اللقاء والمؤتمر الصحفي في غرفة التجارة – طرابلس لإطلاق ملتقى رجال الأعمال الإسلامي المسيحي في لبنان 25 تموز، 2012
اللقاء والمؤتمر الصحفي في غرفة التجارة – طرابلس لإطلاق ملتقى رجال الأعمال الإسلامي المسيحي في لبنان 25 تموز، 2012
من روائع ما قاله جبران خليل جبران : أيها المراؤون : توقفوا عن الدفاع عن الله بقتل الإنسان ودافعوا عن الإنسان كي يتمكن من التعرف الى الله،
قد يكون لهذه الجملة مدلولها اللفظي المحصور في تذرع المرائين بقتل الناس بحجة الدفاع عن الله، وقد يكون لها مفهوم واسع يشمل كل الذرائع التي يمكن التذرع بها لإيهام الآخرين بأنهم يدافعون
إن اختيار لبنان من بين دول العالم لإقامة هذا المؤتمر ليس هو محض صدفة، فلبنان هو بلد الرسالة وفق ما كان يردده دائماً الحبر الأعظم البابا يوحنا بولس الثاني، ولبنان هو بلد العيش المشترك الإسلامي المسيحي. ليس هناك دولة في العالم يكون فيها الحوار الديني خبزها اليومي كفاف يومها إلا لبنان، ليس هناك بلد آخر في العالم غير لبنان يكون فيه الحوار الإسلامي المسيحي حواراً عملياً وتطبيقياً، حوار حياة مشتركة، وحوار عيش مشترك، وليس حواراً منغلقاً داخل نظريات وكتب. ليس هناك بلد في العالم إلا لبنان يجتمع فيه المسلمون والمسيحيون معاً في كل عام ليحتفلوا به في تكريم السيدة العذراء مريم بالصلوات والأدعية والتواشيح الإسلامية والترانيم الكنسية حيث أصبحت هذه المناسبة عيداً وطنياً جامعاً لكل اللبنانيين. ليس هناك بلد في العالم إلا لبنان وفي هذه الجامعة بالذات تعطى فيها الدروس مشاركة في آن واحد بين رجال دين مسلمين ومسيحيين وأمام طلاب ينتمون الى الديانتين السماويتين. هذا هو لبنان المتنوع والمنفتح على الأديان والثقافات والأفكار الذي سيستضيف بإذن الله هذا المؤتمر في العام القادم.
من الأمور التي أثارت دهشة الغربيين الذين زاروا شرقنا الأوسطي، تدافع المؤمنين من مسلمين ومسيحيين نحو التوفيق والإلتقاء بين عمل الخير وقيم الأخلاق مع عامل الربح المادي في متجرهم ومصنعهم ومؤسساتهم وحاراتهم. كلنا يعلم بأن الفتح الإسلامي لدول آسيا تم على أيدي الصناع والتجار الذين توافدوا على تلك البلاد وتعاملوا مع أهلها بمثالية لم يسبقهم إليها أحد آخر. هذا الأمر لم يكن ليتحقق لولا وجود مبادئ دينية سامية حثت اصحاب الأعمال والتجار والصناع ليكونوا أكثر شفافية وصدقاً مع غيرهم ممن ماثلهم في الحرفة والصنعة والمتجر، وأكثر شفقة ورحمة وعدلاً مع العاملين لديهم. من أكثر المؤسسات التي كان لها الدور الرائد في هذا السياق مؤسسة الوقف نظراً لهذا التناغم والتوافق الذي أرسته بين الأنفعية المادية التي تعود على المؤسسة وعلى والعاملين بها وأنفعية إنسانية وخيرية تعود على كافة الناس بلا تمييز ولا تفريق. جاء في إحدى الوقفيات المسجلة في مدينتكم العريقة طرابلس بأن أحدهم أوقف قسماً من ماله ليستأجر به شخصين يمران على المرضى لعيادتهم وإسماعهم من حيث لا يشعرون بأنهم بصحة جيدة ويتعافون من مرضهم باستمرار، في وقفية ثانية استأجر شخص آخر فرقة للإنشاد للوقوف خارج المستشفى وإسماع المرضى الأناشيد والأغاني للتخفيف عن آلامهم. في وقف ثالث وأخير حتى لا أطيل أوقف أحدهم ماله للعمال الحرفيين في حال كسر أحدهم آلته وخشي الطرد أو الإهانة من صاحب العمل فيقوم الوقف بتعويضه عن ثمنها. وهو ما سمي باسم وقف الكاسورة او الفاخورة.
من خلال قراءتنا كفريق عمل جمع دينيين واقتصاديين مسلمين ومسيحيين للنصوص القرآنية والإنجيلية كانت تستحضر المسلم قيم العمل والمساواة واتقان الإنتاج والابعاد الإنسانية للإقتصاد والمسؤولية الإجتماعية التي يدعو اليها الإسلام فينبري المسيحي للبحث عن مرادفاتها في نصوصه المقدسة وفي تعليم الكنيسة الإجتماعي فنجدها وفيرة جداً. تذكرت في تلك اللحظات قول الله تعالى في القرآن الكريم : “وفي ذلك فليتنافس المتنافسون” و أيضاً ” ولكلٍّ وجهةٌ هو موليها فاستبقوا الخيرات”، وتذكرت أيضاً قول النجاشي عظيم الحبشة لقساوسته وللوفد الذي أرسله النبي محمد صلى الله عليه وسلم إليه : إن ماجاء به القرآن وما جاء به الإنجيل ليخرج من مشكاة واحدة. ألم يقل المسيح عليه السلام : ما ينفع الإنسان لو كسب العالم وخسر نفسه ويقول القرآن : فأما الزبد فيذهب جفاء زما ينفع الناس يمكث في الأرض.
إن هدف فريقنا الإسلامي المسيحي هو استخراج هذه المبادئ السامية المشتركة التي تدعو الى خير الإنسانية وخاصة تلك التي تتجه نحو إرساء مبدأ أنسنة الإقتصاد ليكون الإنسان هو الهدف وليس فقط تحقيق الربح.
إذا كان أرسطو كما يقال قد أنزل الفلسفة من السماء الى الأرض، فإن الرسالات السماوية والأنبياء الذين أرسلهم الله قد أنزلوا الدين من السماء الى الأرض ليسخروه للعمل على إصلاح الفرد والمجتمع، لإصلاح الرئيس والمرؤوس، ولإصلاح رب العمل والعامل.
من ضمن الأسئلة التي تواجهنا سؤال يتعلق بمدى افادة هذه القيم للإقتصاد ومدى إلزاميتها له. إن بعض المفاهيم المتشعبة للمسؤولية الإجتماعية وخاصة الأنجلوسكسونية ترى فيها أولاً وقبل كل شيء احترام لما ينص عليه القانون في هذه المجالات، مع ما يستلحقه من واجبات أدبية، وبعضها وخاصة الأوروبي يرى فيها أنها تصّرف اكثر من قانوني بفضل وعي أخلاقي متجدد، والسؤال الذي يطرح هل ستتحول هذه القيم وهذه المسؤولية الإجتماعية الى قوانين ملزمة. في كتاب كنت أعاود قراءته بعنوان اين الخطأ للعلامة الكبير الشيخ عبد الله العلايلي رحمه الله وجدت فيه بعض إشراقات هذه القيم ومدى إلزاميتها للتطبيق : فهو يخالف نظرة الفقهاء مثلاً في مفهوم استحباب القرض الحسن للعامل، للمناداة بإلزاميته على رب العمل ، وكذلك بإلزامية إعطاءه فرصة مسامحة لوفاء دينه. وهو يدعو ايضاً الى منع عزل الأموال عن محيط العمل، والى إلزامية الحركة في تداول الاموال. فهذه القيم الدينية لا تتطلع الى مجتمع ثري متخم يشيع فيه الترف وكثرة الفائض بل الى مجتمع غني مكتفٍ يشيع فيه الرضا والطمأنينة والأمان.
إن عالمنا اليوم هو بأشد حاجة الى هذا التعاون المشترك بين أكبر ديانتين في العالم، فالجشع الذي أصاب كثير من الأغنياء ممن يسعون الى الربح السهل، والأنانية المقيتة التي أبعدت افراد المجتمع الواحد عن بعضهم البعض، والفردية الأنانية التي شجعها التقدم الحضاري المادي على حساب الإنفتاح وتقوية الروابط الإنسانية، والعشوائية التي تستأثر بالموارد الطبيعية دون الإهتمام بالبيئة والنظر إلى الأضرار الناجمة عنها، كل ذلك ينذر بعواقب سيئة جداً يعود ضررها على كافة الناس وفي كل المجتمعات التي تعيش على كرتنا الأرضية.
لا بد للشعوب المؤمنة بهاتين الديانتين السماويتين من التعاون معاً من أجل إرساء قواعد مشتركة تجيب عن هذه المخاوف وتحد من هذه الآفات التي تصيب الأفراد و المجتمعات والمؤسسات وتعطي الحلول العملية الإنسانية المستقاة من القيم الدينية والأخلاقية.
عندما كنا نتداعى رجال دين وفكر وأرباب عمل حول فكرة إنشاء ملتقى إسلامي مسيحي لرجال الأعمال، كانت تتجاذبنا الأفكار والرؤى والأهداف بعيداً، ما نلبث بعدها أن نعود للتأكيد على أن الأبعاد التي نسعى إليها ترتكز على ثلاثة محاور أساسية، هي :
المحور الأول يكمن في القيم الدينية باعتبار أنها في شقيها الإسلامي والمسيحي لا تهدف إلا لسعادة الإنسان وللخير العام. هذه الخيرية العامة ليس هدفها الإنسان فقط وإنما أيضاً كل ما يحيط به من طبيعة وبيئة وكل ما يدب على الأرض من حياة ويتنفس من هواء. هذه القيم الدينية التي نسعى إلى ترسيخها في المؤسسة والمصنع والمتجر لا تتطلع الى مجتمع ثري متخم يشيع فيه الترف وكثرة الفائض بل الى مجتمع غني مكتفٍ متضامن يشيع فيه الرضا والطمأنينة والأمان. هذه القيم الدينية لا تخص رجال الدين والفكر وحدهم، وليست تتوجه إلى المتعبد المتبتل في صومعته بقدر ما يحتاجها في المقام الأول عالم الاقتصاد و صاحب المال ورجل الأعمال. إنها تتوجه لهم من أجل إبقاءهم داخل هذا التوازن الرائع الذي تحتاجه الحياة على هذه الأرض لضمان استمرارها، واستمرارهم فيها، فقدرات البشر ليست واحدة، فمنهم العامل والأجير، ومنهم المقعد والعليل، ومنهم رب العمل وصاحب المال، والظروف التي يمرون بها قد تقسى على أكثرهم فتحرمهم من هناء العيش ورغد النعمة وقد تتجاوز عن اقليتهم لتغدق عليهم من رزقها وخيرها الشيء الكثير، فإن هم أبقوها وادخروها سيأتي من بعدهم من ينفقها و يبددها، وأن هم راعوا حق الله فيها سعدوا وأسعدوا وأجروا في حياتهم ويوم مآلهم ورحيلهم عنها. فكان لا بد لهذه القيم من تذكير هؤلاء بمسؤوليتهم الإجتماعية والإنسانية أزاء عمالهم ومستخدميهم، في حديث نبوي قال الرسول صلى الله عليه وسلم : أخوانكم خولكم (اي خدمكم وأجرائكم) جعلهم الله تحت ايديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم”. في المقابل تلزم هذه القيم أولئك الأجراء والعاملين بإتقان عملهم والحرص على جودة إنتاجهم، فالحديث النبوي يقول : ” إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه “.
المحور الثاني : حاجة الإقتصاد وعالم الأعمال إلى أنسنة في مجتمع غلب عليه الجشع والأنانية، فالجشع أصاب كثير من الأغنياء ممن يسعون الى الربح السهل، والأنانية المقيتة أبعدت افراد المجتمع الواحد عن بعضهم البعض، والتقدم الحضاري المادي شجع الفردية الأنانية على حساب الإنفتاح وتقوية الروابط الإنسانية، والعشوائية الشمولية استأثرت بالموارد الطبيعية دون الإهتمام بالبيئة والنظر إلى الأضرار الناجمة عنها.
من منظورنا الإسلامي المسيحي ليس الربح والمال الذي يجنيه الإنسان ملكه وحده ، بل هو ملك الله الذي مكن الإنسان منه، جاء في القرآن الكريم : “وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم”، وقال الامام علي رضي الله عنه : إن الله عز وجل فرض على الأغنياء في أموالهم ما يكفي الفقراء، فإن جاعوا أو عروا أو جهدوا فبمنع الأغنياء” وفي قول للمسيح عليه السلام : ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه (انجيل متى 26.16). لذلك فإن ملتقانا الإسلامي المسيحي لرجال الأعمال يهدف إلى بلورة اقتصاد أكثر عدالة واحتراماً لحقوق الإنسان، ويدعو إلى رسم رؤى اقتصادية واجتماعية تستند إلى الحريات والمساواة بين المواطنين على مختلف أديانهم في حقوقهم وواجباتهم، كما يسعى إلى تحقيق التكامل بين المتطلبات المؤسساتية لإدارة الأعمال ومتطلبات العدالة والرحمة والمحبة، وهو بالتالي يوجه نداء إلى العالم لترسيخ مكانة الإنسان في الاقتصاد، حيث تتجانس الحرية والقيم العليا، بعيداً عن الأنانية والجشع والتنكر للكرامة الإنسانية.
المحور الثالث : رسالة لبنان إلى العالم : إذ أن اختيار لبنان من بين دول العالم ليكون نقطة انطلاق مشاريعنا وتطلعاتنا في هذا المجال ليس هو محض صدفة، فلبنان هو بلد الرسالة وفق ما كان يردده دائماً الحبر الأعظم البابا يوحنا بولس الثاني، ولبنان هو بلد العيش المشترك الإسلامي المسيحي. ليس هناك دولة في العالم يكون فيها الحوار الديني خبزها اليومي كفاف يومها إلا لبنان، ليس هناك بلد آخر في العالم غير لبنان يكون فيه الحوار الإسلامي المسيحي حواراً عملياً وتطبيقياً، حوار حياة مشتركة، وحوار عيش مشترك، وليس حواراً منغلقاً داخل نظريات وكتب. ليس هناك بلد في العالم إلا لبنان يجتمع فيه المسلمون والمسيحيون معاً في كل عام ليحتفلوا به في تكريم السيدة العذراء مريم بالصلوات والأدعية والتواشيح الإسلامية والترانيم الكنسية حيث أصبحت هذه المناسبة عيداً وطنياً جامعاً لكل اللبنانيين. لدى كل مسلم لبناني جزء من مسيحية أخيه. ولدى كل مسيحي لبناني جزء من إسلام أخيه، يسؤونا جميعاً ما يسيء الى معتقد الآخر والنيل من رموزه الدينية ومن مقدساته ومن أحزانه وأتراحه، ويسعدنا كل ما يسعد الآخر من افراح وأعياد وابتهالات. فلبنان هو لبنان الرسالة رسالة العيش الواحد الإسلامي المسيحي الى العالم،
إن إيجاد أرضية مشتركة بين المسلمين والمسيحيين حول المسؤولية الإجتماعية للمؤسسة ليس حواراً مسكونياً مهذباً بين رجال دين بعضهم مع بعض وإنما بين صفوةٍ مختارة من القادة الدينيين والإقتصاديين ورجال الأعمال. فالمسيحية والإسلام هما الدينين الأول والثاني من حيث عدد أتباعهما في العالم وفي التاريخ؛ حيث يشكل المسيحيون والمسلمون حسب التقارير ما يزيد على ثلث العالم وخمسه على التوالي. وهم يشكلون معاً أكثر من خمسة وخمسين في المائة من عدد سكان العالم، مما يجعل إقامة مؤتمر دولي عن المسؤولية الإجتماعية في لبنان في العام القادم انطلاقاً من مبادئهما الدينية عاملاً مهماً من العوامل المساهمة في إحلال سلام مجدٍ واقتصاد إنساني بناء وهادف في أرجاء العالم. إن عالمنا اليوم هو بأشد حاجة الى هذا التعاون المشترك في هذا المجال. فلنضع كل أمكانياتنا لإنجاحه، ولنكن عن حق وجدارة رسالة لبنان إلى العالم، ورسالة المسؤولية الإجتماعية وفق الأسس والمبادئ الإسلامية المسيحية إلى مؤسسات العالم الإقتصادية والإنتاجية.
لقاؤنا معكم في العام القادم في بيروت،
لقاؤنا معكم في العام القادم في لبنان بلد السلام والوئام، لبنان الواحد لجميع أبنائه،
حفظ الله لنا لبنان من الفتن، وألهم أهله الرشد والإرادة والوعي لتجنبها