مدونة

الغرور وطرق الوقاية منه

الغرور
مدونتي

الغرور وطرق الوقاية منه

ثلاثة مشاهد أثاروا في نفسي، عنما كنت شاهداً فيها منذ سنين عديدة، شعوراً عن مساوئ الغرور وضرورة السيطرة عليه والإقدام على سحقه بسرعة قبل أن يتحكم بالشخص الضعيف النفس فيتفاقم ويصبح قوة مدمّرة له.

المشهد الأول :  منذ عدة سنوات قمنا بتلبية دعوة وجهت إلينا عبر صديقي الفرنسي رئيس قسم الملكية الفكرية في كلية الحقوق لإحدى الجامعات الفرنسية المشهورة، من قبل شخصية هندوسية عالمية مرشحة لجائزة نوبل في وقتها Sri Sri Ravi   Shankar  ومؤسس منظمة Art de vivre . لبيت الدعوة مع بعض الأصدقاء من مختلف الطوائف اللبنانية، وسافرنا الى مكان الاحتفال في مدينة بنغلور الهندية لمناسبة مرور 25 سنة على انشاء هذه المنظمة التي تدرب أبنائها على تقنية التنفس للتغلب على الإحباط اليومي الى جانب اهتمامها بالجوانب الإنسانية. أقيم الاحتفال على أرض المطار الحربي لمدينة بنغلور وحضره ثلاثة ملايين شخص إلى جانب ملوك ورؤساء دول ورجال دين من مختلف الأديان وخاصة الرهبان الهندوس. في اروقة قاعات الاحتفالات كان الرهبان الهندوس كثيرا ما يتعرضون لنا كرجال دين مسلمين ومسيحيين ليعربوا لنا عن تفوقهم الروحي علينا، وان العالم سيعتنق ديانتهم قريبا لأنها ديانة تقوم على المحبة والمسامحة وتهذيب الأنفس من خلال التأمل الروحي والانعتاق الجسدي… كان الغرور يثب من أعينهم والتكبر والاستعلاء ونشوة الانتصار بتلبية الملايين القادمين من اصقاع  العالم لدعوتهم، دليل على صدق اعتناقهم للهندوسية وأنها الديانة العالمية المرتقبة حسب زعمهم.

استدعاني للكتابة بهذا الموضوع في حينها ما كان يحصل في الهند من مجازر بحق المسلمين ومشروع كبير للتطهير العرقي وهو منطق الهندوتفا – الأيديولوجيا التي ترتكز عليها الحركة القومية الهندوسية. اشتملت إحدى الاغاني التي تدعو إلى التطهير العرقي على الكلمات الآتية:

“نحن هندوس حتى النخاع، وسوف نصنع تاريخاً جديداً. سوف ندخل بيوت الأعداء، وسوف نقطع رؤوسهم. وسوف يرفرف العلم الزعفراني فوق كل بيت، وسوف يعود حكم رام. لا يوجد سوى شعار واحد، اسم واحد، النصر للرب رام، النصر للرب رام.”

في حديث مع أحد الصحفيين، قال رجل هندوسي يبلغ من العمر 22 عاماً : “عندما نستمع إلى الأغنية نشعر بالقوة، ينتابنا إحساس بأننا نرغب في قتل كل من لم يكن من ديانتنا من الذين يعيشون في جوارنا.”

المشهد الثاني : عندما خرج الداعية المصري المشهور الشيخ الشعراوي من أحد الدروس التي كان يلقيها في احد المساجد في القاهرة، أصابه الشعور بالعظمة من كثرة الحشود التي تتابع دروسه، فطلب من سائق السيارة التي تقله إلى منزله في طريق العودة بالتوقف عند أول مسجد في طريقه، وعندما وصل اليه، أسرع بالدخول إلى قاعته متوجها إلى المراحيض “التواليت ” وخلع جبته وعمامته وقام بتنظيف أرضه وتوابعه بالكامل، ثم خرج عائداً إلى منزله، وعندما سئل عن فعله، أجاب بأنه أراد أن يكسر الشعور بالغرور والتكبر وترويض نفسه على التواضع.

المشهد الثالث : عندما استقدمت أحد الدعاة المشهورين منذ عدة سنوات لالقاء محاضرة، واخترنا المدينة الرياضية في بيروت، وعند وصولنا إلى المكان لم نصدق أعيننا إذ كانت الشوارع الملاصقة للمدينة الرياضية تغص بالحشود مفترشة الأرض، فشققنا طريقنا إلى المنصة، وقبل ان أقوم بتقديمه، سمعته يردد الأدعية وهو يدعو الله الا يصبه الغرور والإفتتان بالنفس لرؤية هذا المشهد.

هذه المشاهد الثلاثة أثارت في نفسي شعوراً بأهمية استباق الإحساس بالغرور وذلك بالسيطرة عليه والإقدام على سحقه بسرعة قبل أن يتحكم بالشخص الضعيف النفس فيتفاقم ويصبح قوة مدمّرة له. للغرور والشعور بفائض القوة إشارات تستحكم باللسان والعينين وحركات اليد… فلو قمنا بمداواتها بالدعاء عند كل حشد جماهيري بألا يصبنا الغرور والشعور بالعظمة، وألا يزدنا ذلك الا تواضعاً وحلماً وعفواً،  وأعلى درجة في مقاومة هذا الغرور، هو أن نتوقف افتراضياً في طريق العودة لتنظيف شوائب الغرور والكبرياء.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare