مدونة

منهجية التكفير والإقصاء الديني والفكري

Screenshot_20261005_195123_Chrome
مدونتي

منهجية التكفير والإقصاء الديني والفكري

كم هو محزن ومؤسف ومخزي ان ينبري البعض الى تكفير من لا يشاطرونهم مذهبهم في العقيدة ؟ اعترف بانني في العقيدة ماتوريدي وفي الفقه حنفي ولكني ارتشف من المذاهب الاخرى كلها بدون حرج ولا خشية من نقد ولا تهمة في انحراف . لا يضرني ولا يسوءني من كان على غير معتقدي وعلى غير مذهبي ما دام من اهل التأويل وليس من اهل التهويل. في تعليمنا الأزهري نهلنا من مصادر دينية ومعرفية وفلسفية وعقائدية متفارقة ومتعاكسة دون اقصاء وانحراف وتعصب. من أسباب تمردي على المتعصبين وأصحاب الرّأي الواحد الحصري، ما نشأت عليه في مراحل ما قبل وأثناء وما بعد دراساتي الجامعية الأزهرية و” السربونية”.

في دراستي الأزهرية الإعدادية والثانوية والجامعية تدربت على إمكانية عدم التقيد بكل ما هو آحادي، ففي الاختلاف ثراء وغنى فكري، يضاف اليه من ضمن مناهج الدراسة تعددية المذاهب الفقهية على المدارس الأربعة والتي تتجاوزها الى المدارس المدثورة، ومدارس علم الكلام بين الأشاعرة والماتوريدية والمعتزلة وما جرى بينهم من مناقشات في علم التوحيد. حتى في مادة النحو واللهجات أصابها هذا التنوع في مدارسها ومشاربها من مدرسة الكوفة والبصرة الى بغداد والأندلس ومصر، فأضحكتنا مثلاً لغة “أكلونا البراغيث” وهي لغة تناقض مذهب جمهور العرب في أنه إذا أسند الفعل إلى ظاهر مثنى أو مجموع وجب تجريده من علامة تدل على التثنية أو الجمع، فيكون كحاله إذا أُسند إلى مفرد فتقول: قام الزيدان، وقام الزيدون وقامت الهندات، كما تقول: قام زيد. ولا تقول على مذهب هؤلاء: قاما الزيدان”، أو قاموا الزيدون، أو قُمْنَ الهنداتُ، فهذه الطريقة التي يذكر فيها الضمير مع الفاعل الظاهر تسمى لغة “أكلوني البراغيث”. وكذلك لغة “أم التعريف”، فيقال : ” أمبيت بمعنى البيت، أمرجل أي الرجل، أموادي بمعنى الوادي). وتعرف هذه اللهجة بالحميرية، ومنها الحديث النبوي : “ليس من امبر امصيام في امسفر” بمعنى : “ليس من البر الصيام في السفر”. وكذلك الأمر في القراءات السبع للقرآن الكريم، فقد ورد عن أبي بكر السجستاني وهو من علماء القرآن الكبار قوله : ” قرأ عليّ أعرابيٌّ في الحرم: (الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّـٰلِحَـٰتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَـآبٍ) “الرعد 29″، فقلت له : (طُوبى) ، قال الأعرابي: (طِيبى) بالإمالة، قلتُ له طوبى، فقال الأعرابي: (طيبى) ، لم يكن متعوداً عليها ، فلما طال عليّ الأمر قلت له: طو طو ، فقال الأعرابي: طي ، طي..” وكأنه يقصد بأنه لا فائدة من التكرار، فلن يغيّر لهجته”.

حتى عندما انتقلت الى المرحلة الجامعية لم أكن ملازماً ومناصراً لنظرية دون الاخرى فأجد في كليهما ايجابيات وسلبيات سواء في مادة علم الاجرام، أو القانون الدستوري والإداري والجنائي والبحري….أو سائر المواد. فمثلاً في علم الاجرام criminologie فإن تعدد الآراء في تحديد صفة المجرم أغنت ابحاثي فيما بعد، فكنت ابحث عن كل الآراء المعارضة والمناقضة والمتممة لأي موضوع ابحثه، وأن الحقيقة قد لا تكون الا في جزئية من الرأي المطروح وحتى استكملها عليّ اخذ بجزيئات أخرى من الآراء والنظريات…فمن طريف ما كان يحدث معي بعد انتهاء كل محاضرة وخاصة تلك المتعلقة بنظرية الشكل الإجرامي بناء على الأبحاث التي قام بها الطبيب الإيطالي Marco Ezechia Lombroso انني كنت أعاين أوجه الناس لأتعرف منهم على الصفات الإجرامية التي تختزنها شخصيتهم. إلى أن اسعفني الأستاذ المحاضر في المحاضرات اللاحقة بالنظريات الأخرى التي لا تتوافق مع نظرية الشكل الإجرامي، كالنظرية البيئية والمناخية والفيزيولوجية والتربوية… إلى النظرية التكاملية.

. كذلك الأمر في المواد الأخرى القانونية والدستورية حين المقارنة مثلا بين مدرستي بوردو وتولوز Hauriou et Duguit عن المفهوم القانوني “للمؤسسة”، أو العلوم السياسية، أو الدراسات الفلسفية، أو في باقي العلوم…

فالأساس الذي بنيت عليه تفكيري هو عدم حصرية الحقيقة بما اعتقده، وانني كإنسان مطالب الا اكون كالببغاء اردد ما يقوله الزعيم أو المرشد أو صاحب المذهب، فقد يستهويني على سبيل القناعة رأي صاحب مذهب آخر أو فقيه آخر، أو زعيم حزب آخر في موضوع معين، وقد اتوافق مع رأي واحد أو اكثر ينادي به حزب “يميني أو يساري” مخالف لتوجهاتي السياسية والفكرية، فكيف لي أن أجمع بين الافكار المتناقضة او المتعارضة اوالمتممة، لذلك قررت أن احترم عقلي وتفكيري وأكون حراً طليقاً في ابداء آرائي وبلورة نظرياتي المتعددة الآراء والتوجهات في كل مجال من مجالات الفكر الإنساني.

…وما زلت أسير في طرق الحياة المتعرجة… فأنا لا أنفع البتة أن أكون عسكرياً ولا حزبياً ولا تابعاً لمدرسة صوفية معينة ولا مذهب فقهي واحد، ولا مدرسة واحدة من مدارس علم الكلام. بل حراً طليقاً أغط وأختار الاماكن التي انتقل اليها بمحض ارادتي…تماماً كالطيور المهاجرة.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solverwp- WordPress Theme and Plugin

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare