المدرسة بين الإستحقاق والإستغلال
في بداية كل عام دراسي يحمل الأهل في لبنان هموم دفع الأقساط الدراسية لأبناءهم. في هذه البلاد التي أرهقتها الحروب والفتن الداخلية والسرقات والفساد المالي المستشري بين الطبقة الحاكمة، كثيراً ما نسمع عبارات التشفى والإزدراء التي تطال المسؤولين السياسيين مصحوبة بالنقد الذاتي للمجتمعات التي تعيش في أوهام التدين المغشوش الذي لا يتعدى المظاهر الخداعة، بما جاء على لسان أحد الفقهاء المسلمين : “إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة”. ولعل هذه المقولة تزداد انتشاراً ومضرباً للأمثال عند مقارنة مجتمعاتنا بما نشاهده في مجتمعات الدول الأجنبية التي لا يسمع لأحد من أبناءها من يشكو فقره وعوزه ويبث همه وحزنه بشأن دخول أبناءه المدارس، فكل شيء مجاني ومؤمّن من قبل الدولة، بينما في لبنان ما أن ينتهي عام دراسي حتى يتلوه عام دراسي جديد مفجع بالأزمات والأوجاع والهموم.
من أهم الإلتزامات التي يذخر بها تراثنا الفقهي هو اشتراط الكفاءة وصفات العلم والإدراك والتأهيل لتولي كافة المناصب العامة والسياسية والتي تعتبر من الشروط الأساسية لتولي المراكز القيادية في الدولة، وإذا كانت هذه الصفات واجبة لتولي المناصب السياسية، فإن المبادئ التي قام عليها الإسلام تلزم المسؤول السياسي في تأمين سبل العلم للمواطنين. تحقيق هذا الإلتزام يتم عبر تأمين العلم المجاني لكافة الناس إذ جعل الله لطالب العلم سهم من أسهم الزكاة الثمانية. جاء في الموسوعة الفقهية: “اتفق الفقهاء على جواز إعطاء الزكاة لطالب العلم، وقد صرَّح بذلك الحنفية والشافعية والحنابلة، وهو ما يُفهم من مذهب المالكية، إذ أنهم يجوزون إعطاء الزكاة للصحيح القادر على الكسب، ولو كان تركهُ التكسبَ اختياراً على المشهور، بل ونقل ابن عابدين عن المبسوط قولَه: لا يجوز دفعُ الزكاة إلى من يملك نصاباً إلا إلى طالب العلم، والغازي، ومنقطع الحج. قال ابن عابدين: والأوجه تقييده بالفقير، ويكون طلب العلم مرخصاً لجواز سؤاله من الزكاة وغيرها، وإن كان قادراً على الكسب، إذ بدونه لا يحلُّ له السؤال”.
ومن ضمن الإلتزامات التي يذخر بها تراثنا الديني أيضاً، أن يدرك المسؤول السياسي والعامل بالشأن العام بأن موقعه هو من أجل خدمة الناس وليس من قبيل التسلط على رقابهم وإغفال حقوقهم وإضاعة أموالهم، فالقائم على شؤون الناس هو في المقام الأول خادمهم، كما يقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : سيد القوم خادمهم، وفي حديث آخر : “أخوانكم خولكم أي (خدمكم) جعلهم الله تحت ايديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم”. وهنا أضع خطاً عريضاً على هذه الجملة الأخيرة، فما أكثر المدارس التي تطالب الأهل بتسديد الأقساط الدراسية دون شفقة ولا رحمة، بل يمعنون في قساوتهم وتشددهم ويمنعون الطلبة من متابعة دراستهم إلا بعد تسديد كامل الأقساط الدراسية.
إلى جانب مسؤولية الدولة في التخفيف من الأعباء الدراسية على الأهل غير المقتدرين، تأتي مسؤوليتها في توفير التعليم المجاني أو الشبه مجاني عبر اهتمامها بالمدارس الحكومية ورفع مستواها ليتقارب مع مستوى المدارس الخاصة. من تراثنا الفقهي الذي يمكن مقاربته بهذا الموضوع ما رواه الإمام مالك عن استدعاءه من قبل هارون الرشيد. يقول الإمام مالك :” دخلت على هارون الرشيد ، فقال لي : يا أبا عبدالله ينبغي أن تختلف إلينا (أي ان تأتي إلينا) ، حتى يسمع صبياننا (أي أولاد الخليفة) منك “الموطأ” (وهو كتابه الشهير)، قال : أعز الله امير المؤمنين ، إن العلم منكم خرج ، فإن أعززتموه عزّ، وإن ذللتموه ذلّ، والعلم يُؤتى ولا يَأتي ، فقال : صدقت ، وقال لأولاده أُخرجوا إلى المسجد ، حتى تسمعوا مع الناس، فاشترط عليه الإمام مالك حينئذٍ ألا يتخطى أبنائه رقاب الناس في مجلسهم وأن يجلسوا حيث ينتهي بهم المجلس.
في تلك الفترة المتقدمة من العصور الإسلامية كانت المساجد هي عبارة عن مجالس العلم التي يرسل الآباء أبنائهم للدراسة فيها، لم تكن هناك أقساط دراسية ولا متكئات خشبية ولا كتباً باهظة الأثمان. فهم الإمام مالك بعين بصيرته كي يكون التعليم ناجحاً لا بد من اتباع قواعد بسيطة أولية. للإشارة اليها سوف نستبدل كلمة “الخليفة” بكلمة “رئيس الجمهورية” وكلمة “الإمام مالك” “بأحد أهم مدراء المدارس”، وكلمة “المسجد” “بالمدرسة” وتخطي “رقاب الناس” : “بالمعاني الدالة على الإمتيازات والوساطات”، و”الجلوس حيث ينتهي المجلس” : “بالمساواة المطلقة بين أبناء الأغنياء والفقراء في توفير وسائل التعليم للجميع”. فنروي هذه الحادثة بلغة العصر الذي نعيش فيه فيكون التعبير عنها بما يأتي :
تلقى أحد كبار مدراء المدارس في إحدى الدول دعوةً من رئيس الجمهورية لحضور اجتماع عاجل. خلال اللقاء، أخبر الرئيسُ مدير المدرسة عن نيته لتوجيه دعمٍ استثنائي للمدارس الخاصة، وضمان تلبية جميع احتياجاتها. غير أن رد المدير كان حازماً وراقياً، مفعماً برؤية مستقبلية. فأجاب قائلاً: “فخامة الرئيس، فلسفتنا تقوم على مبدأ الإنصاف وليس التمييز. يجب أن يكون دعمنا شاملاً لكل قطاعات التعليم، ليكون الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان أينما كان، لا في نوع المدرسة التي يدرس بها.” وأضاف موضحاً: “التعليم هو عماد تقدم الأمم. إذا أوليناه الاهتمام الكافي والاستثمار الاستراتيجي، فسيكون ركيزةً لنهضة علمية شاملة. أما إذا تهاونا فيه أو حصرنا دعمنا في نطاق ضيق، فإنه سيتدهور، وسنخسر رأس المال الحقيقي لأمتنا، وهو العقل البشري.”واختتم حديثه بدعوة جريئة: “لذلك، أرى أن المسار الصحيح يكمن في إلغاء أي امتيازات تُمنح لفئة على حساب أخرى، وضمان تعليم شامل وعالي الجودة للجميع، يمكّن كل طفل من تحقيق إمكاناته، بغض النظر عن خلفيته أو المدرسة التي ينتسب إليها. فالتعليم حقٌ للجميع، وليس امتيازاً لفئة قليلة.”