المناقلات القضائية حينما تكون رغبة في الإنتقام والإقصاء – أيلول 2012
المناقلات القضائية حينما تكون رغبة في الإنتقام والإقصاء
بعد استكمال إجراءات التشكيلات والمناقلات، جاءني من بشرني بخبر انتقالي إلى مكان بعيد عن بيروت يقع فيما وراء هذا الجبل الشامخ المطل على سهل البقاع. بشارة أشبه ما تكون بما ذكره القرآن الكريم عندما كان العرب في الجاهلية يبشرون بولادة الأنثى، حيث يقول القرآن الكريم : ” وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُون”. مع مفارقة هامة أن الذي بشرني بالخبر هو الذي كان مكتئباً وحزيناً- ولست أنا- لاعتقاده بأن ما سينقله لي من نبأ سوف يحزنني ويكدر صفو عيشي. ذكرتني هذه الحادثة (مع فارق في التشبيه والمشبه بهم ) بموقف الصحابة حين وقفوا مترددين لا يدرون ما سوف يقولونه للنبي محمد صلى الله عليه وسلم عندما رزقه الله ابنته فاطمة رضي الله عنها، فبينما هم في هذا التخبط والتكدر لاحظ النبي ذلك فنهرهم وأمسك بفاطمة وضمها إليه وقال : “إنها ريحانة أشمها ورزقها على الله”. لم أتردد في الشعور ولا أدنى لحظة عندما سمعت خبر تلك المناقلات التي لم تفاجئني البتة من أن أقول : “أنه وسام أعلقه على صدري وأمري إلى الله”.
إن اعتبرته وسامٌ أعلقه على صدري فلأني عدت بتفكيري إلى سنوات قليلة خلَت، حين استجابت الحكومة للمساعي التي قمت بها ووجهتها إلى أميني هيئة الحوار الإسلامي المسيحي لجعل يوم الخامس والعشرين من شهر آذار يوم لقاء إسلامي ومسيحي حول السيدة مريم عليها السلام، ويوم عيد وطني جامع لكل اللبنانيين ويوم عطلة رسمية، إذ ترافق ذلك بسيل من الغضب والتحريض من نفس الجهة الراعية لهذه المناقلات دفعتني الى طلب نقلي لأول مرة من ملاك الفئة الأولى الذي كنت أشغله منذ اثنتي عشرة سنة إلى وظيفة أخرى في الملاك العام، أحسست يومها بأن هذا الهجوم الذي لا مبرر له الا حثي على ترك هذه الوظيفة، هو وسام أعلقه على صدري.لم أنتظر حينها طويلاً حتى شاء الله أن أكرَّم من أكبر مؤسسة في العالم، إذ تم اختياري مع ناجي خوري من بين ستين شخصية عالمية ينتمون الى ستين دولة لمنحنا باحتفال ضخم جرى في إحدى الدول الأوروبية جائزة الأمين العام المساعد للأمم المتحدة سيرجيو فيرا ده مللو لعام 2010 “اعترافاً بالخدمات التي قمنا بتقديمها في سبيل تفعيل العيش السلمي والتعاون بين الأديان والمجتمعات والثقافات.”
بالتزامن مع مساعي تكريس عيد بشارة السيدة مريم عيداً وطنياً جامعاً لكل اللبنانيين، كتبت مقالا في حينها باللغة الفرنسية نشر في اللوريون لوجور بعنوان “رسالة مفتوحة إلى ابن عمي اليهودي” وهو مقال تهجمت فيه – بأسلوب غير مألوف لبعض القراء العرب – على السياسة والنفسية الإسرائيلية، وبأسلوب يدفع الذي يقرأ عنوانه إلى قراءة محتواه وليس الى التوقف على كلماته الأولى. في حينها لم أسلم من الهجوم من الأبواق الصهيونية في الخارج ومن نفس المسؤول الراعي لهذه المناقلات في الداخل، الذي اتهمني بأفظع الإتهامات مؤكداً بتوقيعه على قرار نقلي إلى الملاك الآخر. واضطررت حينها إلى ترجمة المقال الى اللغة العربية ونشرته في جريدة اللواء رحمة بالذين لا يدركون مفردات اللغة الأجنبية كي لا يتخبطوا بمشاكل ترجمته من اللغة الفرنسية ويفهموا ما يريدون فهمه هم وحدهم دون سائر البشر. وهنا أيضاً لم يطل إنتظاري لأكثر من أيام معدودة حتى كرمتني الصحافة الاوروبية بما لم أكن أتوقعه فأعيد طبع المقال ونشر كاملاً في أكثر من صحيفة أجنبية وتمت ترجمته الى عدة لغات مع المطالبة بتدريسه في مدارس فرنسا بل وحفظ مقاطع منه عن ظهر قلب بدلاً من رسالة “غي موكييه” الشهيرة التي تدرس في المناهج الرسمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وحمل هذا المقال في الصحف الأوروبية صفتي الوظيفية التي كنت أشغلها في حينها، رافعاً بذلك عالياً إسم المؤسسة التي تخلى القائم عليها عني وتخليت عنه. وما زلت الى الآن أتلقى رسائل من إنحاء مختلفة من العالم تستأذنني بإعادة طباعة هذا المقال ونشره في المدارس والمؤسسات الأكاديمية والجمعيات الوطنية. وهذا ما أكد صدق شعوري بأن هذا الهجوم ما هو إلا وسام آخر أعلقه على صدري، وأنني لن أسلم من خطر المناقلات والإفتراءات حاضراً ومستقبلاً.
منذ شهرين كتبت مقالاً نشرته جريدة اللواء بعنوان ” محاسبة المرجعية الدينية العليا للمسلمين في الشريعة وفي الدولة العثمانية” أردته أن يكون بحثاً أكاديمياً صرفاً وليس له أي علاقة بما يدور في لبنان من أحداث متعلقة بهذا الموضوع. رغم هذا التوضيح تنامى إلى سمعي عبارات الغضب والتهديد من قبل المسؤول الراعي لهذه المناقلات الذي لم يرق له مجرد الكتابة ولو كانت أكاديمية بهذا العنوان. وهنا أيضاً قامت صحف أخرى بنشره كاملاً، واتصل بي باحثون مهتمون بالكتابة بهذا الموضوع حتى يكون عنواناً لأطروحاتهم لنيل درجة الدكتوراة. من هنا كانت عدم دهشتي لخبر نقلي الى مكان بعيد فيما وراء جبلنا الشامخ، خبر في الحقيقة أسرني وأضحكني فهو وسام آخر أضعه على صدري، وسام عنوانه عدم السكوت عن قول كلمة الحق مهما كان الثمن باهظاً.
رحم الله عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه كان يقول: ( رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي ) وكان يسأل سلمان الفارسي عن عيوبه، فلما قدم إليه قال: ما الذي بلغك عني مما تكرهه. قال: أعفني يا أمير المؤمنين فألح عليه، فقال: بلغني أنك جمعت بين إدامين على مائدة وأن لك حلتين حلة بالنهار وحلة بالليل. قال: وهل بلغك غير هذا ؟ قال: لا، قال: أما هذان فقد كفيتهما. إدامين من الأكل و حلتين أستكثرهما سلمان على خليفة المسلمين الذي في عهده فتحت أقاصي البلاد الإسلامية، فلو كان سلمان بيننا ماذا سيكون موقفه في مسألة واحدة فقط من المسائل التي تتخبط بها مؤسستنا هذه والتي تتعلق في فضائح المال العام دون التطرق الى باقي المواضيع… لا أنسى وأنا أقدم هذه النصيحة بأن عمر ابن الخطاب هو أول من أرسى في قواعد الحكم والمسؤولية قاعدة : من أين لك هذا ؟!