اعتراضه غير وارد يأذن بزواجها .
رغبة منها في إصدار نظام جديد لأحكام الأسرة ورفع سن الزواج واشتراط النضوج الفكري إضافة الى النضوج الجسدي، والذي غفل عنه قانون حقوق العائلة، فقد أصدر المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى (والذي يعتبر برلماناً مصغراً للطائفة الإسلامية السنية) قراره بتعديل نص المادة 242 من قانون تنظيم القضاء الشرعي الصادر بتاريخ 16/7/1962 الذي يلزم القاضي بنصه السابق غير المعدل بتطبيق أحكام قانون العائلة العثماني، وبعد إحالته الى مجلس النواب للتصديق عليه، صدر القانون رقم 177 تاريخ 29 آب 2011 الذي ينص على أصدار القاضي أحكامه القضائية طبقاً للقرارات الصادرة عن الـمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في الأحوال الشخصية للـمسلـمين وفي حال عدم وجود أي نص يرجع القاضي السني إلى قانون حقوق العائلة العثماني الصادر في 25/10/1917م وإلا فيحكم طبقا لأرجح الأقوال من مذهب الإمام أبي حنيفة.
طبقاً لهذه المادة تمكن المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى من إصدار نـظـام أحـكـام الأسـرة بقراره رقـم 46 تـــاريــخ 1/10/2011م والذي تم تعديله لاحقاً بموجب القرار رقم 62 بتاريخ 12/12/ 2020 ليشمل نصاً جديدا في زواج القاصرين.
المادة 39 : يشترط في أهلية زواج كل من الخاطب والـمخطوبة أن يتما الثامنة عشرة من العمر.
المادة 40 : يمنع تزويج القاصر أو القاصرة اللذين لـم يتما الخامسة عشر من عمرهما
المادة 41 : إذا راجع القاصر أو القاصرة اللذين أتما الخامسة عشر من العمر القاضي الشرعي؛ وادعيا أنهما بلغا، فله أن يأذن لهما بالزواج، إن كان حالهما الجسدي والعقلي/ النفسي يتحمل ذلك وأذن وليهما.
المادة 42 : يخضع القصر أثناء تقديمهم معاملة الزواج لفحص طبي وعقلي/نفسي من أخصائيـين اثـنين معتمدين من الـمحاكم الشرعية للتـثبت من عدم وجود مانع عقلي/ نفسي أو جسدي يمنع من الزواج. إذا تبين أن أحد القاصرين الـمعقود عليهم ال يتمتع بالـمواصفات الـمطلوبة، فللقاضي أن يفسخ الزواج بطلب من الطرف الـمتضرر. ويصدر قرار الفسخ مع قرار إثبات الزواج في حكم واحد.
المادة 43 : على القاضي أن يتـثبت من اطلاع الخاطبين على واجباتهما وحقوقهما الشرعي قبل إجراء العقد، من خلال توجيههما مباشرة أو تكليف الـمأذون بذلك.
المادة 44 : لا ُتـَزَّوج القاصرة بدون إذنها وإذن وليها، فإن زوجها وليها بدون إذنها فلها الحق في طلب فسخ الزواج، كما للولي حق طلب الفسخ في حال تم تزويج ابنـته بدون إذنه.
المادة 45 : في حال أقدم ولي القاصر/ القاصرة أو وصيهما أو أجنبي عنهما على عقد زواج أي منهما، دون إذن القاضي ودون استكمال الـمعاملات الـمطلوبة لزواج القصر فعلى الـمحكمة الزام أصحاب العلاقة باستكمال النواقص قبل إثبات الزواج.
المادة 46 : في حال مطالبة القاصرة بمهرها الـمقبوض، فإن وليها أو وصيها الذي زوجها يكون ضامنا له.
ومن أهم ما جاء في أسبابه الموجبة :
- أن أعباء الزواج النفسية والاجتماعية تتطلب استعدادا عقليا ونفسيا لهذا العقد،
- لـما كان زواج القصر (قاصرين أو قاصرات) قد علقه النبي محمد صلى الله عليه وسلـم على القدرة في قوله عليه الصلاة والسلام: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ»، فإن الباءة تعني القدرة على الزواج ومؤونته،
- قـرار حـقـوق الـعـائـلـة العثماني أخذ باجتهاد القاضي ابن شبرمة في منع زواج غير البالغين، لقول الله تعالى {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} فدلت الآية على أن للزواج حد وهو البلوغ الجسدي، وأن البلوغ الجسدي نفسه لا يكفي للقول برشد الإنسان،
- أن النبي صلى الله عليه وسلـم قد جعل الأمر بيد الـمخطوبة ولـم يجز استبداد وليها بإجبارها على الزواج وأجاز فسخ النكاح، وأن الرضا يستلزم التـثبت من رشد العاقد وعقله وحرية إرادته وعدم إكراهه على الزواج،
- أن زواج القصر في لبنان غالبا ما ينتشر في بعض البيئات الريفية ولدى اللاجئين ولدى جماعات الغجر، وأن بعض أقارب القاصرة يستولي على حقوقهن الـمهربة، بل قد يعمد الى تزويجهن مقابل بدل مالي يأخذه الولي.
- أن قاعدة سد الذرائع مقررة شرعاً على أن لا تحرّم حلالا ولكن تقيده باعتبار مآلاته. فكان لزاما على الفقيه والـمقنن أن يفرض قيودا على عقد الزواج منعا من الضرر، دون أن تؤدي هذه القيود الى منعه على إطلاقه،
- ولـما كان الزواج في الشرع أركانه الإيجاب والقبول، فيحصل بدون مباركة رجل الدين. وقد لجأ الناس للتهرب من أعباء الإجراءات القانونية أو رغبة في الإسراع بالزواج الى عقد زواج بدون إذن القاضي ودون استكمال الـمعاملات النظامية. ثم يتقدمون عند الحمل بدعوى إثبات زواج. وقد يمتـنع الزوج عن الاعتراف بالعقد أو يظهر صورة عن عقد غير رسمي أو غير موثق، فتقع الـمنازعة القضائية على صحتها. وقد أدى هذا الأمر الى فوضى عارمة والإضرار بالزوجة بشكل خاص. وهو ما استدعى الفقيه الـمقنن على أن ينص على مواد في هذا النظام لضبط إثبات الزواج ولـمنع استغلال هذه الثغرة القانونية لتضييع حقوق أحد الزوجين عموما وحقوق الزوجة القاصر خصوصا. كما تم التفصيل في حالات إثبات الزواج بالتراضي أو نزاعياً، منعا من لجوء الـمتقاضين الى منازعات شكلية للتهرب من الـمعاملات القانونية،
- ولـما كان الحل الذي تم اعتماده بإحالة صورة عن الـمعاملة الى النيابة العامة لدى الـمحكمة العليا لـمتابعة الـملاحقة القانونية فتحيلها الى القضاء الجزائي الـمختص، متماشيا مع ما كان معمولا به في الدولة العثمانية أيام السلطان محمد رشاد حيث تم النص على سجن الـمخالفين: «إذا لـم يُراعِ الزوجُ ووكِيلا الطَّرفين، إن كانا حاضرَين، الواجبَ القانونيَّ بخصوص عقد النكاح بحضور الحاكم أو نائِبه، يُحبَسونَ من شهرٍ الى سِتّة أشهرٍ، ويُحبَسُ الشهودُ الحاضرونَ في مثلِ هذه العقودِ، من أسبوع الى شهر واحد». وقد نص قانون العقوبات في الـمواد 483/484/485/486 على معاقبة الـمخالفين، ولكن إهمال هذه العقوبات ــ مع تواضعها ــ قد جرّأ الناس على مخالفة الأنظمة والقوانين، مما ضيع حقوق العباد عموماً والقصر خصوصاً.
- اشتراط إجراءات إلزامية على القاضي أن يقوم بها قبل إعطاء الإذن بعقد الزواج، وهي الاستحصال على تقرير طبي من طبيب معتمد لدى الـمحاكم بأن جسد القاصرين يحتمل الزواج، وعلى تقرير نفسي بان حالتهما النفسية والعقلية تسمح لهما،
- أن الـمصلحة تقتضي رفع سن الزواج وعدم الإذن للقصر بالزواج سواء كان ذكرا أم أنـثى مالـم يتما السنة الخامسة عشر من عمرهما؛ خاصة لتأخر سن البلوغ والنضوج في الـمجتمع اللبناني، وزيادة أعباء الزواج الاجتماعية وما يترتب عليه من مسؤوليات شرعية ومادية على الزوجين،
- أن الـمصلحة تقتضي تحديد سن الزواج لكل من الذكر والأنـثى بثمانية عشر سنة ولا يزوج تحت هذا السن إلا بإذن من القاضي إذا وجد أن حالهما يتحمل ذلك.
طائفة الموحدين الدروز
تنص المادة الاولى والمادة الثانية من القانون رقم 208\2000 “استقلال طائفة الموحدين “الدروز” على ما يأتي:
المادة الاولى: “طائفة الموحدين الدروز مستقلة بشؤونها الدينية واوقافها ومؤسساتها الخيرية تتولى تنظيمها وادارتها بنفسها، طبقا للأحكام الروحية للطائفة وامتيازاتها المذهبية والقوانين والنظم المستمدة منها”.
ويشير قانون الأحوال الشخصية لطائفة الموحدين الدروز رقم 5 تاريخ : 24/02/1948 في المادة 171 ما نصه : في جميع المسائل الداخلية في اختصاص قاضي المذهب والتي لم يرد عليها نص خاص في هذا القانون يطبق القاضي المشار اليه احكام الشرع الاسلامي المذهب الحنفي وجميع النصوص القانونية التي لا تتعارض مع الشرع الإسلامي.
وأما فيما يخص سن الزواج وشروط الأهلية فقد نص في :
مادة 1: يحوز الخاطب على اهلية الزواج بإتمامه الثامنة عشرة والمخطوبة بإتمامها السابعة عشرة من العمر.
المادة 2 (عدلت بموجب قانون 58 / 2017) : لشيخ العقل او قاضي المذهب ان يأذن بالزواج للمراهق الذي اكمل السادسة عشرة من عمره ولم يكمل الثامنة عشرة اذا ثبت لديه طبيا ان حالة يتحمل ذلك، على ان يكون اذن احد شيخي العقل او قاضي المذهب موقوفا على اذن ولي المراهق.
المادة 3 (عدلت بموجب قانون 58 / 2017) : لشيخ العقل او قاضي المذهب ان يأذن بالزواج للمراهقة التي اكملت الخامسة عشرة من العمر ولم تكمل السابعة عشرة اذا ثبت لديه طبيا ان حالها يتحمل ذلك واذن وليها.
المادة 4 (عدلت بموجب قانون 58 / 2017) اذا اذن لشيخ العقل او قاضي المذهب بزواج المراهق والمراهقة بدون اذن الولي حق لكلمن المراهق والمراهقة ان يطلب فسخ الزواج في مدة ستة اشهر تبتدىء من تاريخ بلوغ السن المبينة في المادة الاولى
المادة 5 (عدلت بموجب قانون 58 / 2017) لا يجوز لأحد اصلاً ان يزوج الصغير الذي لم يتم السادسة عشرة والصغيرة التي لم تتم الخامسة عشرة. ولا يجوز تزويج المعتوه ولا المعتوهة ولا المريض ولا المريضة بعلة من العلل السارية المانعة للزواج وغير القابلة للشفاء والتي تلحق ضرراً بالأولاد لاحقاً. وعلى شيخ العقل او قاضي المذهب أن يستثبت قبل الاذن بالزواج سلامة الزوجين من العته والعلل السارية بتكليفهما ابراز شهادة صحية من طبيب منتسب الى احدى نقابتي الاطباء في لبنان، بعد اجراء الفحوصات الطبية المطلوبة من الجهات المختصة، ويجوز الاعتراض على هذه الشهادة امام قاضي المذهب وقراره بشأنها قابل لطرق المراجعة.
المادة 6 (عدلت بموجب قانون 58 / 2017) : اذا طلبت الكبيرة التي يتراوح سنها بين السابعة عشرة والحادية والعشرين ان تتزوج بشخص فشيخ العقل او قاضي المذهب يبلغ ذلك لوليها, واذا لم يعترض الولي في مدة خمسة عشر يوما من تاريخ تبليغه او اعتراض ورؤي اعتراضه في غير محله, اذن شيخ العقل او قاضي المذهب بزواجهما
الطائفة الشيعية
تنص المادة الأولى من قانون نظيم شؤون الطائفة الاسلامية الشيعية في لبنان رقم 72 تاريخ : 19/12/1967 على ما يأتي :
الطائفة الاسلامية الشيعية مستقلة في شؤونها الدينية واوقافها ومؤسساتها ولها ممثلون من أبنائها يتكلمون بلسانها ويعملون باسمها طبقا لأحكام الشريعة الغراء ولفقه المذهب الجعفري في نطاق الفتاوى الصادرة عن مقام المرجع العام للطائفة في العالم.
كما تنص الفقرة الثانية من المادة 242 من قانون تنظيم القضاء الشرعي السني والجعفري الصادر بتاريخ 16/7/1962 على ما يأتي :
يصدر القاضي الجعفري حكمه طبقا للمذهب الجعفري، ولما يتلاءم مع هذا المذهب من أحكام قانون العائلة.
تبعاً لذلك فإن الأحكام القضائية للمسلمين الشيعة في لبنان غير مدونة وتستمد أحكامها من مرجعيتها الدينية المعتمدة وهي مرجعية النجف المتمثلة بأية الله السيستاني. في الفتاوى الصادرة عن مرجعيته يحدد علامات البلوغ عند الأنثى بإكمالها سن التسع سنين هلاليّة، و هو يعادل ثمان سنين ميلادية وثمانية أشهر وعشرون يوماً تقريباً. ويعتبر الولد بالغاً بإكماله سن الخمس عشرة سنة هلالية، وهو يعادل أربعة عشر سنة ميلادية وستة أشهر وخمسة عشر يوماً تقريباً.
في إحدى الفتاوى الصادرة من مكتبه بتاريخ 26/9/2019 تذكر بأن زواج الصغار أي زواج غير البالغة من غير البالغ كان أمرأ متداولاً في العديد من المجتمعات الشرقية الى وقت قريب ومن هنا تضمنت الرسالة الفتوائية في طبعاتها السابقة بعض احكامه؛ ولكن لوحظ انحساره في الزمن الراهن فتم حذف جانب منه من الطبعات الأخيرة» وما نريد التأكيد عليه هو: أنه ليس لولي الفتاة تزويجها الا وفقأ لمصلحتها ولا مصلحة لها غالبا في الزواج الا بعد بلوغها النضج الجنسي والاستعداد النفسي للممارسة الجنسية؛ كما لا مصلحة لها في الزواج خلافا للقانون حيث يعرضها لتبعات ومشاكل هي في غنى عنها[3].
الخاتمة
في سياق ما تقدم تبرز صعوبة الحد من الزواج المبكر لدى شريحة كبيرة من المسلمين الذين يتواجدون في الأرياف والمناطق النائية نظراً لتحكم العادات والتقاليد لديهم مما يدفعهم الى للجوء الى الإلتفاف وراء قوانين أحوالهم الشخصية. للحد من هذه الظاهرة على مستوى الخطاب الديني لفئة الوعاظ والمرشدين لا بد من توجيههم في إعطاء استدلالات جديدة سواء تاريخية أو فقهية للأحاديث التي يتناقلونها بكثافة عما ورد في صحيح مسلم والبخاري واللذين نقلا الينا روايات عن السيدة عائشة توضح أنها تزوجت الرسول عليه الصلاة والسلام وهي في السادس ودخل عليها في التاسعة من عمرها. من هذه الإستدلالات بأن هناك معارضة لهذه الروايات من الناحية التاريخية وهي تخلص للقول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج السيدة عائشة وعمرها سبعة عشر عاما وليس ستة أو سبعة أعوام. وطالما أن هناك تضاربا في التواريخ والأحداث المنقولة في الأحاديث فإنه من الممكن الركون الى التحليل العقلي والمنطقي وهذا لا يقلل من شأن آراء الفقهاء في هذه المسألة. وعلى كل فهذه الروايات دون الدخول بموضوع صحتها وثباتها فإنها ليست من فئة التشريعات الواجبة التطبيق وإنما من قبيل العادات والتقاليد، وفقاً لما هو كان شائعاً بأن العرب في الجاهلية وبعد الإسلام كانوا يزوجون أبناءهم في صغرهم. وبهذا الإعتبار فإنها تصنف من المباحات التي يحق للدولة الحد من مشروعيتها وفق تبدل الأحوال وتغير المكان والزمان، أخذاً في الاعتبار أن القاعدة الفقهية “سد الذرائع” مقررة شرعاً على أن لا تحرم حلالاً ولكن تقيده باعتبار مآلاته.
كما أنه ينبغي للدولة للحد من ظاهرة الزواج المبكر ممارسة سلطتها القانونية وهيبتها وإيقاع العقوبات الصارمة على الأشخاص الذين يسهلون إيقاع عقود زواج القاصرات والأولياء الذين يلجئون الى تزويج أطفالهم أو الإستيلاء على حقوقهم المالية.
دون أن أنسى تحريض المنظمات غير الحكومية للدخول من باب زواج القاصرات لشن حملاتها على القيم والمبادئ الدينية الراسخة في الأسر المسيحية والإسلامية. ناهيك عن سكوتها وبإيجابية لظاهرة العلاقات الجنسية للقاصرات خارج إطار الزواج ولو أدى ذلك الى إنجاب أولاد وتأسيس عائلات بلا روابط زواج.
في كتابه عن الإسلام وتحديات العصر الصادر باللعة الفرنسية يذكر الشهيد الشيخ صبحي الصالح عضو اكاديمية المملكة المغربية بأنه تبين له من خلال أبحاثه عن المرأة مدى عمق هذه الهوة التي اتسعت على مر العصور بين حقيقة القرآن الكريم والحياة العملية، والتناقض المؤسف بين النصوص والوقائع. فلا تزال هذه التقاليد الثقيلة تلقي بثقلها على الأخلاق والعادات اليومية. الإسلام، الذي يهدف إلى إنسانية شاملة، لم يعد بإمكانه أن يتسامح مع تأخير تطور المجتمع باستبعاد مشاركة المرأة على قدم المساواة في جميع مستويات الحياة العامة.
[1] https://www.francetvinfo.fr/replay-magazine/france-2/envoye-special/video-envoye-special-sens-cache-liban-mariee-des-12-ans_1353193.html
[2] https://www.humanium.org/fr/une-augmentation-alarmante-des-mariages-denfants-parmi-les-refugies-syriens-au-liban/?gad_source=1&gclid=Cj0KCQjw1Yy5BhD-ARIsAI0RbXZNcXpLz1aJUbgSVdQOHrZha6-yOY42P4bA9UGX0oc56eQUDsXOzeUaAiU7EALw_wcB
[3] https://www.sistani.org/arabic/qa/0363/