العبرة لمن دعي إلى تولي المناصب العليا
العبرة لمن دعي إلى تولي المناصب العليا مستمدة من موقف جاك ديلور المرشح الأقوى في انتخابات الرئاسة الفرنسية عن الحزب الإشتراكي والذي تنازل عنها سنة 1995 بعد أن تردد بين قبول المسؤولية والتنازل عنها
إن حالة جاك ديلور تطرح سؤالاً يتجاوز بكثير مسألة الطموح السياسي، لتصل إلى جوهر العلاقة بين الإنسان والسلطة والمسؤولية: هل ينبغي للمرء أن يقبل منصباً لأنه قادر على الوصول إليه، أم لا ينبغي أن يقبله إلا إذا كان مقتنعاً بأنه قادر على أداء رسالته فيه على نحو يحقق الخير العام؟
لقد كان ديلور، في تلك المرحلة، يتمتع بوضع استثنائي. وكانت استطلاعات الرأي تمنحه موقعاً متقدماً جداً، وكان يبدو قادراً على تحقيق نتيجة انتخابية قوية. ومع ذلك، اختار أن ينسحب من السباق الرئاسي. ومن هنا تكمن أهمية قراره: فقد أثبت أن امتلاك فرصة الوصول إلى السلطة لا يعني بالضرورة أن قبول السلطة هو القرار الصحيح.
ينبغي هنا التمييز بين نوعين من التراجع: التراجع الناجم عن الخوف، والتراجع الناجم عن البصيرة.
فالإنسان قد يرفض مسؤولية كبيرة لأنه يخشى الفشل أو النقد أو الضغوط أو تبعات القرار، وفي هذه الحالة قد يكون الرفض مجرد هروب من المسؤولية. وقد يكون المطلوب منه، على العكس، أن يتحلى بالشجاعة وأن يقبل التحدي.
لكن هناك نوعاً آخر من الرفض، هو الرفض القائم على وعي عميق بالمسؤولية. وهذا هو الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في حالة ديلور. فالإنسان العاقل لا يسأل فقط: «هل أستطيع أن أصل إلى هذا المنصب؟» وإنما يسأل السؤال الأهم:
«هل أستطيع أن أؤدي هذه المسؤولية على الوجه الذي يخدم الناس والمصلحة العامة؟» وهنا تظهر قاعدة بالغة الأهمية:
القدرة على الحصول على المنصب ليست في حد ذاتها سبباً كافياً لقبوله. بل إن الإنسان قد يبلغ من القوة والكفاءة والمكانة ما يجعله قادراً على الوصول إلى منصب كبير، ثم يكتشف، بعد التأمل، أن قبوله قد لا يكون في مصلحة القضية التي يؤمن بها، أو أن شخصاً آخر قد يكون أقدر منه على أداء هذه المهمة. وفي هذه الحالة، قد يصبح التنازل عن المنصب ضرباً من ضروب الحكمة، لا علامة على الضعف.
ولكن ينبغي الحذر من الطرف المقابل أيضاً. فقد يتحول التواضع إلى تهرّب، وقد يتحول الزهد في السلطة إلى تقصير في أداء الواجب. فإذا كان الإنسان هو الأقدر فعلاً على تحمل المسؤولية، وكان رفضه سيؤدي إلى أن يتولاها شخص أقل كفاءة، فقد يصبح الرفض نفسه موقفاً غير مسؤول. لذلك، عندما تُعرض على الإنسان وظيفة أو مسؤولية مهمة، لا ينبغي أن يكون السؤال الأول: «ماذا سيمنحني هذا المنصب؟» بل ينبغي أن يكون: «ماذا أستطيع أن أقدّم من خلاله؟» ثم ينبغي أن يسأل نفسه سؤالاً أكثر عمقاً: «إذا رفضت، فهل يوجد من يستطيع أن يؤدي هذه المهمة بصورة أفضل مني؟»
وهذا السؤال بالغ الأهمية، لأنه ينقل الإنسان من التفكير في مصلحته الشخصية إلى التفكير في المصلحة العامة.
كما ينبغي عليه أن يسأل نفسه: هل أرغب في هذا المنصب لأنني أريد خدمة الناس، أم لأنني أريد المكانة والاعتراف والتقدير؟ فإذا كان المنصب سيشبع الطموح الشخصي أكثر مما سيحقق النفع العام، فإن الحذر يصبح واجباً. ومن أجمل الأسئلة التي يمكن للإنسان أن يطرحها على نفسه: «لو لم يكن أحد يعرف اسمي، ولو لم يكن لهذا المنصب أي بريق أو وجاهة أو شهرة، فهل كنت سأقبله مع ذلك؟» إن الإجابة الصادقة عن هذا السؤال تكشف كثيراً من دوافع النفس، وتساعد على التمييز بين الرغبة في خدمة الآخرين والرغبة في أن يكون الإنسان موضع إعجابهم وتقديرهم.
وهناك أيضاً سؤال آخر بالغ الأهمية: «بعد عشر سنوات، أيهما سأندم عليه أكثر: أنني قبلت هذا المنصب أم أنني رفضته؟» غير أن الندم اللاحق لا يعني بالضرورة أن القرار كان خاطئاً. فقد يتخذ الإنسان قراراً نزيهاً وعاقلاً وشجاعاً، ثم يشعر بعد سنوات بشيء من الندم أو يتساءل: «ماذا لو أنني قبلت؟» وهذا أمر طبيعي. فالقرار الصحيح ليس بالضرورة القرار الذي يخلو من الندم، وإنما هو القرار الذي اتُخذ في حينه بناءً على أفضل ما كان متاحاً من وعي ومعرفة وضمير. ومن هنا يمكن أن نفهم درساً مهماً من تجربة ديلور: ليست العظمة في أن يكون الإنسان قادراً دائماً على الوصول إلى السلطة، وإنما قد تكون العظمة أحياناً في أن يمتلك الشجاعة الكافية ليقول «لا» عندما يرى أن «نعم» ليست في مصلحة القضية التي يؤمن بها.
وفي المقابل، قد تكون العظمة في أن يقول «نعم» عندما تكون المسؤولية واجباً، حتى لو كانت ثقيلة، وحتى لو كان الإنسان لا يبحث عنها. ومن منظور أخلاقي وروحي، يمكن النظر إلى المناصب الكبرى لا باعتبارها تشريفاً، بل باعتبارها تكليفاً وأمانة. فالمنصب ليس ملكاً لصاحبه، وإنما هو مسؤولية مؤقتة يُحاسب الإنسان على كيفية أدائها.
ولهذا يمكن للإنسان أن يقول لنفسه عند عرض مسؤولية كبيرة عليه: «إنني لا أطلب هذا المنصب لذاته، ولا أسعى من خلاله إلى تعظيم نفسي؛ ولكن إذا كان قبولي له سيتيح لي أن أحقق خيراً عاماً، وإذا كنت قادراً على أداء هذه المسؤولية بأمانة وكفاءة، فسأقبلها وأتحمل تبعاتها.» وبالمقابل، يمكنه أن يقول: «إنني قادر على الوصول إلى هذا المنصب، لكنني لست مقتنعاً بأن قبوله سيكون أفضل للمصلحة العامة، ولذلك فإن التنازل عنه قد يكون أكثر مسؤولية من السعي إليه.» إذن، ليست المسألة في النهاية هي: هل نقبل المنصب أم نرفضه؟ وإنما السؤال الأعمق هو: لماذا نقبله، ولماذا نرفضه؟
فإذا كان القبول نابعاً من حب السلطة والجاه، كان الأمر مدعاة للحذر. وإذا كان الرفض نابعاً من الخوف والتهرب، كان أيضاً مدعاة للحذر. أما إذا كان القبول أو الرفض نابعاً من دراسة صادقة للقدرة والظروف والمصلحة العامة، فقد يكون كلاهما موقفاً نبيلاً ومسؤولاً.
ولذلك، عندما يُستدعى الإنسان إلى وظيفة أو مسؤولية مهمة، ينبغي أن يطرح على نفسه أسئلة واضحة: لماذا اختيرتُ لهذه المسؤولية؟ هل أملك الكفاءة الحقيقية لتحملها؟ هل أستطيع أن أحقق من خلالها أثراً نافعاً ودائماً؟ ما حجم التضحيات التي ستطلبها مني؟ هل أستطيع أن أحافظ على استقلالي وقناعاتي؟ هل يوجد شخص آخر يمكنه أداء المهمة بصورة أفضل مني؟ إذا قبلت، هل سأكون قادراً على خدمة المصلحة العامة، أم سأصبح أسيراً للمنصب نفسه؟
والسؤال الأهم ربما هو: إذا رفضت، فمن سيأتي بعدي؟ وإذا قبلت، ماذا سيحدث بسبب قبولي؟ إن الإنسان الناضج لا ينظر إلى المنصب باعتباره مكسباً شخصياً، بل باعتباره أمانة. ولذلك قد يكون قبول المنصب شجاعة، وقد يكون رفضه شجاعة أيضاً. وقد يكون التنازل عنه حكمة، وقد يكون قبوله حكمة، بحسب الظروف والغاية والنتائج.
وهذه، في تقديري، هي القيمة الحقيقية في تجربة جاك ديلور: أن الإنسان لا ينبغي أن يقيس نجاحه بعدد المناصب التي استطاع الوصول إليها، ولا بعدد السلطات التي تمكن من امتلاكها، وإنما بقدرته على معرفة متى يقول «نعم» ومتى يقول «لا»، ولماذا يقول هذه أو تلك. فالقوة الحقيقية ليست فقط في القدرة على الوصول إلى السلطة، وإنما في امتلاك الحرية الداخلية التي تجعل الإنسان قادراً على أن يقبلها عندما تكون واجباً، وأن يرفضها عندما يكون الرفض أكثر وفاءً للمبدأ والمصلحة العامة.
وفي نهاية المطاف، قد يكون أسمى أشكال المسؤولية أن يعرف الإنسان أن المنصب ليس غاية في ذاته، وأن قيمة الإنسان لا ترتفع بما يحتله من موقع، وإنما بما يقدمه للناس من خير، وبمدى أمانته عندما توضع بين يديه سلطة أو مسؤولية.