مدونة

في ليلة زخ أمطار النجوم

nuit étoilé
Pensées et Articles / مدونتي

في ليلة زخ أمطار النجوم

عودة إلى ذكريات الطفولة في ليلة زخ أمطار النجوم في منتصف شهر آب من كل سنة

الساعة تجاوزت الثانية عشر ليلاً قبل يوم أمس في منطقتنا الريفية الفرنسية حين ابتدأ زخ مطر النجوم يتساقط من السماء بسرعة خيالية في كل الإتجهات. نفس هذا الإحساس بالرهبة أعادني إلى سن الطفولة وأنا في سن التاسعة أو أقل، حينما قررنا الذهاب الى قرية جدي لأمي على بعد “رمية حجر” من الحدود السورية التركية. أخبرني أولاد خالتي بأن جدي يخيم خلال فصل الصيف في حقل البطيخ البعيد عن منازل القرية، وأنه ما أن يصل إلى موقعه حتى يقوم بنصب خيمته، ويلقي بساط نومه المصنوع من القش على ارضها الحمراء كصلصال الفخار ويعلق على مدخلها زوادته، ويشعل ناره ويضع عليها أنيس وحدته ابريق الشاي.

عندما وصلنا اليه على راكبة دواب ممشوقة أطل علينا جدي بنحالة جسمه وارتفاع عوده وسمار وجهه وكلماته الترحيبية التي يرددها كهول تلك المنطقة “أبوووو أبوووو”. دعاني الى الجلوس بقربه تحت ظل شجرة، وسرعان ما أمسك بيديه علبة “التتن” الفضية وبحركات طقوسية لفّ سيجارته النحيفة، ليشعرني باطمئنان أنه هو الذي سبق أن زارنا في منزلنا في بيروت حين وقفت أمامه في حينها ثاغر الفاه أراقب تدخينه سيجارة “التتن”، وما هي لحظات حتى أشعل “بابور الكاز” لتحضير الشاي العنبري المذاق وتقديمه لي وللزائرين من أفراد العائلة. في حضن تلك الطبيعة شعرت بدفء الأرض لأول مرة، وبنقاء الهواء الذي أدفأته شمس آب، وبعبق رائحة التربة المروية، لم أكن لأسمع الا صوت الطيور وحفيف الأشجار وخرير ماء النبع المجاور ونقيق الشقرّق (الضفدع) . فتحت زوادتي التي أعدّتها خالتي لنا، فوجدت بها سلطة الخيار والبندورة والفليفلة الحمراء، وفي الطبق الآخر البرغل المطهي بالبصل والبندورة…. إضافة إلى اليبرق (الورق عنب المحشي). بعد هجعة خفيفة وقد لاحت الشمس نحو المغيب، سمعت صوت ناي احد الرعاة في المقلب الآخر من حوش جدي، يتقاذفه الأثير فيقوى أنينه تارة ثم يعود إلى الإنحسار.. ليعود مرة أخرى ليسمعك شكواه وربما حنينه إلى حبيبة عشقها فتركته لتتزوج بآخر.

 تأخرت بنا العودة الى بيت خالتي وخشيت المغادرة في ذلك المساء متذرعاً وربما مرتجفاً مذعوراً من قصص ما كانت ترويه لنا خالتي من قصص حقيقية على حسب زعمها عن أشباح يظهرون ويختفون، مثل الحكاية التي يتناقلها سكان القرية عن وجود طيف شيخ متوشح بثياب بيضاء يتوضأ في كل صلاة فجر في مسجد في معرّة النعمان ثم يختفي.  فقررت النوم في ضيافة الطبيعة عند جدي. ما إن هجع الليل حتى طلبت من جدي النوم على باب الخيمة بتدبير غيبي عرفته فيما بعد، لم يكن صوت الناي قد تلاشى بعد، ولم يكن أنينه يعزف وحيدا في سيمفونية تلك الليلة الخالدة فلقد كان يتداخل معه صوت السكون الكوني الصامت.

 لم يكن جدي ليعلم بأن ما سيحصل لي في تلك الليلة التي آثرت فيها النوم خارج الخيمة لا يغطيني الا “لحاف” سماء هذا الشرق الساحر سيكون منعطفاً أساسيا في حياتي. فلقد كان القدر بانتظاري يوضب احداث تلك الليلة بإحكام وحسن تدبير مما سيكون له الأثر على تغيير مجرى حياتي حيث كنت على مشارف نهاية فترة دراستي الابتدائية المقاصدية.

 في بداية المشهد في أحضان الطبيعة ترتفع ستارة المسرح فأراني مستلقياً على بساط القش المفروش بقرب الخيمة لأستسلم للنوم، فإذا بي حين نظرت الى السماء صرخت بصوت صامت ولكنه مدوي مخنوق مرتجف مذعور لهول ما رأيته : ملايين النجوم والمجرات المتلألئة المضيئة لا يقطع صفو سكونها الا بعض النجوم التي ما تكاد تظهر في الأفق حتى تختفي سريعاً تاركة وراءها أذناباً مضيئة، شهب تتساقط كأنها زخات مطر خريفية… مشهد فلكي متنقل يحبو حبواً بتناغم وانتظام دون تصادم ولا التحام، ولا صراخ وعويل على افضلية المرور او مخالفة في ارتياد اتجاه معاكس محظور… مشهد مهيب أراه للمرة الأولى كصبي عاش في بيروت ولم يعتد في لياليها رفع نظره الى السماء خشية أن يعد نجومها القليلة فتنبت على يده “تواليل” جلدية كما كان يشاع. راودتني خلالها عشرات الأسئلة المتلاحقة، فما كانت تنتهي الا وتتبعها عشرات الأسئلة الأخرى، ولكنها جميعاً كانت تصب في هذا السؤال الأبدي الذي ما يزال يحير العلماء : كيف تكوّن هذا العالم ؟ ومن خلقه ؟ على ناصية كل سؤال كنت أقف مفكراً ثم أتشوق محتاراً لمعرفة الجواب. كيف السبيل الى ذلك ؟ هل ابدي اهتماماً لدراسة الافلاك والمجرات ؟ أم أنحو الى دراسة الفلسفة ؟ واذا كان الدين هو الذي  يمتلك الأجوبة على كل ما اثيره من استفسارات وتساؤلات؟ هذا الصراخ المخنوق أسمع صداه كدوي الرعد القوي المرجف عند رؤيتي لهذا المنظر الكوني سواء كنت مفترشاً رمال صحراء جردية قاحلة أو مستلقياً على سندس أرض خضراء ريفية بعيدة عن ضوضاء وأنوار المدينة، فلا أجدني إلا مهللاً مسبحاً مكبراً بعظمة الخالق الذي اتقن كل شيء صنعا.

سؤال لطالما حملته معي في ترحالي وسفري واقامتي في اوطاني وغربتي، حملت معي هذه الأمنية طوال حياتي وما زلت احملها واحلمها ساهراً في أعالي مرتفعات تشيلي حيث مراصد الافلاك والمجرات فتراني مستلقياً في غياهب الليالي المكفهرة بالظلام، انظر من خلال التلسكوب الى الفضاء اللامتناهي. ولكني في تلك الليلة الطفولية قررت ان أربط نفسي بقسم غليظ أعاهد نفسي فيه على سبر غور المعرفة لكشف أسرار هذا الكون، فقررت أن يكون ذلك دافعاً لي في كل مراحلي الدراسية التي قررت مواصلتها الى حين معرفة كافة هذه الأجوبة الكونية.

 هذا القَسَم ما زال تربطني به هذه الرغبة الجامحة التي لم تنطفئ عبر هذه السنين… أمنّي نفسي بأنني سأعود يوماً الى خيمة جدي وانفض عنها التراب واشعل بابور الكاز واضع عليه الشاي العقيقي واسمع صوت انين ناي ذلك الراعي الذي يشكو هجر حبيبته يخفت ويعلو ويشكو ثم يختفي ليعود من جديد… سأعود والتحف السماء وانظر الى بلايين النجوم المضيئة والشهب المتنقلة… واطيل النظر اليها حتى ساعات الفجرالأولى .. الى حين سماعي خرير المياه الذي ينسكب على يديْ جدي من اجل الوضوء والتحضر لصلاة الفجر…ولكن هذه الليلة ستكون خالية من كل أنواع الأسئلة…إلا عن سؤال من خلق هذا الكون الرحيب….فهو الله تعالى الخالق المبدع المصور.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare