مدونة

الأحوال الشخصية في لبنان فئة فوق دستورية ؟

فوق دستوري
مدونتي / من الصحف

الأحوال الشخصية في لبنان فئة فوق دستورية ؟

الأحوال الشخصية في لبنان فئة فوق دستورية

 

بعيداً عن الضوضاء وصرخات المؤيدين والمعارضين للزواج المدني في لبنان، فإن ما ينبغي على الجميع الإلتزام به هو الهدوء الحضاري في معالجة هذا الإقتراح. ليس من المعيب أن نختلف في مواضيع تمس عقيدتنا ومنهجنا الحياتي والأسروي، ولكن المعيب أن نتقاذف الشتائم ونتهم بعضنا البعض بالتخلف وعدم مواكبة العصر أو بالإباحية و التقليد الأعمى للغرب. إن المسؤولية لا تقع في المقام الأول على ممثلينا السياسيين ولا على جمهور الناس من مثقفين ومتحمسين بقدر ما تقع أولاً على مؤسساتنا الدينية سواء كانت مسيحية أو إسلامية : لم تبادر مؤسساتنا الدينية مجتمعة أو منفردة في النظر بمشاكل وتعقيدات تطبيق قوانين الأحوال الشخصية للطوائف وتقديم الحلول لها. لقد بات من الضروري أن تحسم مؤسساتنا الدينية موضوع تطوير قوانين أحوالها الشخصية و وضع التصورات والحلول للمشاكل التي تصيب اللبنانيين في صميمهم وهو ما يمس وجودهم واستقرارهم الأسري والإجتماعي.

قد تكون فكرة الزواج المدني للوهلة الأولى جذابة ومواكبة للتقدم ولمتطلبات العصر، ولكن خطرها يكمن في ارتداداتها المستقبلية على صعيد التماسك الأسري والإجتماعي. لن تقف هذه التغييرات على عتبة الزواج المدني بل ستتعداه لاحقاً وحتماً على صعيد التكوين الأسري والمفهوم الشرقي للعائلة. إن المسألة المطروحة حالياً في مجلس النواب الفرنسي و في البرلمانات الاوروبية هو تعديل لكلمة الأب والأم في قوانين أحوالها الشخصية بحيث تضاف اليها كلمة الآباء الذكور أو الأمهات الإناث على شكل منفرد، وذلك كنتيجة حتمية لإقرار زواج المثليين. لم يبت لديهم غريباً أن يكون للطفل عدة آباء يتواكبون على تربيته عند كل تغيير لمزاج والده الطبيعي في اختيار الشريك الذكوري في حياته بعيداً عن الحاجة الفطرية للطفل في الإحساس بدفء وحنان الأمومة، وكذلك الأمر بالنسبة لوجود عدة أمهات يتعهدنه في نفس الوقت بعيداً عن الحاجة الفطرية للإحساس بالرعاية الأبوية. لقد بات رائجاً في مثل هذه المجتمعات احتراماً لمفهومهم المتنامي والمتطور عن الحرية الشخصية (وهو ما ننادي به من أجل تبرير الزواج المدني)  أن يتنافس الرجال في التبرع أو في بيع لقاحهم الذكوري إلى الأمهات المثليات (عن طريق التلقيح الطبيعي المباشر و غير المباشر)، وتتنافس الأمهات في وضع أطفال للآباء المثليين. إن الوضع المأساوي والمخيف للتفكك الأسري في العالم الغربي يستدعي منا أن نفكر ملياً في مشروع نبنيه على أساس احترام الحرية الشخصية. إن هذه الحرية هي بمثابة كرة ثلج إذا لم توضع لها الأطر الصحيحة والداعمة فإنها ستتدحرج وتطيح بكل المقومات والمفاهيم المتوارثة عن العائلة والترابط الأسري والمجتمعي.

إن النظرة القانونية لموضوع الزواج المدني، يتعارض مع إطار النظام التعددي في لبنان. ولا يتأتى إلا من خلال تغيير النظام اللبناني وقيامه على أسس دستورية جديدة تجعل من نظامه نظاماً علمانياً صرفاً، وليس من خلال تعديل قانوني يصدره مجلس النواب أو المراسيم الحكومية· فنظام الأحوال الشخصية في لبنان يعتبر فئة فوق دستورية مميزة يستمد مشروعيته من الميثاق الوطني ومن نص المادة التاسعة والتاسعة عشر من الدستور اللبناني وهو يعتبر جزءاً من النظام العام ومن النظام السياسي الذي يصنف من الأنظمة المتعددة الطوائف :Multiconfesionnel·

إن احترام تعددية أنظمة الأحوال الشخصية في لبنان يعود إلى ما يزيد على الألف وأربعمائة سنة، عندما تحول من نظام خاضع للأنظمة والقوانين الرومانية إلى نظام اعتبر استقلال الطوائف في أحوالها الشخصية أمراً أساسياً وجوهرياً. ثم استمر هذا الأمر في فترة الإنتداب الفرنسي حيث دُعمت ثوابت النظام الطائفي اللبناني بشكل أدهش دعاة الفكر العلماني في حينها، إذ لم يشأ فرنسيو الإنتداب بل ولم يستطيعوا تغيير هذا النظام، وهم الذين ينتمون إلى النظام العلماني. ومما وافق دعائم النظام التعددي في لبنان هو أن الفقرة الأولى من المادة السادسة من شرعة الإنتداب الصادرة عن عصبة الأمم في 24 تموز 1922 فرضت على الدولة المنتدبة إنشاء نظام قضائي جديد يكون منطوياً على احترام وضمان نظام الأحوال الشخصية لأهالي سوريا ولبنان ولمصالحهم الدينية المختلفة، كما حظرت المادة التاسعة منها على سلطة الإنتداب التدخل في إدارة الطوائف الدينية ومجالسها ومعابدها التي تبقى حصاناتها السابقة مكفولة بنص صريح·

إن المعطيات القانونية والتاريخية ومن ضمنها تلك التي تعلقت باحترام نظام الأحوال الشخصية في لبنان هي التي أدت الى نشأة دولة لبنان وهي التي أسست نظامه التعددي الطائفي والتي قام على أساسها الدستور اللبناني· تماماً كما هي حال المبادئ التي قامت عليها الثورة الفرنسية بحيث اعتبرت هذه المبادئ العلمانية التي تبنتها فرنسا مبادئ فوق دستورية·

فمشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية في لبنان لا يمكن أن يطرح كأي تعديل قانوني أو دستوري عادي وإنما يتعين على أصحاب هذا المشروع العلماني على افتراض أنهم أصبحوا الأغلبية في لبنان اتباع الإجراءات التي تتخذ لتعديل المبادئ فوق الدستورية supra constitutionnelle·

هذه الإجراءات تشابه من حيث الفرضية البحتة تعديل مبدأ أساسي داخل الأنظمة العلمانية كإقرار الزواج الديني إلى جانب الزواج المدني أو إقرار تدخل الكنيسة في الشؤون السياسية للدولة· فعلى سبيل المثال لو تقدمت الكنيسة بمشروع مماثل في دولة ذات نظام علماني كفرنسا يجيز الزواج الديني الاختياري ويعترف بمفاعيله القانونية أمام الدولة ويجيز للكنيسة التدخل في الشؤون العامة، فأول ما سيتبادر الى ذهن الحقوقيين والنواب الفرنسيين في الرد على هكذا مشروع هو بأن النظام العلماني لا يسمح بهذا الطرح، فالمبادئ الأساسية والفلسفية التي قامت عليها العلمانية تعتبر فئة قانونية مميزة تنتمي الى فئة المبادئ فوق الدستورية، وبالتالي فإن وضع مثل هذا الاقتراح لا يمكن ادراجه تحت إطار التعديلات المتبعة لتعديل القوانين والدساتير·

في مقال كتبه الأستاذ David DUFFOURC بعنوان: أشار فيه إلى الإحصائية التي أجرتها الباحثة ماري فرنسواز ريغو حيث تبين لها بعد دراسة 142 دستوراً بأن هناك 33 دستور تقر بوجود هذه الفئة من المبادئ فوق الدستورية والتي أقرت المجالس الدستورية في هذه البلاد عدم قابليتها للتعديل بالطرق الدستورية المعتادة· من هذه المبادئ فوق الدستورية: مبدأ الفصل بين السلطات في الدولة، مبادئ العلمانية (والتي من ضمنها مبدأ الفصل بين الدين والدولة، والزواج المدني الإلزامي)، مبادئ الأنظمة الديمقراطية والجمهورية، المبادئ التي تقوم عليها الأنظمة الفدرالية، مبادئ الأنظمة ذات النظام الملكي، بحيث يمكن القول بأن هذه المبادئ فوق الدستورية هي عبارة عن مجموعة من القواعد التي تضمن استقرار الأنظمة التي نشأت وتأسست عليها·

إن قراءة سريعة لمقومات النظام اللبناني تثبت انتمائه إلى فئة مميزة وخاصة جداً من الإنظمة السياسية، وكما يقول الدكتور ادمون رباط بأن تميز هذا النظام يجعل منه حالة فريدة من نوعه sui generis من حيث تصنيفه كنظام متعدد الطوائف، وهو نوع مستقل عن بقية الأنظمة السياسية وله خصوصيته ومكانته ومبادئه من بين باقي الأنظمة السياسية، فطبيعته القانونية القائمة على الإعتراف واحترام أنظمته في الأحوال الشخصية تجعل من هذا النظام مبدأً فوق دستوري· هذا الإعتراف أكدته الإتفاقيات التاريخية منذ الفتح العربي للبنان مروراً بالأمويين والعباسيين والعثمانيين، وصرحت به مواثيق عصبة الأمم والأمم المتحدة بل وقامت بالتذكير بمبادئه الثابتة في كل مرة حاولت سلطات الإنتداب الفرنسي تغيير واقعه عن طريق فرض الزواج المدني، بل وعمت المظاهرات المناهضة له من قبل الطوائف اللبنانية كافة، وقد رضي المسلمون في ذلك الوقت بالدخول في منطق الدولة واعتبارهم طائفة كسائر الطوائف بشرط احترام قوانين احوالهم الشخصية وعدم المساس بها، فلا يكون تعديل نظامه ممكناً دون المساس بجوهر التكوين السياسي والقانوني للبنان

أضف الى ذلك بأنه إذا تبقى لنا من أمر نفتخر به كلبنانيين مسيحيين ومسلمين وأمر يعتز به كل من هاجر من هذا الوطن يشده حنينه في العودة اليه ويتباهى به على باقي الشعوب، هو المحافظة على التقاليد العائلية والتي لا تتأتي دون المحافظة على أنظمة أحوالها الشخصية، وأن أي تغيير يطرأ على هذه الأنظمة سيكون له تأثير على مؤسسة الزواج التي تستمد من الأديان مشروعيتها، وسيفتح الأمر على مصراعيه كلما طرأت فكرة ونودي بفلسفات جديدة مستحدثة أو إباحية كما هو حاصل في معظم الدول الغربية التي فقدت عنصراً مهماً في استقرار حياتها العائلية والإجتماعية·

إن هذا المنحى لا يعفي الطوائف الدينية في لبنان من مسؤوليتها في ضرورة إيجاد الحلول لمشاكل أبنائها المتعلقة بمسائل أحوالهم الشخصية· إن هذه الحلول يجب أن تكون ضمن إطار العائلات الروحية التي يتشكل منها لبنان مع الأخذ بعين الإعتبار ضرورة الحد من التحايل على قوانين الطوائف من خلال معاملات تبديل الدين، وأيضاً دون الإخلال بأن تكون هذه الحلول التي تعتمدها الطوائف متوافقة مع بناء الدولة العصرية التي تنشد وحدة أبناء هذا البلد وعيشهم الواحد المشترك الذي لا يرضون بغير هذا العيش وبغير هذا الوطن بديلاً·

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare