مدونة

أمنيات حسينية في عاشوراء

عاشوراء
مدونتي / من الصحف

أمنيات حسينية في عاشوراء

أمنيات حسينية في عاشوراء

في الحساب التاريخي الزمني مرت ألف وأربعمائة سنة تقريباً على فاجعة الفواجع استشهاد الامام الحسين عليه السلام وما زالت هذه النكبة وهذا البلاء وهذا الغدر محفورين في وجدان المسلمين في كل الأزمنة والعصور.

في مقاييس الفواجع والنكبات مرت الأعوام مثقلة بالأحزان والهموم لاستشهاد الحسين وتركت في النفوس رغم مرور مئات السنين غضب وحرقة وغصة و لوعة لن تخفت أبداً في وجدان كل المسلمين الى يوم القيامة.

في تعابير الحزن والآلام والرثاء والعزاء لم تذرف الدموع وتتعالى الصيحات في الحناجر وتستجلب اللعنات على القتلة خلال كل حقبات التاريخ البشري مثلما تكرست وتجددت في المشاعر لمقتل سيد الشهداء الإمام الحسين وللهوان الذي لقيه أهل بيته الكرام.

ولكنني سأقف هنا لأتساءل : هل أننا في موازين اتباع وصية جد الحسين في حجة الوداع : ” لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض “، وفي موازين اتباع نهج الحسين والتخلق بأخلاقه والحرص على وصيته في وحدة المسلمين وزرع الألفة والمحبة بينهم هل كنا نحن على مستوى ذكرى استشهاد الحسين؟ وهل كنا موفقين في اتباع وصيته والاسترشاد بمواقفه ونصائحه؟ أم أننا أردنا كمسلمين سنة إغلاق الماضي وعدم التكلم به بل وإغفاله من كتبنا ومناهجنا وقصص أطفالنا وتربية ناشئتنا ولو أدى ذلك الى فقدان جزء أليم من ماضينا لاستلهام العبر من حوادثه ونكباته، أو أردنا كمسلمين شيعة تغليب البكاء عليه واستحضار الماضي ولو أدى ذلك الى تسعير الخلافات وتبادل الإتهامات ورفع الشعارات الثأرية لمقتله.

غير أننا إذا عدنا الى الوراء فسنتفق أنا السني وأنت الشيعي على أن استشهاد الحسين سيد شباب أهل الجنّة وأبوه أمير المؤمنين علي من قبله كان فاجعة الفواجع بالنسبة للمسلمين جميعاً، وكانت بمقتلهما فتنة مظلمة أريقت فيها دماء المسلمين وأغرقت بظلامها العالم الإسلامي كافة. فلنتفق أنا السني وأنت الشيعي بأنه لا يتحمّل وِزرَ مقتلهما إلا من قتلهما، ولا تنجر تبعات إثم من قتلهما إلى الأمم التي عمرت بلاد المسلمين فيما بعد.

لم يكن في حينها سنّة ولا شيعة، بل أنفعيون في الأكثر الأعم يقاتلون في صفوف معاوية ومن بعده يزيد، وأريحيون في الأكثر الأعم يقاتلون مع الإمام علي ومن بعده الإمام الحسين… وكثر الحديث والنقاش في الفترات الزمنية التي تلت هذه الاحداث الدموية بمواضيع الفتنة فتأجج الصراع عاماً بعد عام وجيلاً بعد جيل، واحتدم الخلاف بين جموع المسلمين، وزادهم الحديث في موضوع الفتنة تفرقاً وانشقاقاً وتحزباً لفريق ضد فريق. فتداعى العلماء والفقهاء الأوائل للإتفاق فيما بينهم على عدم الخوض في مواضيع الفتنة وعدم كتابة أحداثها واستنساخ كتبها ومفرداتها ونقل بياناتها وصورها، فتشكل رويداً رويداً على مرّ السنين والعصور وعلى اختلاف مشارب وأفكار وتوجهات المنضوين تحت هذا المبدأ، ما بات يعرف فيما بعد بأهل السنّة والجماعة، فكان اجتماع كلمتهم وأفكارهم في إطار مقولة أساسية هي : ” تلك دماء طهر الله منها أيدينا أفلا نطهر منها ألسنتنا “. فمن كان مشربه محبة الحسين وأهل بيته، – وهم الغالبية العظمى من المسلمين – ظل كذلك في محبته ومناصرته الصادقة لهم، بل إن مؤسسا المذهبين الفقهيين السنّيين : الإمام أبو حنيفة والإمام الشافعي سجنا وخونا بسبب آرائهما المناصرة للإمام علي ولثورة الإمام الحسين عليهما السلام. وأما من كان مشربه مواكبة معاوية ويزيد وحاشيتهما – وهم الأقلية – بقي على ما هو عليه، مع الإشارة لما قد يكون في هذه المواكبة الظاهرية لمعاوية أو يزيد ما تخفيه كثير من النفوس من المحبة للإمام علي ولإبنه الحسين تصديقاً لما ذكره الفرزدق في حينها للإمام الحسين: ” قلوب الناس معك وسيوفهم عليك”

ولا ريب فإن محبتي ومؤازرتي للإمام علي وللحسن والحسين ولآل بيت النبوة جعلت مني سنياً وفق منهج أهل السنّة والجماعة، ومحبتك ومؤازرتك للإمام علي وللحسن والحسين ولآل بيت النبوة جعلت منك شيعياً وفق منهج الإمامية الاثني عشرية، فكنت أنا من خلال ممارسة منهجيتي السنّية مرجحاً للسلم الأهلي حقناً لدماء المسلمين وطلباً لوحدتهم وعدم تفرقهم ولو أدى ذلك إلى التغاضي لبعض الوقت عن مبدأ العدل الاجتماعي، ولهذا السبب تغاضى أهل السنة خلال تاريخهم عن كل ما يثير الفتنة وعن نبش الماضي والتذكير بمآسيه، بينما كنت أنت في ممارسة منهجيتك الشيعية الإمامية مرجحاً للعدل الاجتماعي في إيصال الحق إلى أهله ولو كان ذلك على حساب السلم الأهلي. ولعمري كم هو صعب على المرء أن يختار بين هذين المبدأين عندما يريد أن يقيس الأمور في موازين الحكم وإدارة شؤون البلاد فيما يرضي الله تعالى وشؤون العباد.

بصراحة المنتقد المتألم أقول بأننا لم نكن سنة وشيعة على مستوى الفاجعة، بل قل على مستوى الأمانة التي أراد الحسين أن يحمّلها لنا. أن تكون ذكرى استشهاد الحسين مدعاة للاستنكار والحزن و الرثاء والعزاء في أصدق تعابيرها ومعانيها، فهذا أمر جلل حتى لا ننسى ولا نتغافل، وأن نسعى الى الحؤول دون الوقوع في المحظور والتحريض الطائفي ونبش الماضي وتسعير الخلافات ورفع الشعارات الثأرية فهذا مطلوب وواجب، لذلك فإن ما يجب البدء به هو استقراء ما يتمناه الحسين من كل فرد منا لنتابع السير على نهجه الذي تلقاه عن جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

فلنستقرأ بعض هذه الأمنيات الحسينية التي لو قمنا بتحقيقها لعادت الينا وحدتنا ومحبتنا:

وحدة المسلمين عند استحضار ذكرى عاشوراء، الدعوة الى المحبة والإلتقاء، التأكيد على أن من شارك في مقتل امامنا الحسين باتوا جيفا تحت التراب ونالوا من الله ما يستحقون من عذاب، لا يتحمل وزر مقتل الحسين الا من قتله، التحلي بالأخلاق القرآنية والتأسي بالصفات النبوية للتعبير عن الأحزان في المناسبات العاشورائية، نقل ثقافة الحسين ومنهجه لتصبح ثقافة عالمية في التضحية والإيثار ومناصرة الحق.

أليس لنا أن نحلم بعد ذلك بأن نعود سنة وشيعة الى الزمن الذي كنا نعيش فيه بوئام ومحبّة وحسن جوار وطمأنينة وسكينة، حين كنّا لباس بعضنا بعضاً يسوؤ السني ما يسوؤ الشيعي ويفرح الشيعي ما يفرح السني، إلى أن دخلت إلينا المؤامرات والفتن لتمزيقنا وبث الكراهية بيننا. وإن كنت أتهم المؤامرات الخارجية فإني لا أستبعد البتة مسؤولية الذين يعيشون معنا ممن يقرأون في الكتب الصفراء التي كتبت في أزمنة الفتن ومسؤولية بعض رؤوس الجهلة من الحاقدين والمتمسكين بالنصوص والآراء والحوادث التاريخية التي كتبت ودارت أحداثها في عصور الظلام والتشكيك والتحريض والتخوين.

سؤال أطرحه علينا سنة وشيعة : كيف وصلنا بعد أن أكرمنا الله بالإسلام إلى بث روح التعصّب في ما بيننا إلى درجة أن نعود إلى عصور الجاهلية وإلى مثل ما عانته يثّرب طويلاً في معاداة الأوس والخزرج لبعضهما البعض، أو ما حصل فيما بعد في فترات الحكم الاسلامي الأولى في المناداة بالشعوبية وتفضيل عرق على عرق. كم من مرة وقف النبي محارباً هذه الأفكار حيث روي أن أبا ذر الغفاري وقعت بينه وبين بلال الحبشي مشاحنة فعيَّر أبو ذر بلالاً بأمه وكانت عجمية فعلم النبي بذلك فقال لإبي ذر “إنك امرؤ فيك جاهلية”، فما زالت هذه الكلمة تفعل فعلها في أبي ذر حتى شوهد في البادية يسير ماشياً ومعه خادمه وقد ألبسه من ثوبه وأمطاه راكبته. ألم يقل النبي كلمته المشهورة في حجة الوداع: ” يا أيها الناس، ان ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على اعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.

فكيف وصلنا بعد أن عمت تعاليم الاسلام السمحة أرجاء الأرض أن يعيّر العربي الفارسي ويعيّر الفارسي العربي، وينشر كل منهما رايات التفرقة والتمذهب المقيت على حساب وحدة الكلمة ومواجهة العدو المشترك وكلاهما أنعمهما الله بالاسلام وأمرهما بنبذ التعصب. كيف نسمح لأنفسنا بالاقتتال تحت هذه الراية أو تلك وشحن الأنفس في كل مرة نمسك السلاح ونتعالى على الآخر. ألم نتعلم من التاريخ شيئاً، ألم نتعلم بأن إراقة الدماء الزكية والبريئة وحمل السلاح على بعضنا بعضاً لا يورثان الا الحقد والعداوة ولا يمنحان البتة الانتصار والغلبة. ولكننا للأسف نحن السنة و الشيعة لا نحسن قراءة التاريخ والأحداث، وإذا قرأنا لا نفهم وإذا فهمنا لا نعرف كيف نستفيد مما قرأناه ولا كيف تستفيد شعوبنا من أخطائها و من أخطاء الأمم السابقة.

المضحك المبكي في مفردات لعبة الشطرنج التي تلعبها الدول المتحكمة في مقدرات هذا العالم أن يقال لنا ” كش ” و” مات ” فأكش أنا السني وتموت أنت الشيعي أو بالعكس، على وقع ضحكاتهم ونحن نعلم بأنهم يستهزئون بنا ويرسمون لنا كيف نتعارك ونتحارب ونتمذهب حتى يتمكنوا من تقسيم المقسم الذي سبق لهم أن قسموه وتجزئة المجزأ في منطقتنا العربية.

كلمة أخيرة أوجهها  نحن سنة وشيعة  الى أبواق إذاعاتنا وتلفزيوناتنا وصحفنا والى بعض الذين يقرأون في الكتب الصفراء على وقع طبول عصور الظلام والتشكيك والتخوين: ارحمونا ودعونا نتعانق، ارحمونا ودعونا ننبذ الفتنة وهتافاتها وشعاراتها المقيتة، دعونا نتفق ولا نختلف وإذا اختلفنا أن نعلم بأن اختلافنا رحمة ونعمة وليس نقمة، دعونا مع شركائنا في الوطن نبني لأبنائنا لبنان المستقبل الواعد، لبنان الأمل والتغيير، لبنان المقاوم بجيشه الأبي وبسواعد أبنائه كل أبنائه المخلصين، دعوا أطفالنا يلعبون ويضحكون في ملاعب الصبا والبراءة، دعوا المساجد والحسينيات والخلوات والكنائس تهتف بالسلام والتآخي، دعونا نصلي معاً ونصوم معاً ونعيّد الأعياد معاً مثلما حججنا الى بيت الله الحرام معاً، دعونا أحراراً نحكّم ونحتكم الى عقولنا وضمائرنا وليس الى عقول أصحاب المؤامرات والفتن ولا الى إرادتهم التي تعكس على وجوههم وألسنتهم اصفرار كتبهم المخطوطة في أزمنة الكراهية والتعصب والتخوين.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare