مدونة

الصلاة جسور لا جدران كلمة في لقاء صلاة (دعاء) مشترك بين مسلمين ومسيحيين

دعاء
العيش المشترك / مدونتي

الصلاة جسور لا جدران كلمة في لقاء صلاة (دعاء) مشترك بين مسلمين ومسيحيين

الصلاة جسور لا جدران

كلمة في لقاء صلاة مشترك بين مسلمين ومسيحيين

الإخوة والأخوات،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

مرحبًا بكم في هذا اللقاء الذي لا تجمعنا فيه فقط المحبة المتبادلة، بل أيضًا الرجاء المشترك في أن تكون صلاتُنا اليوم بلسماً لجراح عالمنا، وجسراً نحو الغد الذي يستحقه أبناؤنا.

في زمن هذا الإنقسام الأكبر الذي نعيشه ونتخبط به:  إنقسام المجتمعات على بعضها والشعوب على بعضهم والعائلات والأبناء على بعضهم البعض، تأتي إجتماعات القادة الدينيين وصناع القرار في العالم في مدينتنا أربيل لنتخاطب بصدق وبوحي من قيمنا ومبادئنا الإيمانية المشتركة، متسائلين : في زمن الفتن والحروب والإنحلال اللاأخلاقي، إلى أي أمر يلجأ المؤمنون الصادقون بربهم؟ هل يلجئون الى تبادل الإتهامات والتلهي في مهاجمة المعتقدات والتشكيك والتخوين وتسعير الخلافات؟ أم إلى الشحن الطائفي وهدم الأوطان وتغييب المؤسسات؟ أم يلتجئون الى التضرع الى الله بقوة الصلاة التي نلتجأ اليها جميعاً بكيفياتها وطرقها المتعددة.

هنا تكمن أهمية التوجيهات والعظات والإجتماعات التي نعقدها لتكون نسمة خير يفوح عطرها على المؤمنين بالله جميعا، بل لتكون بستاناً تنبت من على أرضه الطيبة رايات الأمل والرجاء بعد أن ظن المبغضون والحاقدون والأشرار أنهم أتلفوا تربته وأفسدوا ماءه وهوائه. هاتان الصفتان : الأمل والرجاء، هما من الصفات التي يحملها المسيحيون والمسلمون على حد سواء، ألم يقل بولس في رسالته إلى أهل كورنثوس : ” إِنَّهُ مِنْ أَجْلِنَا مَكْتُوبٌ. لأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْحَرَّاثِ أَنْ يَحْرُثَ عَلَى رَجَاءٍ، وَلِلدَّارِسِ عَلَى الرَّجَاءِ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا فِي رَجَائِهِ”. وكما تعلمه المسلمون أيضاً من قرآنهم الكريم حين وردت كلمة رجاء مقترنة بالرحمة ولقاء الله ورضوانه تجارة لن تبور (الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور) والأمل حين يقول الله تعالى في القرآن الكريم : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله)

في عالم تزداد فيه الانقسامات، وفي منطقة كشرقنا الأوسط الجريح، حيث تُدمّر الصراعات الدينية نسيج المجتمع، وتهدم الثقة بين المكوّنات، وتُقام فيه الجدران بين الإنسان وأخيه، تصبح الصلاة أكثر من عبادة: تصبح موقفًا نبويًا، وشهادةً ضد الخوف والكراهية، وإعلانًا بأننا، رغم اختلاف العقائد، نستطيع أن نقف معًا أمام الله دون أن نتنازل عن إيماننا أو إنسانيتنا.

يُوصينا الله أن نُصلي إليه عندما تشتدّ الصعوبات والأزمات: “ادعُني في يوم الضيق، أُنقذك فتمجّدني” (مز 15: 50)، مثلما نقرأ في القرأن الكريم أيضاً: “واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين” (سورة البقرة)، وقريبٌ هو الله من المتواضعين والمنكسري القلوب، ويُخلّص المنسحقي الروح” (مز 18: 34)، ولم يُخيّبُ الله رجاء مَن توجه إليه بالصلاة خاشعاً: “قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون. (المؤمنون)

في الإسلام والمسيحية، الصلاة هي قلب الحياة الروحية. في المسيحية، هي لقاء محبة وثقة، حوار شخصي مع الله الآب، من خلال يسوع المسيح، بقوة الروح القدس. كما يقول بولس: “صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ” (1 تسالونيكي 5:17)، ويضيف: “لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ.” (فيل 4: 6).

أما في الإسلام، فالصلاة المفروضة هي الركن الثاني من أركان الدين. هي الصلة اليومية بين العبد وربّه، تذكير مستمر بالله، تطهير للنفس، وسجود فيه القلوب تذوب في حضرة خالقها. يقول الله تعالى وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي” (طه: 14) “إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ” (العنكبوت: 45) فَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ” (العلق: 19)، وفي خطابه الى العذراء مريم يقول :  (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ)، مقدماً السجود على الركوع باعتبار أن المؤمن يكون أكثر اقتراباً الى الله في سجود صلاته.

 وفي لحظة الصلاة، لا عدوّ ولا خصم. بل قلب منفتح على النعمة، وعين ترى في الآخر أخًا، لا تهديدًا. لهذا قال المسيح: “أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ” (متى 5: 44). ولمّا كتب بولس إلى تلميذه طيمثاوس، أوصاه قائلا: “فَأَطْلُبُ أَوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ أَنْ تُقَامَ طِلْبَاتٌ وَصَلَوَاتٌ وَابْتِهَالاَتٌ وَتَشَكُّرَاتٌ لأَجْلِ جَمِيعِ النَّاسِ” (1 طيم 2:1)، ولم يُحدد بولس لأي فئة يجب أن نُصلي، بل أوصى بالصلاة من أجل جميع الناس.

وفي سيرة النبي محمد ﷺ، نقرأ عن استقباله وفد نصارى نجران في المسجد النبوي أقدس المقدسات عند المسلمين بعد مكة، فلما حان وقت صلاتهم، صلّوا على طريقتهم داخل المسجد، وقال النبي: “دَعوهم.” فمن يُصلّي لا يُخيف، بل يحمل السلام . أليست أماكن العبادة لمختلف الأديان السماوية هي التي يذكر فيها اسم الله كثيرا كما جاء في القرآن الكريم (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا )

ليس كلامنا عن أهمية الصلاة عند المسيحيين والمسلمين يدخل من ضمن العظات والإرشادات النظرية، ففي مطل القرن الواحد والعشرين اجتمع المسلمون والمسيحيون في لبنان يوم الخامس والعشرين من شهر مارس آذار في عيد بشارة العذراء مريم ليتحول في غضون سنوات قليلة في سنة 2010  ليصبح عيداً وطنياً مشتركاً بين المسلمين والمسيحيين، فإذا بنا نسمع فرحين من خلاله تراتيل قرآن وترانيم إنجيل فتأخذنا أجواء الإحتفالات وما بعدها من باقي أيام السنة الى مؤذن يصدح بصوت خاشع دعوة المؤمنين الى الصلاة، والى إمام يقف في محرابه يقرأ القرآن، وفي جواره كاهن يكرز مذكراً بكلام الإنجيل، وصوت أجراس تتعالى مذكرة بمجد الله في الأعالي وعلى الأرض السلام.

نحن هنا اليوم لا لنتظاهر بالتشابه، بل لنقول: نحن مختلفون، لكننا نُصلّي لنفس الإله، ونرجو نفس السلام، ونحمل في قلوبنا نفس الضعف البشري، ونؤمن أن “اللّه قريبٌ من المنكسري القلوب“ (مز 34: 18). إن أكرمكم عند الله أتقاكم

في أسيزي، عام 1986، دعا البابا يوحنا بولس الثاني قادة الأديان إلى الصلاة من أجل السلام، وقال حينها: “لا سلام دون صلاة، ولا صلاة دون سلام.” ومنذ ذلك الوقت، أسيزي أصبحت رمزًا روحيًا عالميًا، شاهدًا على أن الصلاة توحّد حين تُقدَّم بصدق.

فلنُصلِّ أكثر، ولنُصلِّ معًا. لنبنِ جسور الصلاة بدل جدران الانقسام، ولنجعل من هذه اللحظة شهادة بأن الله، الذي يسمع صلاة الإنسان الصادق، سيقودنا من ظلام الصراع إلى نور السلام.

لنرفعَ الدُعاء إلى الله الذي هو “قَرِيبٌ لِكُلِّ الَّذِينَ يَدْعُونَهُ، الَّذِينَ يَدْعُونَهُ بِالْحَقِّ” (مزمور 145: 18)، وقال في سورة غافِر: “ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ” (غافر: 60)

Solverwp- WordPress Theme and Plugin

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare