مدونة

تكريم الطفولة

طفولة
مؤتمرات / مدونتي

تكريم الطفولة

بسم الله الرحمن الرحيم

شرفني صاحبا الدعوة بإلقاء هذه الكلمة بمناسبة صدورالكتاب الذي نحتفل بتوقيعه هذا المساء ، وإني إذ ألبي هذه الدعوة الكريمة أثني على هذا الجهد الكبير وهذه الموضوعية التي أضفاها المؤلفان على هذا البحث القيم ، وهذا الإختيار الموفق للموضوع. فالطفولة هي البوابة التي نعبر بها إلى المستقبل ، واللبنة التي يؤسس عليها المجتمع ، وفي احترامها وإكرامها وحفظ حقوقها صون للمجتمع من العبث والفساد والتعلق بالقشور الخداعة على حساب القيم والأخلاق والمبادئ السامية.

ولإن كان من منظورنا الإيماني نعتبر الكتاب الهادف والرصين مما لا ينقطع ثوابه ولا يتوقف نفعه على حياة مؤلفه ، نظراً لاستمرارية اطّلاع الناس عليه وعموم فائدته عبر الأجيال ، ولما يحتويه أيضاً من علم نافع جُمع بين دفتي غلافه ، فإن الفائدة المرجوة لهذا الكتاب الذي نحتفل بتوقيعه قد تكون أكثر شموليةً وأعم فائدةً لما يحمله الكتاب من معاني المشاركة في التأليف والموضوع . فأما التأليف فجاء مشتركاً بين متخصّصَيْن ينتميان إلى ديانتين سماويتين انطلق كل واحدٍ منهما في التأليف من واقع إيمانهما ، ولعل ما لفت نظري منذ الصفحة الأولى للكتاب ما ورد في الإهداء فقد جاء جامعاً لأبناء المؤلفيْن دون تمييز أو تفريق أو تخصيص. وأما الموضوع فقد جاء مشتركاً لمواقف المسيحية والإسلام فيما يخص حقوق الطفل مع مقارنته مع اتفاقية الأمم المتحدة ، ولاشك فإن النقاط المشتركة في المبادىء العامة لموقف الإسلام والمسيحية لخير دليل على أن مصدر هاتين الديانتين السماويتين هو الإيمان بالله الخالق الرحيم بعباده ، وقد جاء في الحديث النبوي الشريف : ” الله أرحم بعباده من هذه (أي الأم) بولدها”.

    واستطراداً فإن نظرة الإسلام لحقوق الطفل تنبع أساساً من نظرته لكرامة الطفل بل ولكرامة الإنسان . فالإنسان يعتبر من أفضل المخلوقات في هذا الكون وقد أوكل الله إليه مهمة إعمار هذه الأرض , فهو سيدها بلا منازع من أجله خلق كل شئ مادي و هو أكرم من كل قيمة مادية فلا يجوز أن يعتدى على أي مقوم من مقومات إنسانيته الكريمة ولا أن تهدر أية قيمة من قيمه  سواء المادية منها أو المعنوية . هذه النظرة  الإسلامية بل والمسيحية  ايضاً تتلائم مع الحكمة من خلق الإنسان ينشأ عنها احترام مقوماته والمحافظة عليها وصيانتها من كل ما من شأنه أن يمس بسؤ جسده أو نفسه أو عقله أوتفكيره. هذه النظرة تنسجم أيضاً مع كرامة الإنسان التي اختصه الله بها على سائر المخلوقات . جاء في القرآن الكريم : ) وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (

            ولا ريب في أن الإسلام كرم الطفولة حين أقسم الله بها في القرآن الكريم إجلالاً لها وإعلاءً من شأنها فقال : ) لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ  ( ، وكرم الله الطفولة بأن جعلها محلاً لدعاء الأنبياء والرسل والصالحين ، فقال تعالى : ) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ( والذرية هي التي تتمثل فيها الطفولة أول أمرها . وكذلك من مظاهر إكرام الطفولة أن جعلها زينة للحياة يرى فيها الأب والأم تجديداً لحياتهما وامتداداً لصباهما فنجد القرآن الكريم يقول :

 ) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ( وقد اعتبرها رسول الله في أكثر من موضع رائحة من روائح الجنة فقال : ” ريح الولد من ريح الجنة ” والأولاد من ريحان الله” ، ولما بشر رسول الله بابنته فاطمة قال “ريحانة أشمها

      ويمتد تكريم الإسلام للطفولة بأن حذر من الإعتداء على الأولاد وبشكل أخص على البنات ونهى بشكل قاطع ما كان يفعله بعض الأهل في الجاهلية وقبل الإسلام من قتل الأولاد بسبب الفقر وقتل البنات مخافة العار والفضيحة ، فجاء في القرآن الكريم :  ) وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ( وقال أيضاً ) وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ( .

      كما حذر الإسلام من الإعتداء على أطفال الغير بأي شكل من أشكال الإعتداء حتى لاتقيض له الأقدار يوماً من يعتدي على أولاده بعد وفاته ، فجاء في القرآن الكريم : )وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا ً(

      ومن تكريم الإسلام للطفولة وحرصه على رعايتها وصيانتها أنه ينبه الناس إلى عدم الإقتصار على تكريم أطفالهم والإعتناء بهم ، بل حثهم على ان يشمل هذا التكريم والإعتناء بأطفال غيرهم وبخاصة من من كان منهم يتيماً أو صاحب إعاقة لا يجد حصناً ولا درعاً ولا رعاية ، فليس من صفات المؤمن أن يهتم الإنسان بأطفاله لأنه قادر على إسعادهم ثم يترك أطفال غيره الذين يتموا وشردوا أو حرموا من نعمة البصر أو العقل أو الكلام فلم يجدوا عائلاً ولا موئلاً ولا معيناً . ومن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى .

      من هذا المنطلق كانت رعاية الإسلام للطفولة شاملة لجميع المراحل التي يمر بها الطفل فلم تترك مرحلة من مراحل الطفولة دون رعاية وتكريم بل اتسع اهتمام الإسلام وشمل فترة ما قبل الولادة حيث طالب الزوج بحسن اختيار زوجته وطالب الزوجة بحسن اختيار زوجها ، فقد ورد في الحديث الشريف قول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم : ” تخيروا لنُطَفِكُم فإن العِرق دساس” ،  وامتد بعد ذلك هذا التكريم إلى مرحلة الحمل فطالب الزوجان بأن تكون علاقتهما قائمة على المودة والحب والبعد عن الشقاق والخلافات لما يولده هذا الأمر من تأثيرات إيجابية أو سلبية على الجنين ، فقال رسول الله في هذا المجال : ” الشقي من شقى في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره ”  ولا ننسى في هذا المجال حرمة الإجهاض وقتل الجنين إلا في الحالات المشروعة التي تهدد حياة الزوجة أو لم يكن فيه الجنين مكتملاً .

ومن مظاهر إكرام الطفل بعد الولادة أن أعطاه حقوقاً كثيرة متنوعة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر :

  1. حقه في الإنتماء إلى شخص يرعاه ويحميه وهو ما يعرف في الفقه الإسلامي بثبوت النسب
  2. حقه في اختيار اسم مناسب له يدعى به ولا يعرضه للإستهزاء والسخرية من الغير ، إذ جاء عن الرسول قوله : ” من ولد له ولد فليحسن إسمه وأدبه”
  3. حقه في الرعاية والحماية ويتمثل ذلك في الحضانة وأحقية أمه في حضانته ولو كان الأب مسلماً والأم غير مسلمة .

  1. حقه في الإحسان إليه وتكريمه وإظهار المحبة والتقدير له ومدحه على ما ينجزه من أعمال وعدم تسفيه أقواله وأعماله وتكليفه بما لا يطاق، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رحم الله والداً أعان ولده على بره … يقبل ميسوره ويتجاوز عن معسوره ولا يرهقه ولا يخرق به
  2. حقه في الحنان وتقبيله وقد قال رسول الله أكثروا من قبلة أولادكم وفي حديث آخر من قبل ولده كان له حسنة ومن فرحه فرحه الله يوم القيامة ، وكان يقبل رسول الله أولاده وأولاد بناته الحسن والحسين ويقول هذان ريحنتاي من الدنيا.
  3. حقه في المساواة مع إخوته ، فلا يميز الأهل بين البنت والصبي ولا بين ألأول والوسط والأخير، ولا بين الجميل والأقل جمالاً ولا بين الذكي والأقل ذكاءً ولا بين صحيح الجسم ومعتل الجسم وهذا يتساوى في تقديم القبلات والهدايا والثناء والأ لعاب والمأكل ، فقد قال رسول الله : “ساووا بين أولادكم في العطية” وقال ايضاً إن الله تعالى يحب أن تعدلوا بين أولادكم حتى في القبل”
  4. حقه في اللعب بل ومشاركة الأهل له في اللعب وعدم ردعه في القيام بذلك واتخاذه صديقاً لهم فقد ورد عن رسول الله قوله : ” من كان عنده صبي فليتصاب له ” كما كان أبنا بنته الحسن والحسين يركبان ظهره فيقول لهما الرسول نعم الجمل جملكما ، وكانا يصعدان على ظهره أثناء سجوده في الصلاة فلا يرفع رأسه مخافة أن يقعا حتى ينزلان من تلقاء أنفسهما
  5. ومن حقوق الطفولة في مرحلة الصبا هو إعدادهم ليكونوا راشدين ناضجين مهيئين لتحمل المسؤولية فيواصل الأهل تعليمهم ويحثوهم على الطاعات ومكارم الأخلاق ويعودوهم على التصدق على الفقراء ومحبة الغير ومراقبتهم في صحبتهم وتصرفاتهم وردعهم عن الإنحراف وإبعادهم عن الشبهات والأماكن الموبوقة وربطهم بالقدوة الصالحة المتمثلة في حاجتهم لبناء شخصيتهم في تصور مثل أعلى يقتدون به ويقلدونه خلال هذه الفترة من فترات حياتهم .

وأختم كلمتي بأن أتمنى أن يكون هذا الكتاب بداية تعاون بين المؤلفيْن في مواضيع أخرى ، وقدوة لغيرهما في اتباع هذا المنهج المتكامل الذي يحمل شعاره  لبنان ، لبنان الرسالة والشراكة بين المسلم والمسيحي . بارك الله لكما في هذا الكتاب ووفقكما إلى ما يحبه ويرضاه .

آمين

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare