الأحوال الشخصية في لبنان بين الأصالة والتحديث
كلمتي في الندوة عن أنظمة الأحوال الشخصية في لبنان بين الأصالة والتحديث
في الندوة التي عقدت في بيت المحامي في بيروت في الرابع من شهر أيار من هذه السنة حول كتاب أنظمة الاحوال الشخصية في لبنان بين الأصالة والتحديث لمؤلفه الدكتور إبراهيم ألفرد طرابلسي والتي شنت فيها نقيبة المحامين أمل حداد بعد الترحيب بالحضور هجوماً عنيفاً حاقداً وبذيئاً على المؤسسة القضائية الروحية والشرعية والمذهبية وما حققه الفقه الإسلامي من إنتاج تشريعي وقانوني خلال أربعة عشر قرناً، لم أشأ حينها الرد عليها وما زلت أنوء بنفسي عن الرد عليها لخروج كلمتها الحقودة عن المألوف المتبع في آداب وسلوكيات الجهة الراعية أو المستضيفة للندوات والى افتقار كلمتها إلى أدنى القيم والأسس الحضارية في فن المخاطبة واحترام الآخر وأيضاً وبشكل أساسي الى غياب خطابها الهزيل عن منهج البحث العلمي البنّاء القائم على الحقائق الموثّقة لا الإدعاءات المفرّغة، واكتفيت في كلمتي خلال الندوة، بعد الإشارة الى عزوفي عن الأسلوب الذي اتبعته النقيبة في القدح والتجريح والذم، بالدخول في لب الموضوع الذي دعينا إليه والتعليق على الجوانب الإيجابية للكتاب موضوع الندوة وبمعارضة الجزء الذي تكلم فيه مؤلف الكتاب عن الزواج المدني·
إن الخوض في موضوع الأحوال الشخصية في لبنان وطرح البعض – وهم الأقلية – لمطلب اعتماد الدولة اللبنانية للزواج المدني، لا يتأتى إلا من خلال تغيير النظام اللبناني وقيامه على أسس دستورية جديدة تجعل من نظامه نظاماً علمانياً صرفاً، وليس من خلال تعديل قانوني يصدره مجلس النواب أو المراسيم الحكومية· فنظام الأحوال الشخصية في لبنان يعتبر فئة دستورية مميزة يستمد مشروعيته من الميثاق الوطني ومن نص المادة التاسعة والتاسعة عشر من الدستور اللبناني وهو يعتبر جزءاً من النظام العام ومن النظام السياسي الذي يصنف من الأنظمة المتعددة الطوائف :Multiconfesionnel·
جاء في كتاب الأنظمة السياسية في دول العالم الثالث لمؤلفه Maurice Pierre ROY بأن هناك خمسة معايير تنص عليها الدساتير تحدد طبيعة النظام السياسي للدولة من حيث انتمائه إلى الأنظمة الطائفية:
1 – الإعلان عن دين الدولة·
2 – النص على ضرورة انتماء رئيس الدولة إلى دين الأكثرية
3 – النص على أن قوانين الدولة تستمد أحكامها من مصادر دينية، أو اعتبار أن النصوص الدينية أو بعضها مصدراً من مصادر للتشريع
4 – وجود محاكم روحية أو دينية، (مما يعني وجود قوانين وتشريعات دينية يطبقها القاضي وتكون ملزمة للمتقاضين)·
5 – تدخل الدولة في الأمور الدينية (مثل تعيين رجال الدين في وظائفهم ومنحهم رواتب من ميزانية الدولة)·
هذه المعايير تجعل من لبنان في المرتبة الأولى من بين الدول المصنفة تحت تسمية الدول متعددة الطوائف· فالذي يميّز نظامه السياسي إضافة الى ما تم ذكره من معايير للنظام الطائفي باستثناء وجود دين رسمي للدولة، هو جعله الطوائف شريكاً أصيلاً ضمن إطار المؤسسات الرسمية· ومن هنا نستطيع القول بأن مفهوم الأحوال الشخصية المرتبط بالنظام العام وبالنظام السياسي في دولة متعددة الطوائف مثل لبنان يكون أكثر وضوحاً وتجذراً من المفهوم الذي يطلق في الدول الآحادية الطوائف، إذ يمتد مصطلح الأحوال الشخصية فيه ليشمل أيضاً الأحكام التي تتناول التنظيم الداخلي للطوائف الدينية، أخذا بالإعتبار بأن الدستور اللبناني في مادته التاسعة اعترف لتلك الطوائف بالشخصية المعنوية الإعتبارية، وبحقي التشريع والقضاء في كل ما يتعلق بشؤونها وبقضايا الأحوال الشخصية لأبنائها وبحق إدارة شؤونها، حتى غدت هذه الطوائف اشخاصاً معنوية من أشخاص القانون العام·
إن احترام تعددية أنظمة الأحوال الشخصية في لبنان لا يعود فقط الى فترة الحكم العثماني بل الى الفترة التي تغيّر فيها نظام الحكم منذ ما يزيد على الألف وأربعمائة سنة، من نظام خاضع للأنظمة والقوانين الرومانية إلى نظام إسلامي اعتبر استقلال الطوائف غير الإسلامية في أحوالها الشخصية أمراً أساسياً لا تستطيع فيه السلطة السياسية التدخل بأي وجه من الوجوه، ومن بعده الى نظام سياسي قائم على التعددية الطائفية وعلى المساواة بينها في الحقوق والواجبات·
ولئن تطورت هذه الحرية الدينية المعطاة لغير المسلمين في فترة الحكم العثماني فلأنها أصبحت نظاماً قانونياً وسياسياً واجتماعياً مميزاً وهو ما عرف (بنظام الملل) الذي أكد سلطة الكنيسة في سن الشرائع المتعلقة بالأحوال الشخصية لكل من الطوائف غير الإسلامية المتعددة، بحيث تستقل كل طائفة بشرائعها ومحاكمها ومؤسساتها عن الدولة· وأما المسلمون فكانوا حسب تعبير المفوض السامي الفرنسي في تقريره الذي رفعه إلى عصبة الأمم: بأنهم أساس الدولة Le bulbe même de l`Etat·
وكذلك الأمر في فترة الإنتداب الفرنسي حيث دعمت ثوابت النظام الطائفي اللبناني بشكل أدهش دعاة الفكر العلماني في حينها، إذ لم يشأ فرنسيو الإنتداب بل ولم يستطيعوا تغيير هذا النظام، وهم الذين ينتمون إلى النظام العلماني، بل رسخوا دعائمه وجعلوه قاعدة للحياة السياسية في لبنان، وهذا مما وافق آمال اللبنانيين الذين تشبعوا بروح التعددية الطائفية، كما أشارت بذلك تقارير المفوض السامي الفرنسي المرفوعة الى عصبة الأمم في ذلك الوقت· ومما وافق دعائم النظام الطائفي في لبنان هو أن الفقرة الأولى من المادة السادسة من شرعة الإنتداب الصادرة عن عصبة الأمم في 24 تموز 1922 فرضت على الدولة المنتدبة إنشاء نظام قضائي جديد يكون منطوياً على احترام وضمان نظام الأحوال الشخصية لأهالي سوريا ولبنان ولمصالحهم الدينية المختلفة، كما حظرت المادة التاسعة منها على سلطة الإنتداب التدخل في إدارة الطوائف الدينية ومجالسها ومعابدها التي تبقى حصاناتها السابقة مكفولة بنص صريح·
من هذا المنطلق فإن المقومات القانونية التي يقوم عليها نظام الأحوال الشخصية في لبنان يرتكز – من خارج النطاق التاريخي والميثاق الوطني – على النصوص الدستورية بمادتيه التاسعة التي نصت على احترام الأحوال الشخصية للطوائف والتاسعة عشر التي حددت حق رؤساء الطوائف في مراجعة المجلس الدستوري فيما يتعلق حصراً بالأحوال الشخصية وحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وحرية التعليم الديني، وبالنصوص التشريعية التي كان يصدرها المفوض السامي الفرنسي والتي هي بمثابة قوانين تدعم استقلال الطوائف المسيحية وتلزم المسلمين على الدخول في نظام الطوائف· بناء على هذه النصوص أصدر المفوض السامي القرار رقم 60 تاريخ 13 آذار 1936 والذي أطلق عليه اسم (نظام الطوائف الدينية) وعدد بموجبه الى جانب الطوائف المسيحية واليهودية الطوائف الإسلامية المعترف بها والتي هي :
الطائفة السنية، الطائفة الشيعية، الطائفة العلوية، الطائفة الإسماعيلية ، الطائفة الدرزية· وقد تضمن عدة أمور اعتبرها المسلمون مساساً بامتيازاتهم التاريخية على اعتبار أنهم لا يخضعون إلى أي تركيبة طائفية خارج الدولة، وكذلك تدخلاً سافراً في شؤونهم الدينية·
وقد كانت ردة فعل المسلمين عنيفة في سوريا ولبنان حيث تواصلت المظاهرات والإحتجاجات مما أجبر سلطات الإنتداب إلى إصدار القرار رقم 53 تاريخ 30 آذار 1939 وجاء فيه:
(إن القرار رقم 60 ل ر الصادر في 13 آذار 1936 بتحديد نظام الطوائف الدينية والقرار رقم 146 ل ر الصادر في 18 تشرين الثاني 1939 بتحوير وتتميم القرار رقم 60 ل ر لا يطبقان على المسلمين ويظلان غير مطبقين عليهم)·
وفي هذه الفترة طلب من المسلمين اعداد نظام داخلي لهم باعتبارهم طائفة كباقي الطوائف الدينية، فرفض هذا الأمر على اعتبار أن المسلمين أبان الدولة العثمانية لم يشكلوا طائفة مستقلة ولم يكن لهم خارج الدولة أي نظام خاص بهم · وكان لابد من انتظار عهد الإستقلال حتى تستقل هذه الطوائف وتقبل بالدخول في النظام الطائفي كبقية الطوائف المسيحية، ولكن مع إبقاء هذا الرابط الوثيق الذي يربط المسلمين بالدولة، فاعتبرت المحاكم الشرعية الإسلامية السنية والجعفرية والدرزية جزءاً من الإنتظام القضائي العام في الدولة إن لجهة تعيين رؤساءها وقضاتها أو تقاضي موظفيها رواتبهم من موازنة الدولة، وإن لجهة إشراف ورقابة الدولة على هذه المحاكم ، إضافة إلى انخراط موظفي الطوائف الإسلامية في الملاك العام للدولة وتقاضي رؤساء الطوائف الإسلامية مخصصاتهم من الموازنة العامة بصفتهم المرجعية العليا وليس كما يشاع باعتبارهم موظفين في الدولة·
هذه المعطيات القانونية والتاريخية هي التي أدت الى نشأة دولة لبنان وهي التي أسست نظامه التعددي الطائفي والتي قام على أساسها الدستور اللبناني· تماماً كما هي حال المبادئ التي قامت عليها الثورة الفرنسية بحيث اعتبرت هذه المبادئ العلمانية التي تبنتها فرنسا مبادئ فوق دستورية·
فمشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية في لبنان لا يمكن أن يطرح كأي تعديل قانوني أو دستوري عادي وإنما يتعين على أصحاب هذا المشروع العلماني على افتراض أنهم أصبحوا الأغلبية في لبنان اتباع الإجراءات التي تتخذ لتعديل المبادئ فوق الدستورية supra constitutionnelle·
وهذه الإجراءات تشابه من حيث الفرضية البحتة تعديل مبدأ أساسي داخل الأنظمة العلمانية كإقرار الزواج الديني إلى جانب الزواج المدني أو إقرار تدخل الكنيسة في الشؤون السياسية للدولة· فعلى سبيل المثال لو تقدمت الكنيسة بمشروع مماثل في دولة ذات نظام علماني كفرنسا يجيز الزواج الديني الاختياري ويعترف بمفاعيله القانونية أمام الدولة ويجيز للكنيسة التدخل في الشؤون العامة، فأول ما سيتبادر الى ذهن الحقوقيين والنواب الفرنسيين في الرد على هكذا مشروع هو بأن النظام العلماني لا يسمح بهذا الطرح، فالمبادئ الأساسية والفلسفية التي قامت عليها العلمانية تعتبر فئة قانونية مميزة تنتمي الى فئة المبادئ فوق الدستورية، وبالتالي فإن وضع مثل هذا الاقتراح لا يمكن ادراجه تحت إطار التعديلات المتبعة لتعديل القوانين والدساتير·
في مقال كتبه الأستاذ David DUFFOURC بعنوان: ” قوانين أساسية وفوق دستورية في فرنسا ” Droit fondamentaux et supra constitutionnalité en Franceأشار فيه إلى الإحصائية التي أجرتها الباحثة ماري فرنسواز ريغو : Marie Françaoise Rigau حيث تبين لها بعد دراسة 142 دستوراً بأن هناك 33 دستور تقر بوجود هذه الفئة من المبادئ فوق الدستورية والتي أقرت المجالس الدستورية في هذه البلاد عدم قابليتها للتعديل بالطرق الدستورية المعتادة· من هذه المبادئ فوق الدستورية: مبدأ الفصل بين السلطات في الدولة، مبادئ العلمانية (والتي من ضمنها مبدأ الفصل بين الدين والدولة، والزواج المدني الإلزامي)، مبادئ الأنظمة الديمقراطية والجمهورية، المبادئ التي تقوم عليها الأنظمة الفدرالية، مبادئ الأنظمة ذات النظام الملكي، بحيث يمكن القول بأن هذه المبادئ فوق الدستورية هي عبارة عن مجموعة من القواعد التي تضمن استقرار الأنظمة التي نشأت وتأسست عليها·
إن قراءة سريعة لمقومات النظام اللبناني تثبت انتمائه إلى فئة مميزة وخاصة جداً من الإنظمة السياسية، وكما يقول الدكتور ادمون رباط بأن تميز هذا النظام يجعل منه حالة فريدة من نوعه sui generis من حيث تصنيفه كنظام متعدد الطوائف، وهو نوع مستقل عن بقية الأنظمة السياسية وله خصوصيته ومكانته ومبادئه من بين باقي الأنظمة السياسية، فطبيعته القانونية القائمة على الإعتراف واحترام أنظمته في الأحوال الشخصية تجعل من هذا النظام مبدأً فوق دستوري· هذا الإعتراف أكدته الإتفاقيات التاريخية منذ الفتح العربي للبنان مروراً بالأمويين والعباسيين والعثمانيين، وصرحت به مواثيق عصبة الأمم والأمم المتحدة بل وقامت بالتذكير بمبادئه الثابتة في كل مرة حاولت سلطات الإنتداب الفرنسي تغيير واقعه عن طريق فرض الزواج المدني، بل وعمت المظاهرات المناهضة له من قبل الطوائف اللبنانية كافة، وقد رضي المسلمون في ذلك الوقت بالدخول في منطق الدولة واعتبارهم طائفة كسائر الطوائف بشرط احترام قوانين احوالهم الشخصية وعدم المساس بها، فلا يكون تعديل نظامه ممكناً دون المساس بجوهر التكوين السياسي والقانوني للبنان
أضف الى ذلك بأنه إذا تبقى لنا من أمر نفتخر به كلبنانيين مسيحيين ومسلمين وأمر يعتز به كل من هاجر من هذا الوطن يشده حنينه في العودة اليه ويتباهى به على باقي الشعوب، هو المحافظة على التقاليد العائلية والتي لا تتأتي دون المحافظة على أنظمة أحوالها الشخصية، وأن أي تغيير يطرأ على هذه الأنظمة سيكون له تأثير على مؤسسة الزواج التي تستمد من الأديان مشروعيتها، وسيفتح الأمر على مصراعيه كلما طرأت فكرة ونودي بفلسفات جديدة مستحدثة أو إباحية كما هو حاصل في معظم الدول الغربية التي فقدت عنصراً مهماً في استقرار حياتها العائلية والإجتماعية·
إن هذا المنحى لا يعفي الطوائف الدينية في لبنان من مسؤوليتها في ضرورة إيجاد الحلول لمشاكل أبنائها المتعلقة بمسائل أحوالهم الشخصية· إن هذه الحلول يجب أن تكون ضمن إطار العائلات الروحية التي يتشكل منها لبنان مع الأخذ بعين الإعتبار ضرورة الحد من التحايل على قوانين الطوائف من خلال معاملات تبديل الدين، وأيضاً دون الإخلال بأن تكون هذه الحلول التي تعتمدها الطوائف متوافقة مع بناء الدولة العصرية التي تنشد وحدة أبناء هذا البلد وعيشهم الواحد المشترك الذي لا يرضون بغير هذا العيش وبغير هذا الوطن بديلاً·