مدونة

لقاء إسلامي مسيحي حول المسؤولية الإجتماعية للمؤسسة

المسؤولية الاجتماعية
العيش المشترك / مدونتي

لقاء إسلامي مسيحي حول المسؤولية الإجتماعية للمؤسسة

لقاء إسلامي مسيحي حول المسؤولية الإجتماعية للمؤسسة

 

عندما كنا نتداعى رجال دين وفكر وأرباب عمل حول فكرة إنشاء ملتقى إسلامي مسيحي لرجال الأعمال، كانت تتجاذبنا الأفكار والرؤى والأهداف بعيداً، ما نلبث بعدها أن نعود للتأكيد على أن الأبعاد التي نسعى إليها ترتكز على ثلاثة محاور أساسية، هي :

المحور الأول يكمن في القيم الدينية باعتبار أنها في شقيها الإسلامي والمسيحي لا تهدف إلا لسعادة الإنسان وللخير العام. هذه الخيرية العامة ليس هدفها الإنسان فقط وإنما أيضاً كل ما يحيط به من طبيعة وبيئة وكل ما يدب على الأرض من حياة ويتنفس من هواء. هذه القيم الدينية التي نسعى إلى ترسيخها في المؤسسة والمصنع والمتجر لا تتطلع الى مجتمع ثري متخم يشيع فيه الترف وكثرة الفائض بل الى مجتمع غني مكتفٍ متضامن يشيع فيه الرضا والطمأنينة والأمان. هذه القيم الدينية لا تخص رجال الدين والفكر وحدهم، وليست تتوجه إلى المتعبد المتبتل في صومعته بقدر ما يحتاجها في المقام الأول عالم الاقتصاد و صاحب المال ورجل الأعمال. إنها تتوجه لهم من أجل إبقاءهم داخل هذا التوازن الرائع الذي تحتاجه الحياة على هذه الأرض لضمان استمرارها، واستمرارهم فيها، فقدرات البشر ليست واحدة، فمنهم العامل والأجير، ومنهم المقعد والعليل، ومنهم رب العمل وصاحب المال، والظروف التي يمرون بها قد تقسى على أكثرهم فتحرمهم من هناء العيش ورغد النعمة وقد تتجاوز عن اقليتهم لتغدق عليهم من رزقها وخيرها الشيء الكثير، فإن هم أبقوها وادخروها سيأتي من بعدهم من ينفقها و يبددها، وأن هم راعوا حق الله فيها سعدوا وأسعدوا وأجروا في حياتهم ويوم مآلهم ورحيلهم عنها. فكان لا بد لهذه القيم من تذكير هؤلاء بمسؤوليتهم الإجتماعية والإنسانية أزاء عمالهم ومستخدميهم، في حديث نبوي قال الرسول صلى الله عليه وسلم : أخوانكم خولكم (اي خدمكم وأجرائكم) جعلهم الله تحت ايديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم”. في المقابل تلزم هذه القيم أولئك الأجراء والعاملين بإتقان عملهم والحرص على جودة إنتاجهم، فالحديث النبوي يقول : ” إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه “.

المحور الثاني : حاجة الإقتصاد وعالم الأعمال إلى أنسنة في مجتمع غلب عليه الجشع والأنانية، فالجشع أصاب كثير من الأغنياء ممن يسعون الى الربح السهل، والأنانية المقيتة أبعدت افراد المجتمع الواحد عن بعضهم البعض، والتقدم الحضاري المادي شجع الفردية الأنانية على حساب الإنفتاح وتقوية الروابط الإنسانية، والعشوائية الشمولية استأثرت بالموارد الطبيعية دون الإهتمام بالبيئة والنظر إلى الأضرار الناجمة عنها.

من منظورنا الإسلامي المسيحي ليس الربح والمال الذي يجنيه الإنسان ملكه وحده ، بل هو ملك الله الذي مكن الإنسان منه، جاء في القرآن الكريم : “وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم”، وقال الامام علي رضي الله عنه : إن الله عز وجل فرض  على الأغنياء في أموالهم ما يكفي الفقراء، فإن جاعوا أو عروا أو جهدوا فبمنع الأغنياء” وفي قول للمسيح عليه السلام : ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه (انجيل متى 26.16). لذلك فإن ملتقانا الإسلامي المسيحي لرجال الأعمال يهدف إلى بلورة اقتصاد أكثر عدالة واحتراماً لحقوق الإنسان، ويدعو إلى رسم رؤى اقتصادية واجتماعية تستند إلى الحريات والمساواة بين المواطنين على مختلف أديانهم في حقوقهم وواجباتهم، كما يسعى إلى تحقيق التكامل بين المتطلبات المؤسساتية لإدارة الأعمال ومتطلبات العدالة والرحمة والمحبة، وهو بالتالي يوجه نداء إلى العالم لترسيخ مكانة الإنسان في الاقتصاد، حيث تتجانس الحرية والقيم العليا، بعيداً عن الأنانية والجشع والتنكر للكرامة الإنسانية.

المحور الثالث : رسالة لبنان إلى العالم : إذ أن اختيار لبنان من بين دول العالم ليكون نقطة انطلاق مشاريعنا وتطلعاتنا في هذا المجال ليس هو محض صدفة، فلبنان هو بلد الرسالة وفق ما كان يردده دائماً الحبر الأعظم البابا يوحنا بولس الثاني، ولبنان هو بلد العيش المشترك الإسلامي المسيحي. ليس هناك دولة في العالم يكون فيها الحوار الديني خبزها اليومي كفاف يومها إلا لبنان، ليس هناك بلد آخر في العالم غير لبنان يكون فيه الحوار الإسلامي المسيحي حواراً عملياً وتطبيقياً، حوار حياة مشتركة، وحوار عيش مشترك، وليس حواراً منغلقاً داخل نظريات وكتب. ليس هناك بلد في العالم إلا لبنان يجتمع فيه المسلمون والمسيحيون معاً في كل عام ليحتفلوا به في تكريم السيدة العذراء مريم بالصلوات والأدعية والتواشيح الإسلامية والترانيم الكنسية حيث أصبحت هذه المناسبة عيداً وطنياً جامعاً لكل اللبنانيين. لدى كل مسلم لبناني جزء من مسيحية أخيه. ولدى كل مسيحي لبناني جزء من إسلام أخيه، يسؤونا جميعاً ما يسيء الى معتقد الآخر والنيل من رموزه الدينية ومن مقدساته ومن أحزانه وأتراحه، ويسعدنا كل ما يسعد الآخر من افراح وأعياد وابتهالات. فلبنان هو لبنان الرسالة رسالة العيش الواحد الإسلامي المسيحي الى العالم،

إن إيجاد أرضية مشتركة بين المسلمين والمسيحيين حول المسؤولية الإجتماعية للمؤسسة ليس حواراً مسكونياً مهذباً بين رجال دين بعضهم مع بعض وإنما بين صفوةٍ مختارة من القادة الدينيين والإقتصاديين ورجال الأعمال. فالمسيحية والإسلام هما الدينين الأول والثاني من حيث عدد أتباعهما في العالم وفي التاريخ؛ حيث يشكل المسيحيون والمسلمون حسب التقارير ما يزيد على ثلث العالم وخمسه على التوالي.  وهم يشكلون معاً أكثر من خمسة وخمسين في المائة من عدد سكان العالم، مما يجعل التقارب الإسلامي المسيحي في مجال انسنة الإقتصاد عاملاً مهماً من العوامل المساهمة في إحلال سلام مجدٍ واقتصاد إنساني بناء وهادف في أرجاء العالم. إن عالمنا اليوم هو بأشد حاجة الى هذا التعاون المشترك في هذا المجال. فلنضع كل أمكانياتنا لإنجاحه، ولنكن عن حق وجدارة رسالة لبنان إلى العالم، ورسالة المسؤولية الإجتماعية وفق الأسس والمبادئ الإسلامية المسيحية إلى مؤسسات العالم الإقتصادية والإنتاجية.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare