مما التبس فهمه في التعبير القرآني : ” أهل الكتاب”
مما التبس فهمه وقل استيعابه عند شريحة من الباحثين في العلاقات الإسلامية المسيحية مسألة إن القرآن يستخدم عبارة “أهل الكتاب” للدلالة على الديانتين اليهودية والمسيحية فهل أخطأ القرآن الكريم باستخدامه هذا المصطلح باعتبار أن المسيحية لا تعتبر ركيزتها الإنجيل ككتاب منزل من عند الله كما القرآن. هذا الإلتباس بحاجة الى تدبر وتفهم بأن لغة القرآن الكريم متناهية في الدقة وفيها مرادفات كثيرة حتى يفهمها كل جيل وكل عصر وفق تقدمه وتفوقه العلمي، وما غاب عن تفسير أحد من المفسرين قد يأتي آخر فيعدله أو يكمله، فإذا أخذنا مثلا الآية التي تقول : (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) فالحسنة واضحة والسيئة واضحة ولكن القرآن الكريم يشير الى شيء آخر أبعد من ذلك ليقول بأن المعاملة الحسنة إذا وجد ما يفوقها في الحسن والقدر والسلوك انقلبت هذه المعاملة الحسنة الى معاملة سيئة بمجرد وجود ما هو أفضل منها. ومن هذه التعابير التي إذا فكرنا فيها لوجدناها تعني شيئاً آخر مكملاً أو مغايراً لقول بعض المفسرين وهي كلمة “أهل الكتاب”. فكلمة “الكتاب” تعني أيضاً “الوحي”، إذ أن الوحي وفق تعريف اللغة هو: الاشارة والكتابة والرسالة والالهام والكلام الخفي وكل ما القيته الى غيرك، وكذلك الوحي هو المكتوب والكتابة، كما جاء في لسان العرب لابن منظور. فالكتاب هو وسيلة تواصلية بين الإنسان وعالمه الإنساني، والوحي هو وسيلة تواصلية بين الإنسان وربه. والوحي يأتي مشافهة أو يلقى على قلب نبي والرسول، وحتى يبشر به وينتقل الى الأجيال يحتاج الى نص وكتاب. فإذا تكلمنا عن الإنجيل والتوراة فهما بالمدلول البشري الكتابين اللذين بين أيدينا وبالمدلول الإلهي هما كلام الله الموحى أو الملهم الذي خاطب الله بهما موسى والمسيح عليهما السلام. لذلك فأهل الكتاب تعني من ضمن المعاني المطروحة : “أهل الوحي”، فليس هنالك أحد من المسلمين من ينكر بأن الوحي اختص الله به الأنبياء والرسل ومن ضمنهم السادة الأنبياء موسى والمسيح ومحمد عليهم صلوات الله وسلامه جميعاً. إضافة الى ما ذكرته فمن خلال قراءة الآيات القرآنية التي تتحدث عن التوراة والإنجيل والقرآن، قد يكون البعض قد لاحظ ما استخدمه القرآن من عبارة للتدليل على الفرق بين تنزيل القرآن الكريم وإنزال الإنجيل. القرآن لم يستخدم نفس اللفظ وإنما استخدم كلمة “تنزيل” للدلالة على القرآن، وكلمة “أنزال” للدلالة على الإنجيل. فهل هناك فرق بين اللفظين؟
وردت في القرآن الكريم كلمة ” أنزل الإنجيل ” ست مرات، والفرق بين الإنزال والتنزيل إنما للدلالة على أمر خاص ذكره بعض المفسرين : “التنزيل” تفيد التكثير والمبالغة غالبا نحو: (قطّع وكسّر وفتّح وحرّق….الخ )، ومن مقتضيات التكثير والمبالغة في الحدث استغراقُ وقت أطول، وأنه يفيد تلبثا ومكثا، فالقرآن نزل على مدى ثلاثة وعشرين سنة وفق أحداث معينة، وأما الإنجيل فهو نزل كما يقول بعض هؤلاء المفسرين دفعة واحدة. لا أعتقد شخصيا بهذا الرأي مطلقاً، وإنما اعتقد بأن هناك فرق خاص وأساسي ما بين نزول الإنجيل وتنزيل القرآن، فلو كان الأمر كما يقولون بأن الإنجيل والتوراة نزلا دفعة واحدة لما سخر القرآن من طلب اليهود بأن ينزل عليهم كتابا من السماء، جاء في القرآن الكريم :
( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة)
لمعرفة الفرق بينهما انطلاقا من المعنى اللغوي للفظين، فإن “التنزيل” بصيغة التفعيل والذي يفيد المبالغة في الفعل، إنما يكون في البحث عن مفهوم القرآن لمعرفة خصائصه التي تفرقه عن الإنجيل حيث أنه يعرف بانه (كلامُ الله تعالى، المُنَزَّلُ على قلب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، المُتَعبَّدُ بتلاوته، المكتوبُ بين دفّتي المصحف، المتحَدَّى بأصغر سورة منه، المنقولُ إلينا بالتواتر) بمعنى أن القرآن بمعانيه وحروفه هو كلام الله تعالى وليس كلام جبريل، ولا كلام محمد صلى الله عليه وسلم، ولا كلام الملائكة ولا أحد من البشر، وقد نقل الينا بطريقتين : عن طريق الكتابة منذ سماعه من فم النبي وعن طريق الحفظ من لحظة نزول الوحي ونطقه مباشرة من النبي إلى الآن حيث ما زال مئات الالوف من المؤمنين يحفظونه عن ظهر قلب كما تلقوه مشافهة عبر سلسلة من الحفاظ يتلقونه جيلا عن جيل والى يومنا هذا. وهذا الحفظ الشفهي متطابق تماما مع المكتوب كتابة. هناك فرق آخر بأن القرآن معجز فكل الأنبياء كانت لهم معجزات في زمانهم الذي مضى وأما معجزة النبي محمد فهي ما يضمه القرآن من أوجه إعجازية باقية إلى الآن. فرق آخر وهو أن القرآن الكريم يتعبد بتلاوته وحفظه. وأما كلام النبي فلا يدخل ضمن النصوص القرآنية، وهو ما يؤكده نهي النبي عن تدوين كلامه سوى ما كان يوحى اليه عند تنزيل القرآن وذلك كي لا يختلط كلامه مع القرآن الكريم. وأن تدوين الحديث جاء بعد ذلك بمدة طويلة.
فإذا كانت هذه هي خصائص القرآن الكريم المنزّل، فإذا طابقناها على الإنجيل المنزَل لنتج عن ذلك بعض الأسئلة التي نطرحها :
- هل الإنجيل هو كلام الله بحروفه ومعانيه ؟
- هل الإنجيل دون أدنى تقليل من شأنه باعتباره كلام الله الذي فيه هدى، هو معجز بمعنى هل نستطيع أن نضيف الى معجزات السيد المسيح التي قام بها حقا وصدقا من إحياء الموتي وإبراء المرضى، معجزة كلامية وبلاغية وعلمية منصوص عليها في الإنجيل؟
- هل الإنجيل نقل الينا بالتواتر، بمعنى أنه تمت كتابته فوراً حينما نطق به المسيح وتم حفظه وانتقاله – بشكل متوازن – من جيل الى جيل الى هذا الوقت عن طريق شبكات من القراء والحفاظ، ينقل كل جيل منهم ما حفظه عن الجيل السابق الى الجيل الذي سمعه من فم المسيح عليه السلام مباشرة ؟
- هل الإنجيل يتعبد بتلاوته ويحفظ عن ظهر قلب ؟
- هل الإنجيل إذا لم يكن كلام الله المباشر الذي أنطق به المسيح فهل هو كلام المسيح باللفظ واما المعنى فهو من عند الله بوحي وإلهام منه الى كتبته الأربعة في فترة زمنية متباعدة : متى ومرقس ولوقا ويوحنا؟
الردود على هذه الأسئلة ستعلمنا لماذا استخدم القرآن لفظ “أنزل” عندما تكلم عن الإنجيل و” تنزَّل” عندما تكلم عن القرآن. إضافة إلى أن القرآن شدد على ملاحظة التنزيل في ثلاثة مواضع أخرى مستقلة وخاصة بالقرآن بأن قال : (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً) و (طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى * تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى) و (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا)
مع ملاحظة أن الوحي القرآني لم ينزل على سمع النبي محمد، بل على قلبه (مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) و (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ) ، وأن الله طلب من النبي عدم الإستعجال في ترديده مباشرة أثناء الوحي به خشية نسيانه، وذلك لأن الله تعهد بحفظه (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)
مما نستطيع أن نستخلصه مما سبق بأن الإسلام يؤمن بأن الإنجيل كتاب أوحى الله به وأنزله على سيدنا المسيح عليه السلام، ومعنى نزوله من عند الله لا يتطابق مع تنزيل القرآن بل يختلف عنه، فإن كان التنزيل معروفا ومعلوماً عند المسلمين بما وضحه الوحي، فإن نزول الإنجيل غير معلوم لدينا على جهة اليقين لا من ناحية كيفيته ولا من ناحية زمانه ولا من ناحية مدته، وإن كل ما ذكر في هذا الموضوع عند المسلمين إنما هو تأويلات صادرة عن بعض العلماء المسلمين. بمعنى آخر أن القرآن موحى به بلفظه وحروفه ومعانيه ومنزل عن طريق الملك جبريل على قلب النبي محمد وفق أحداث وفترات امتدت لثلاثة وعشرين سنة، وأن ما نستطيع أن نجزم به انطلاقاَ من ايماننا الإسلامي بأن الإنجيل هو وحي من عند الله نطق به سيدنا المسيح عليه السلام ودوّنه أتباعه، دون أن نعلم تفاصيل هذا الوحي وصفة نطقه وكيفيته.