مدونة

هل نحن بحاجة الى  قاموس للمصطلحات الدينية المقارنة والمتعارضة

معجم
مدونتي / منهجية التدريس

هل نحن بحاجة الى  قاموس للمصطلحات الدينية المقارنة والمتعارضة

كثيراً ما يواجه الباحث ” اليقظ” في الدراسات الدينية المقارنة صعوبات في تحديد معاني المصطلحات المستخدمة داخل كل دين وما يقابلها في الدين الآخر من مصطلحات متطابقة في اللفظ ومختلفة في المعنى. هذه الصعوبة لا تخص المصطلحات التي تنتمي الى لغة واحدة مشتركة، بل تنسحب إلى اللغات المتعددة والمختلفة فيما بينها. فالصعوبة تبتدأ منذ اللحظة الأولى لترجمة معاني المصطلحات حين نقلها من مصادرها اللغوية الأصلية الى اللغة الأخرى التي نرغب في مقارنتها. هذه الإختلافات في مفاهيم المصطلحات المقارنة تتطلب دقة أكثر إذا ما تعلقت بالدراسات الدينية الإسلامية والمسيحية سواء تلك المستخدمة في اللغة العربية أو تلك المستخدمة لدى الشعوب التي تنتمي الى الثقافات الغربية. فالغرب رغم علمانيته ما زال يستخدم المصطحات ذات الدلالة المستمدة من الديانة المسيحية ليستعين بها في فهمه للمصطلحات الدينية الإسلامية.

 

الدّين :

 

من أولى هذه المصطلحات ذات الدلالة التي لا تتطابق تماماً مع تلك المستخدمة في اللغات الأخرى – والتي يغفل عنها كثير من الباحثين في الديانتين السماويتين الإسلام والمسيحية – مصطلح ” الدين”. فكثيراً ما نسمع من الجانب المسيحي بأن الدين عند المسلمين يختلف في محتواه وأبعاده وأهدافه عن الدين المسيحي، فالدين لدى المسلمين ليس مبنياً على الروحانيات بل هو دين ودنيا وسياسة واجتماع…الخ، حتى أن أقدم قاموس فرنسي Furetière نشر في باريس سنة 1690 يعرّف الدين بحصريته على الديانة الكاثوليكية الرسولية الرومانية وأن الأديان التي تؤمن بآلهة مزورة كالديانة المحمدية لا يطلق عليها اسم الدين الا مجازاً. وكذلك الأمر بالنسبة للمسلمين، فإذا اعترفوا بأن المسيحية هي دين سماوي إلا أنهم ينتقدون ما آلت إليه المسيحية بعد تأسيس مفهومها الديني الكنسي.

 

إلى جانب هذا الإختلاف في المفهوم والأبعاد والأهداف تستخدم اللغات الاوروبية المتنوعة للدلالة على مصطلح “الدين” تعبيراً مشتقاً من اللاتينية منذ ما قبل ظهور المسيحية وهو Religio، حيث ما زال يطلق هذا اللفظ للدلالة على جهة التخصيص والحصر على مجموعة الامور الاعتقادية والتعبدية، وهي بهذا التخصيص أفردت اللغات الأوروبية بين اللغات الأخرى القديمة مفهوماً مستقلاً للدين. عند دراسة اديان الشعوب القديمة يتبين بأن معظمها تبنت مفاهيم مختلفة للدين لا تلتقي مع المفهوم المستخدم لدى الشعوب الأوروبية القديمة، فبينما أرجع الآريون مفهوم الدين الى العرف (ê)، ربط الرومان مفهوم الدين بالعائلة والقانون، وكذلك حصر السلاف الدين بالمعتقدات (vera)، وأشار الصينيون إلى (المبادىء والاسس الفكرية ( kio = الاسس الفكرية = دين) والهندوس الى القواعد المنظمة للكون (dharma  بينما ربط العرب والآراميون والعبرانيون والفرس مفهوم الدين بالطاعة والإذعان للخالق عز وجل. وقد أحصى  العالم الفرنسي المشهور  Jean Chevalier أكثر من مائة وخمسين تعريفا لكلمة الدين. فإعطاء تعريف شامل للدين يأخذ بعين الاعتبار جميع المعتقدات والمفاهيم ليس بالشيء السهل ومهما يكن من القيمة العلمية لهذه التعاريف فإنها تبقى غير متطابقة وغير دقيقة وغير شاملة ولا تطلق صفة الدين الا على الأديان التي تشترك معها في صفات كثيرة أهمها وجود عقائد ترتبط بوجود خالق لهذا الكون ووجود قرابين وكهنة تتكفل بإقامة علاقة بين الخالق والمخلوق وتضمن تواصل تلك العلاقة، إذ أن هناك أديان بلا عقيدة مثل البوذية، ولا إله مثل الهندوسية، بلا قرابين مثل الكونفوشوسية، وهناك أديان سماوية بلا كهنوت مثل الإسلام. فالدين في مفهومه الإسلامي مثلاً لا يرادفه لفظ الروحانيات المقابل للفظ الماديات، ولا يشتمل على سلطة روحية في مواجهة سلطة زمنية ( وحتى كلمة زمنية وروحية هما غريبتان عن المفاهيم الإسلامية) والدين لا يعطي ما لقيصر لقيصر وإنما يعطي ما لقيصر لله ايضاً .

الدين باشتقاقه العربي المطابق لما في اللغات السامية من ألفاظ مرادفة يفيد الوجوب والالزام، ومن هذا المعنى كان اشتقاق كلمة الدَّيْن الذي يقترضه الإنسان ويلتزم بوفاءه، وكذلك يستعمل هذا اللفظ بمعنى السيرة والمنهج والطريق الذي يسلكه الإنسان، فيكون الدين بذلك كله مرادفاً لمعنى القانون والشرع الذي يرضخ له الناس لما فيه من معنى الإذعان والخضوع، وقد جاء في شرح البيجوري على الجوهرة من أن الدين هو “وضع الهي سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات أي ما شرعه الله تعالى على لسان نبيه من الأحكام .”

وإذا كان الدين كذلك بمعناه الشمولي فإننا نستطيع أن نقول بأنه يتجاوز معنى العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان وهو بذلك يشتمل على العناصر الأربعة الآتية: العقائد/ العبادات/ الأخلاق/ المعاملات

 

الله :

من هذه المفردات الخلافية أيضاً استخدام كلمة الله. فإذا كان العرب المسيحيون كما المسلمون قد استخدموا هذه الكلمة للدلالة على الخالق، إلا أن هناك خلافات عنيفة نتجت عن استخدام كلمة الله في بلاد شرق آسيا، فقضت محكمة ماليزية مثلاً بمنع صحيفة أستراليا من استخدام لفظ الجلالة “الله” للإشارة إلى الرب في قرار تاريخي في قضية أثارت توترات دينية وتساؤلات بشأن حقوق الأقليات في ماليزيا ذات الأغلبية المسلمة.

 

وألغى قرار بإجماع آراء القضاة الثلاثة في محكمة الاستئناف الماليزية حكما أصدرته محكمة أقل درجة في 2009 وسمح لنسخة صحيفة هيرالد التي تصدر بلغة الملايو باستخدام كلمة “الله” مثلما هو الحال منذ قرون كما يقول مسيحيون كثيرون في ماليزيا. قال كبير القضاة محمد عبداني في الحكم إن “استخدام كلمة الله ليس جزءا لا يتجزأ من العقيدة في المسيحية”، مضيفا: “استخدام هذه الكلمة سيسبب ارباكا في المجتمع،

كما دفعت الحكومة في قضيتها بأن كلمة الله قاصرة على المسلمين وأن قرار وزير الداخلية في ذلك الوقت في 2008 بمنع إعطاء الصحيفة إذنا بطباعتها كان له ما يبرره على أساس النظام العام.

 

ودفع محامو الصحيفة المسيحية بأن كلمة الله تسبق الإسلام وأن المسيحيين الناطقين بالملايو كانوا يستخدمونها بشكل كبير في جزء من جزيرة بورنيو منذ قرون. وقالت الكنائس في ولايتي صباح وساراواك في بورنيو إنها ستواصل استخدام الكلمة بصرف النظر عن الحكم. تفادياً لهذه الحوادث اعتمدت شركات الإنتاج السينمائي في معظم دول آسيا استبدال كلمة الله بكلمة ” القدير” ، كما أبقت معظم ترجمات القرآن الكريم الى اللغات الأجنبية كلمة “الله” كما تنطق في العربية.

 

الكلمة :

بمعنى كلمة الله وهل هي صفة أزلية أم حادثة ؟ وينبني عليها الإيمان بأن القرآن (والكتب السماوية) والذي هو كلام الله تعالى فهل هو أزلي قديم أم مخلوق. والكل يدرك ما سببته هذه الجدالات خلال مئات السنين من فتن دينية قتلت فيها أرواح كثيرة وأهدرت فيها دماء كثير من علماء الدين حين اعتمد الخليفة العباسي المأمون مذهب المعتزلة القائلين بأن القرآن مخلوق وليس أزلي.

 

الذي يهمنا هنا إضافة الى الخلاف الداخلي بين المسلمين حول مفهوم وطبيعة الكلمة، هو مفهوم معنى “الكلمة” في المسيحية، واستطراداً المناقشة المسيحية للعبارة الواردة في القرآن الكريم في سورة النساء 171 : ( إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته التي ألقاها الى مريم)،. فالكلمة “لوغوس” عند المسيحيين صارت جسداً والتي تعني المسيح الأزلي غير المخلوق وهو نفسه الإله المتجسد وانه أقنوم الإبن ويساوي مجده نفس مجد الأب. وحين تترجم الى الفرنسية تكتب ترجمة الكلمة ب Verbe، وهنا تقع المشكلة.

 

فبمناقشة المسيحيين لمعنى “الكلمة” التي ألقاها الله الى مريم وفق ما وردت في القرآن يقولون : من هو المسيح ؟ إنه كلمة الله، فهل هذه الكلمة مخلوقة أم غير مخلوقة؟ إن كانت غير مخلوقة كان المسيح هو الله، وان كانت مخلوقة لم يكن قبل ولادته ذا كلمة وروح.

يجيب المسلمون : إن “الكلمة” الواردة في هذه الآية مرتبطة حصرياً بفعل : ” كن”، ولئن كان معنى ” كن ” هذا قديما فإن ذلك لا يقتضي أن يكون متعلقها أيضاً قديما، ولقد علم علماء اللغة العربية ان المسيح ليس هو نفس كلمة ” كن” ولكنه متعلقها، وانما أخبر الله عن المسيح بالكلمة نفسها مبالغة في بيان هذا التعلق من حيث انه كان بمحض إرادة الله التي تمثلت في قوله “كن”. ولو كان متعلق الإرادة قديما مثل الإرادة نفسها، لكان العالم كله قديما، إذ انه ليس الا نتيجة إرادة الله وقوله حين خلقه “كن”، (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون).

الصلوات

 

 حين تستخدم اللغة العربية كلمة الصلاة بالمعنى الإصطلاحي فهي تعني ” مجرد الدعاء”، وأما كمصطلح شرعي وديني فهي تعني التعبُّدُ للهِ تعالى بأقوالٍ وأفعالٍ مخصوصةٍ، مُفتَتَحةٍ بالتَّكبيرِ، مُختَتَمةٍ بالتَّسليمِ، أي أنه يتخللها قراءة القرآن والركوع والسجود، وتقام إفرادياً أو جماعة في أوقات محدودة وهي الصلوات الخمس المفروضة في الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، إضافة الى صلوات التطوع التي يقوم بها المسلم في كافة الأوقات، ولكنها لا تخرج مطلقاً عن شكلية وحركات الصلاة. كما لا تخرج عن طبيعة وشكل الصلاة، الصلوات التي تؤدى يوم العيدين عيد الفطر وعيد الأضحى وفي مناسبات معلومة كصلاة الإستسقاء. لا يمكن لأي سلطة دينية أو غيرها إضافة صلوات جديدة أو حذفها أو تعديلها أو تغيير شكل أدائها، فهي محددة وثابتة ونهائية. وبهذه الكيفية والثبات تختلف عن الصلاة في المسيحية.

 

لم يكن ثمة خلاف أساسي على هذا الإختلاف في المعنيين المعتمدين في الإسلام والمسيحية. ابتدأت هذه المشكلة تتفاقم في لبنان عند أول اقتراح تقدمت به منذ عشرات السنوات عندما صرحت بأنه لا يوجد مانع عقائدي أن يحتفل المسلمون في مناسبة وطنية تتعلق بشخصية مشتركة بين الديانيين ولتكن هذه المناسبة بشارة جبريل الى سيدتنا مريم. فكلمة البشارة موجودة باللفظ نفسه في القرآن وحادثة البشارة تكاد تكون متطابقة في الإنجيل والقرآن. خلال الإجتماعات التحضيرية للإحتفال بهذه المناسبة كان معظم المجتمعين من الناطقين باللغة الفرنسية، فكتبت النصوص الداعية لحضور الإحتفالية باللغة الفرنسية حيث كتب النص على الشكل الآتي :

A l’occasion de la fête de l’Annonciation, musulmans et chrétiens célébreront des prières communes

وتمت ترجمتها الى اللغة العربية، بأنه بمناسبة عيد البشارة يقيم المسلمون والمسيحيون صلوات مشتركة، وكنت أول من أشار الى خطورة الترجمة بالإشارة الى كلمة صلوات مشتركة، والى كلمة عيد، وكانت مداخلتي الرسمية في الإحتفالية التالية للبشارة  أن شرحت هذين الأمرين حيث قلت : كما لا يهدف هذا اللقاء لإضافة عيد ديني آخر إلى أعياد المسلمين فلا مجال في العقيدة الإسلامية أن تضيف أي سلطة سياسية أو “دينية” على العيدين الإسلاميين : عيد الفطر وعيد الأضحى أي عيد آخر، ولا يضاف لدى الميسحيين عيد جديد فيبقى لعيد البشارة الديني طقوسه واحتفالاته المتبعة ولا يغني هذا الإلتقاء المريمي عن طقوس ومراسم عيد البشارة المسيحي. ولا يوجد في هذا اللقاء أي شعائر دينية إسلامية أومسيحية مشتركة فلا يبتدع هذا اللقاء دينا جديدا ولا عقيدة جديدة ولا طقوساً مختلقة للمناسبة. لذلك كان اصرارنا منذ اللحظات الأولى للمطالبة بأن يكون هذا اللقاء عيداً وطنيا جامعا وليس عيدا دينيا على الإطلاق.

 

ومع ذلك انتقدت فكرة العيد المشترك الإسلامي المسيحي لبشارة العذراء مريم والصلوات المشتركة انتقاداً جارحاً من بعض المسلمين والمسيحيين، وكان لا بد لهذه الإعتراضات أن تمر وتكرس الحكومة بناء لمداخلاتي العديدة وللمجهود الذي بذلناه في هذا الصدد في لقاءنا الإسلامي المسيحي حول مريم وبمجهود من ناجي خوري بأن أصبحت بشارة مريم عيداً وطنياً جامعاً للمسلمين والمسيحيين ويوم عطلة رسمية.

 

لإن مرت كلمة العيد بمناسبة البشارة بسلام بعد أن أضفت لها كلمة وطني، إلا أن كلمة الصلوات المشتركة لم تمر، فأصدرت بعض الأحزاب الإسلامية تحذيرات وتهديدات تلاها سنة 2017 فتوى صادرة عن هيئة العلماء المسلمين في لبنان تناقلته أجهزة الإعلام المرئي والمسموع والمقروء تفتي بتحريم إقامة الصلوات المشتركة وبعدم جواز أي لقاء يجمع مسيحيين ومسلمين في “صلاة موحدة، او مشتركة”، فلا يقف المسيحي ليصلي صلاة المسلم، او ليشاركه في صلاته. و لا العكس صحيح ايضا”. حينها أصدرت بيانا للرد على الهيئة ومما قلته :

“انطلقنا كمسلمين في “اللقاء الاسلامي المسيحي حول سيدتنا مريم عليها السلام” من أجل الاجتماع على كلمة “سواء” يحثنا في ذلك كون شركائنا في الوطن هم : “أقربهم مودة للمسلمين” دون أن يؤدي هذا اللقاء بيننا إلى أي انصهار وذوبان لا من جانبنا ولا من جانبهم في دين الآخر على قاعدة :  ” لكم دينكم ولي دين”. هذه المسلمات أعلناها منذ الإنطلاقة الأولى للقاءاتنا المشتركة وتم نقلها بحرفية نصوص هذه الثوابت المعلنة عبر شاشات التلفزيونات ومقالات الصحف. ( مراجعة التسجيلات التلفزيونية والمقالات الصحفية المنشورة اعتباراً من سنة 2007) .

ثانيا: نوضح مجددا بعدما أكدنا مرارا وتكرار، ان ما يقال عن “صلاة مشتركة”، هو امر مخالف للواقع ومجاف للحقيقة، ونقول بالفم الملآن اننا كمسلمين ومسيحيين لم ولن نسع إلى إقامة صلوات مشتركة أو طقوس دينية مطلقاً باعتبار أن النهي عنها هو من المسلمات الدينية عند المسلمين وعند المسيحيين التي لا مجال البتة للتسامح والنقاش فيها.

ثالثا: ان ما يقال عن صلاة مشتركة ليس إلا دعاء للنفس وللبنانيين مسؤولين ومواطنين بالخير والهداية والرشاد، ولا يتضمن ذلك اي طقوس او شعائر لا إسلامية ولا مسيحية على الإطلاق، وان جل ما في الامر هو التباس في ترجمة النصوص الأصلية المكتوبة في اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية لكلمة “دعاء” حيث أن عبارة prière تفيد معنى الدعاء، وهو نفس المصطلح الذي تستخدمه اللغة العربية والذي أقره القران الكريم لمعنى الصلاة، مثلاً قوله تعالى ( صلّ عليهم فإن صلاتك سكن لهم) بمعنى الدعاء، ولا تعني مطلقا المعنى الشرعي للكلمة، وبالتالي فلا بدعة ولا صلاة مشتركة”.

بعد عدة أشهر على هذا الأخذ والرد وتحديدا في 25 كانون الأول – ديسمبر- ليلة الإحتفال بعيد الميلاد، تم إلقاء قنبلة على سيارتي في ساعات الفجر الأولى، ورغم كل المساعي الأمنية لم يتوصلوا الى معرفة من ألقى هذه القنبلة، ولكن توقيتها يشير الى أن الذين وضعوها أرادوا لفت النظر الى عيد البشارة الذي هو يوم 25 آذار والذي تتبعه فترة حبل السيدة العذراء بتسعة أشهر لتلد ابنها يوم 25 كانون الأول.

 

مريم بنت عمران أم أخت موسى

 

يحتوي القرآن الكريم على سورة خاصة بنسب العذراء مريم وهي ثاني أطول سورة في القرآن “آل عمران”، وقد ذكرت الآية التي شكك بها بعض المسيحيين حين جاء عن مريم بأنها أخت هرون، فقالوا بأن القرآن قد أخطأ بنسب مريم من آل عمران حين ذكر بأنها أخت هرون أي مريم أخت موسى. وبذلك يخلط في نسب مريم ام المسيح مع مريم أخت هارون وموسى وذلك في الآية القرآنية الآتية :

 

{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا(27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} (27،28) سورة مريم

والرد على ذلك من عدة أوجه : منها بأنها قرابة مجازية وهو مألوف في اللغات السامية مثل العربية والعبرية والآرامية : نجد في إنجيل متى 9 : 27 “و فيما يسوع مجتاز من هناك تبعه اعميان يصرخان و يقولان ارحمنا يا ابن داوود” سؤال هل يسوع ابن داود ؟ الأجابة طبعا لا. داوود مات من قبل ميلاد يسوع بعشرات السنين ولكن لماذا نادى هؤلاء يسوع بقول” يا ابن داوود ” ولماذا لم ينكر عليهم قولهم هذا ؟ لا يقصد من هذا النداء في اللغة العربية هو كون داوود هو أب يسوع ولكن هذا من باب التشريف وكون الشخص المنسوب له الإنسان هو شخص ذو مكانة بين قومه فـداوود النبي كان ذو مكانة بين قومه ونجد نفس الشيء في الإسلام. فرسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم قال مرة ( أنا النبي لا كذب أنا بن عبد المطلب ) مع أنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ولكنه ذكر الجد دون الأب.

إذن فالأخوة المذكورة فى الآية هى أخوة مجازية ولم تكن حقيقية بحال من الأحوال، فقد روى عن الحسين بن على رضى الله عنهما أنه كان في لسانه رثة (لدغة ) فقال الرسول ورثها من عمه موسى فهل يأتى أحد ويقول لنا أن موسى هو عم الحسين؟ بالطبع لا، أقوى دليل على أن القرآن لا يعني مريم أخت موسى هو: أن الوصف القرآني دعاها بأنها أخت هرون ولم يقل : يا أخت موسى فلو كانت أختهما لذكر القرآن الأعظم منهما و هو موسى وليس أخيه هرون.

من جهة أخرى فإن إشارة القرآن بأن مريم عليها السلام هي أخت هرون، لأن مريم هي من سبط لاوي من عشيرة ال عمران {عمرام } الذين هم من بيت هارون الذي تؤول الى ذريته خدمة الهيكل.

 

عيسى أو يسوع

 

من المعلوم بأن القرآن الكريم يذكر اسم عيسى للدلالة على نبي الله ورسوله الذي ولد ببشارة الملك جبريل الى السيدة مريم عليها السلام، وقد أقرن القرآن اسم المسيح مع عيسى في عدة مواضع بقوله المسيح عيسى ابن مريم. كما ذكر كلمة المسيح منفردة دون كلمة عيسى. وقد جاءت عدة اعتراضات من الجانب المسيحي لتقول بأن عيسى غير المسيح، وأن المسيح لم يلقب ولم يعرف باسم عيسى.

 

فالاسم ” يسوع ” في أصله العبري هو ” يشوع ” الذي هو أيضاً تصغير ” يهوشع –وهو في أصله العبري مكون من مقطعين ، من كلمتين مندمجتين، هما ” يهوه – الكائن الدائم الوجود الواجب الوجود وعلة كل وجود و ” شُع ” وهو فعل عبري بمعنى “يخلص”، فيسوع يعنى “المخلص”

وعندما ترجم علماء اليهود العهد القديم إلى اللغة اليونانية نقلوا الاسم ” يهوشع ” وتصغيره ” يشوع ” إلى Isou ايسو، وفي حالة الفاعل Isous ايسو، وكذلك فعلت الترجمة القبطية التي حذت حذو العهد الجديد الذي استخدم Isous لكل من الاسم وتصغيره ، وحذت الترجمات العالمية حذو هذه  الترجمة ” ايسوس.” كما كان اسم يسوع في الآرامية المحيطة بالجزيرة العربية يقال له ايسو ويقال عيشو ” باللهجة الآرامية العراقية الشرقية ويبدو أن البعض كان ينطقه ” عيسى “، وهو مألوف في اللغة العربية من ابدال الحروف في كثير من اللهجات فيقال مثلاً عن الشمس شمش ومن ثم نطق بالعربية أيضاً عيسى أو العكس .

وبالتالي فعيسى هو عيشو بالآرامية العراقية وأيسو في اليونانية ويسوع في العربية ويشوع في العبرية والسريانية و Jésus في اللغة الفرنسية.

 

نصرانية أم مسيحية

 

من الكلمات المستخدمة في القرآن للدلالة على الذين آمنوا بالسيد المسيح كلمة النصارى. وقد أشار القرآن اليها ما نصه « فَلَمَّآ أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر قَالَ مَنْ أنصاري إِلَى الله»  بمعنى من ينصرني نصرا تصير غايته إلى الله وحده، و (النصير): هو (من ينصر بجهد وقوة). وكانت الإجابة : ” قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنْصَارُ الله آمَنَّا بالله واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ”. وأما قولهم: « واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» أي خاضعون لله بالمعنى العام لكلمة إسلام. فاللفظ المستخدم في القرآن ليس فيه أي تجريح أو تقليل من المسيحيين بل على العكس تماماً تأكيدٌ على ما تفيده النصرة والمؤازرة للسيد المسيح على اليهود الذين لم يصدقوه وتآمروا عليه الى أن رفعه الله اليه.

الذّمية :

 

الذمية مصدرها اللغوي من الذمة أي العهد، وهي نظام أقره الإسلام استثناء من وثيقة المواطنة التي أقرها في صحيفة المدينة والتي كانت تشترط للدخول بها الزود عن الدولة بالسلاح ودفع الضرائب، فرفض المسيحيون مبدأ القتال فأقرت لهم الشريعة ذلك مقابل دفع الجزية وضمان حماية المسلمين لهم الى درجة أن يقول “ابن حزم” الفقيه الظاهري: “إن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموت دون ذلك صونا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة. الفقه الحديث أنهى الذمية باعتبار انتهائها كعقد تاريخي بين دولة إسلامية والمسيحيين، وقد تطور مفهوم الدولة وأصبح كل المواطنين ملزمون بالدفاع عن الدولة والإنخراط في الجيوش ودفع الضرائب. إضافة الى أن معارك التحرير من الإستعمار الأجنبي شارك بها المسيحيون والمسلمون على حد سواء.

 

المشكلة تتعقد عندما لا يفهم هذا السياق التاريخي الذي كان سائداً في كل أشكال الدول والأمبراطوريات القديمة. فيجب وضع هذا المفهوم الذي كان سائداً في سياقه التاريخي والذي لم يكن حكراً على المسلمين وحدهم. ومن جهة ثانية فإن بعض خبثاء المستشرقين ترجموا كلمة ذِمة بأنها تحقير humiliation ، واشتبه عليهم قصداً أو من غير قصد كلمة ذَمّ بفتح الذال والتي تعني التحقير.

 

بعد هذه الإضاءات على بعض المصطلحات الإشكالية، أتساءل معكم : هل ينبغي وضع قاموس لهذه المصطلحات المتشابكة والمتعارضة ؟ لأكون أكثر توضيحا من حيث المقاربة، أضرب مثلاً عما تقوم به البلديات ومؤسسات التأمين على الكشف الدوري للتأكد من سلامة الغابات والمباني السكنية وجهوزيتها لتأمين الحماية من الحرائق. عندما يندلع حريق رغم هذه الإجراءات  تقوم هذه الجهات بتحديد الأخطاء والمسؤولية وإعادة برمجة آلية الكشف المبكر لتفادي تجدد اندلاعها وللتأكد من الجهوزية السريعة لإطفائها.

 

أردت من هذا المثل لأقول بأن ضحايا الحرائق لا تشكل إلا نسبة ضئيلة جدا مقارنة بضحايا العنف والإرهاب الديني. ومع ذلك لا يوجد أي اهتمام يذكر من قبل الدولة أو المعاهد الدينية والجامعية للكشف عن المناهج الدراسية والنصوص الدينية التي يمكن أن تشعل الأزمات بين أتباع الديانات وتؤدي الى العنف والعنف المضاد في حال انتشارها وتوسع رقعتها.

 

فإذا أخذنا مثلاً ما تقوم به المعاهد والجامعات الدينية حين تبدع في تدريس المواد التخصصية لعلومها الدينية، إنها تضيف اليها علم مقارنة الأديان والحوار الديني، والمدخل الى دراسة العقيدة…الخ، وهي مواد تدخل في خصوصيات الأديان، فيشكل التعرض لها من قبل غير اختصاصيين الى بلورة مفاهيم خاطئة ومعاكسة ومناقضة للدين الآخر. والأمثلة على ذلك كثيرة، ففي إحدى الزيارات المفيدة جداً زارني مجموعة من الطلبة اللاهوتيين في نهاية سنة تخرجهم، وأحببت أن أدفعهم كعادتي الى مصارحتي بكل الأمور السلبية التي لديهم بعد دراستهم للإسلام عن طريق أحد الآباء، ففوجئت بهذا الكم الهائل من الأخطاء التي تراكمت لديهم خلال سنوات دراستهم. وما يقال عن المعاهد اللاهوتية المسيحية يقال أيضاً عن المعاهد الشرعية الإسلامية. من ضمن الحلول لتفادي من انتشار هذه الأخطاء هو ما قامت به الجامعة اليسوعية التي  اعتمدت على التدريس الثنائي للمواد الدينية المقارنة بحيث يدرس كل متخصص ينتمي الى دين معين المواد التي تنبثق عن دينه حصراً، وذلك ضمن حصة تدريس واحدة.

 

يضاف إلى هذه القائمة من المواد القابلة “للإشتعال” أن بعض النصوص الدينية قد تكون مجرحة ومهينة بحق دين معين وقابلة لإثارة الفتن، فتدريسها يحتاج الى تنبيه وحنكة وحسن اختيار وتدبر.

 

وفي السياق نفسه تنضم بعض المفردات الدينية الى قائمة هذه المواد الخطيرة، مثل تسمية المسيحيين بالنصارى وأنهم أهل كتاب وذميين وأن عليهم الجزية وانه عليهم دفعها وهم صاغرون، وتسمية المسلمين بالمحمديين ونعته بصفات سيئة، فيكون من الأجدى ان تقوم المشاريع التطويرية بتجميع هذه المفردات الإستفزازية واستبدالها بمفردات آمنة داخل قاموس واحد وتدريسها على الطلبة في المعاهد الدينية واللاهوتية.

 

ويأتي بعد ذلك وضع النصوص الدينية المثيرة للجدل والأحقاد في سياقها التاريخي، فكثير من هذه النصوص كتبت في أزمنة الفتن والحروب وتكاد تسمع بين أسطرها خفق الرايات ودق الطبول وتناثر غبار ورمال أحصنة المقاتلين وبريق سيوفهم. فهذه النصوص كانت قد كتبت في زمان تسيطر عليه عادات وتقاليد في السياسة والسيادة والتوسع والفتح والإحتلال تختلف عن زماننا الذي أصبحت لدينا قوانين ومنظمات ومحاكم دولية.

 

السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال : وماذا لوقمنا بتدريس مادة ” منهجية إطفاء الحرائق الدينية”، طبعاً ليس بهذه التسمية التبسيطية ولكن بما يعنيه مضمونها من تحديد وتحييد المواد القابلة للإشتعال وضرورة وضعها في أماكن بعيدة عن متناول الناس الذين ليس لديهم خبرة بها، ومن دراسة آلية الوقاية من نشوء الأزمات.

 

ما أقوله عن هذه المواد القابلة للإشتعال أقوله أيضاً عن الأشخاص الذين ينخرطون للدراسة في هذه المعاهد الدينية من ضرورة التنبه لاختيارهم وذلك بإخضاعهم إلى تحليل نفسي كشرط لقبولهم في الدراسة. في خبر تداولته وسائل الأعلام الفرنسية في العام المنصرم 2019 اكتشفت الشرطة أن مشعلي النار في منطقة Meuse هم ثلاثة رجال إطفاء. وكذلك الأمر فإن بعض مشعلي الفتن الدينية هم من رجال الدين، والأمثلة كثيرة جداً في جميع الديانات ويكفي أن نذكر ما قام به الحاخام مائير كاهانا مؤسس حركة كاخ الإرهابية ومسؤوليته في مجزرة الحرم الإبراهيمي، ومؤخراً حملة الكاهن البوذي ويراثو ضد مسلمي بورما.

من هذا المنطلق أناشدكم جميعاً وأتمنى استجابتكم أو استجابة بعض من يعنيهم هذا الإقتراح لتكوين فريق عمل متخصص في البحث عن كل هذه المفردات “القابلة للإشتعال” ووضعها في قاموس يوضع في تصرف المهتمين بالدراسات الدينية المقارنة وبالحوار الإسلامي المسيحي.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare