الإنتحار بين تسونامي الضغوطات النفسية والمورثات الجينية
الإنتحار بين تسونامي الضغوطات النفسية والمورثات الجينية
ليس كل الناس في تحمل مصاعب الحياة متشابهون ومتساوون وعلى نفس المستوى في تحمل المصاعب والنكبات. فبعضهم يلتجأ الى الإبتعاد عن الناس والإنزواء تمنعهم كرامتهم وتعففهم من سؤال الناس، وبعضهم يصرخ ويعبر عن آلامه وأوجاعه، وبعضهم يميل إلى الإنتقام من أبرياء الناس ليشعر بلذة الإنتقام فتهدأ نفسه ويشعر براحة العيش بعد كل جريمة يرتكبها بحق الأفراد والمجتمع. في حادثة إلقاء احجار من على أحد الجسور في بيروت ومقتل السائق الذي كان يمر بسيارته في الطريق السفلي، أخبر الجاني بأنه في كل مرة يصاب بالإحباط والألم يسارع إلى إلقاء الحجارة فيشعر بالإرتياح والطمأنينة عندما يلحق الضرر بالسيارات العابرة ولو أدى ذلك إلى إزهاق أرواح السائقين. في جريمة سطو حصلت في إحدى الدول العربية أثارت الرأي العام، سارع السارق الى التحدث الى وسائل الأعلام بعد سطوه على أحد المراكز مستخدماً سلاحاً بلاستيكياً للأطفال، شارحا ظروفه بأنه رب أسرة كافح من اجل تأمين لقمة عيشه وأمام عجز الدولة عن رفع الظلم عنه، دفعته الحياة الصعبة والظلم إلى اقتراف ما قام به من سطو وقتل.
في ردات الفعل الأكثر تطرفاً يلتجأ المحروم الذي أصابه القنط واليأس الى الإنتحار، بعد أن يكون قد مر بمنغصات وأوهام عجز عن مواجهتها ولم توصله في نهاية الأمر إلا إلى اتخاذ القرار الأصعب والأكثر حرمة وهو زهق روحه للتخلص من هذا الكم الهائل من الحزن والتعاسة.
يستوي الأشخاص المقدمين على الإنتحار في مستواهم الفكري ومناصبهم الاجتماعية، فليس الإنتحار حكراً على الفقراء وأصحاب الحاجات المستعصية، بل هو أكثر ما يكون في وضعية الأشخاص الأكثر غنى وترفاً ومنصبا حينما يتعرضون لحملات إعلامية وجماهيرية تنال من سمعتهم وكرامتهم. في حادثة حصلت في اليوم الأول من شهر أيار 1993 أقدم رئيس الوزراء الفرنسي Pierre Bérégovoy على الإنتحار بسبب قرض مالي دون فائدة حصل عليه بعلم وبطلب من رئيس الجمهورية François Mitterend لشراء شقة في باريس. تناولت الصحافة الفرنسية هذا الخبر باستياء كبير، وعندما سأل الصحفيون رئيس الوزراء عن صحة هذا الخبر، رد عليهم بأنه ليس من الشأن العام و : ” انه أمر خاص” ورفض اعطائهم أي إجابة عن كيفية تسديده لهذا القرض… راجع نفسه في اليوم التالي، فدفعته كرامته وإحساسه بالمسؤولية وبثقل ما يواجهه من تهمة “قرض بدون فائدة”، لشراء شقة قريبة من مكان عمله كرئيس للوزراء إلى الإنتحار.
يطرح هنا سؤال : هل هناك أساس وراثي معقد للسلوك الانتحاري؟ تشير الدراسات إلى أن العوامل الوراثية للسلوك الانتحاري تتراوح بين 30% و55%. هذا يعني أن جزءاً كبيراً من الاستعداد لهذه الحالة ينتقل عبر الجينات، لكنه لا يشكل القدر المحتوم، حيث يبقى للعوامل البيئية دور حاسم.
فطبيعة العوامل الورائية للإنتحار متعددة الجينات ومعقدة، فالعوامل الوراثية هنا ليست بسيطة كصفة لون العين. بل تعمل بنظام “متعدد الجينات” (Polygénique)، حيث تتضافر تأثيرات العديد من المتغيرات الجينية الصغيرة والمنتشرة في الحمض النووي لترفع أو تخفض من قابلية الفرد للسلوك الانتحاري. لهذا السبب، لا يمكن التنبؤ بالخطر بناءً على جين واحد فقط..
غير أنه لا يمكن استبعاد العوامل البيئية فليست العوامل المرتطة بالجينات وحدها كافية. إذ يتطلب ظهور السلوك الانتحاري تفاعلاً مع عوامل بيئية، مثل: الصدمات النفسية، خصوصاً في مرحلة الطفولة، وأحداث الحياة الضاغطة (فقدان عزيز، مشاكل مالية، حملات مبغضة يتعرض لها الشخص مع إشارات كراهية وهجومية جماهيرية).
الاستعداد الوراثي لا يعني أن الشخص سينتحر حتماً. هو بمثابة “أرضية” قد تزيد الحساسية، لكن ما ينمو عليها يعتمد على البيئة والدعم. لهذا، فإن فهم هذه العوامل الجينية يساعد في تطوير درجات مخاطر متعددة الجينات (Polygenic Risk Scores) لتحديد الأفراد الأكثر عرضة للخطر، لتقديم الدعم والتدخل المبكر لهم، قبل أن يقدموا على الإنزواء ثم الإنتحار وخاصة في حالة وجود استعدادات وراثية داخل العائلة.