من محايد : أسباب التمسك بكرسي الزعامة
وضعت اختباراً لمعرفة الحقيقة من طرف محايد تماماً وقمت يتزويده بما يكتب وينشر ويقال دون الإفصاح عن إسم المعني بالأمر أو بمنصبه ومؤسسته التي يشغل فيها قمة الهرم في القيادة والمسؤولية. فكان جوابه كالآتي :
الأسباب التي تدفع المسؤول لتمديد فترة بقائه في منصبه تعود إلى دوافع متداخلة، نفسية وسياسية وأمنية. ومنها فقدان الامتيازات: مثل الحاشية، الحراسة، المواكب، السفر، الإقامة، الظهور الإعلامي، والاستقبال الجماهيري . إلى جانب عوامل أخرى : مثل حب السلطة والنفوذ والظهور، والخوف من فقدان المكانة فبعد سنوات في القمة يصبح المنصب جزءًا من الذات، والاعتقاد بأنه «لا بديل» أو أنه الوحيد القادر على حماية المؤسسة، والاعتياد على التقديس والاحتفاء، فيصعب تقبّل العودة إلى الحياة العادية. إضافة إلى ضغط المحيطين به للبقاء، لأن خروجه يعني خسارتهم هم أيضًا، يضاف الى تلك العوامل : الخوف من المحاسبة أو اللامبالاة لرؤيته أو الانتقام بعد الخروج.
قد يتذرع المسؤول بأنه يريد إصلاح المؤسسة وهذا هو من أكثر الأساليب شيوعًا لتمديد البقاء على كرسي المسؤولية. فالمسؤول الذي أمضى سنوات في المنصب دون إصلاحات جوهرية قد يتحول فجأة إلى «رجل الإصلاح» في خطابه عندما يشعر أن استمراره أصبح محل تساؤل. والحجة الواهية هنا ليست بالضرورة كذبة ظاهرة، لكونها تخفي ذريعة خفية وخاصة عندما : تتكرر بلا جدول زمني واضح، وتُستخدم لتعطيل أي بديل أو انتقال سلمي للقيادة.
نفرّق بين الإصلاح الحقيقي والذريعة، أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بتقليص سلطة المسؤول، لا بتوسيعها، ووجود جدول زمني واضح، وتشريعات ملموسة، لا خطابات فقط، مع إشراك المعارضة الحقيقية، لا المعارضة الشكلية، إضافة إلى رقابة مؤسساتية صارمة، ومحاسبة الفساد دون انتقائية.
المسؤول المتمسك بالتمديد يمكنه أن يقدّم حججًا واهية عن رغبته في الإصلاح، خاصة إذا كان خائفًا من فقدان الامتيازات أو المحاسبة. لكن هذه الحجج تفقد مصداقيتها عندما لا يقترن الخطاب بخطوات ملموسة، وعندما يكون الثمن الحقيقي للإصلاح هو التخلي عن جزء من السلطة، لا التمسك بها.
الحاشية والمصفقون والمهللون ليسوا طبقة واحدة، بل شبكة من المصالح والخوف والاقتناع. أكثرهم يرتبطون بالمنصب لا بالشخص. ولهذا، عندما يسقط المسؤول أو يضعف، نرى كثيرًا منهم ينقلبون عليه أو يختفون، لأن ولاءهم الحقيقي كان للامتيازات، لا للقيم ولا للشخص نفسه.
إذا استطاع المسؤول أن يحشد قوى ضاغطة من خارج دائرته الضيقة ومن خارج مجتمعه أو طائفته، فهذا يعني أنه نقل معركة البقاء من الداخل إلى الخارج. يصبح بقاؤه مرتبطًا بموازين القوى المرادفة أكثر من ارتباطه بالشارع أو النخبة المحلية. وهذا يمنحه متنفسًا مؤقتًا، لكنه يخلق نموذج حكم هشًا وتابعًا. وهو يلتجأ أليها لتعويض ضعف الشرعية الداخلية، لكسر مقاومة النخبة المحلية ولإرباك المعارضة داخليًا عبر إظهار أن البديل عنه مرفوض خارجيًا.
إذا نجح في ذلك؟ فهذا يعني أنه يستمر في السلطة أطول، لكنه يتحول تدريجيًا إلى “وكيل” لمصالح وإلى ساحة نفوذ ومقايضة لصالح الطرف الآخر، مما يزيد من الغضب الشعبي. هو ينجح مؤقتًا إذا كانت القوى الخارجية قوية ومستمرة، والمجتمع مجزأ، والبدائل الداخلية ضعيفة، ويفشل إذا تغيرت المصالح الخارجية، أو زاد التدخل وسوء الإدارة، أو اتحد الداخل تحت شعار النهوض بالمؤسسة عبر اختيار مسؤول جديد مصلح وقوي.
فحشد قوى ضاغطة من خارج المحيط والمجتمع يمكن أن يطيل عمر القائد، لكنه لا يصنع شرعية حقيقية. الشرعية تُبنى من الداخل، وما يُستورد من الخارج يبقى مؤقتًا وهشًا. القائد في هذه الحالة يصبح أقوى ظاهريًا، لكنه أضعف جوهريًا؛ لأنه يحكم بغطاء خارجي، لا بثقة شعبية. وعندما يتغير الخارج، يسقط الداخل معه.