. قراءة في كتاب الإسلام وأصول الحكم لمؤلفه الشيخ علي عبد الرازق مع رد السنهوري
. قراءة في كتاب الإسلام وأصول الحكم لمؤلفه الشيخ علي عبد الرازق
تعريف بالشيخ علي عبد الرازق : اسمه بالكامل علي حسن أحمد عبد الرازق (1305 هـ / 1888 – 1386 هـ / 1966) هو مؤلف كتاب الإسلام وأصول الحكم. ولد في قرية أبو جرج بمحافظة المنيا في أسرة ثرية تملك 7 آلاف فدان. حفظ القرآن في كتاب القرية، ثم ذهب إلى الأزهر حيث حصل على درجة العالمية. ثم ذهب إلى جامعة أوكسفورد البريطانية. وعقب عودته عُين قاضيا شرعيا.
كتاب الإسلام وأصول الحكم :
أصدر عام 1925 كتاب الإسلام وأصول الحكم الذي يرى البعض أنه يدعو إلى فصل الدين عن السياسة، بينما يرى البعض الآخر أنه أثبت بالشرع وصحيح الدين عدم وجود دليل على شكل معيّن للدولة في الإسلام، بل ترك الله الحرية في كتابه للمسلمين في إقامة هيكل الدولة، على أن تلتزم بتحقيق المقاصد الكلية للشريعة، والكتاب أثار ضجة بسبب آرائه في موقف الإسلام من “الخلافة” حيث نُشَر الكتاب في نفس فترة سقوط الخلافة العثمانية وبداية الدولة الاتاتركية، بينما كان يتصارع ملوك العرب على لقب “الخليفة” ؛ رد عليه عدد من العلماء من أهمهم الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر بكتاب “نقد كتاب الإسلام وأصول الحكم” ثم سحب منه الأزهر شهادة العالمية، وهو ما اعتبره الكثير من المفكرين رداً سياسيا من الملك فؤاد الأول -ملك مصر وقتئذ- ، وشن حملة على رأيه. تراجع الشيخ علي عبد الرازق عن رأيه في آخر أيامه كما يقول الإمام محمد الغزالي [1] .
يُعد كتاب الإسلام وأصول الحكم استكمالا لمسيرة تحرير فكري بدأها الإمام محمد عبده في كتابه “لإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية” و قاسم أمين والشيخ عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد وتبعهم عبد الوهاب المسيري في كتابه العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة (كتاب) وأخيرا راشد الغنوشي في مؤلفاته مثل مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني
يُعدُّ كتاب (الإسلام وأصول الحكم) أولَ دراسة شرعية تؤسِّس للفكرة العَلمانية داخل الوسط الإسلامي، وقد نشره الشيخ القاضي علي عبد الرازق عام 1925م بعد عامٍ من القضاء رسمياً على مسمى الخلافة العثمانية، أحدث به معركة ثقافية وسياسية ضخمة. تقوم فكرة الكتاب المركزية على تفسير (الدين الإسلامي) بما يتفق مع التصور الغربي للدين، فرسالة النبي صلى الله عليه وسلم ما هي إلا رسالة روحية ليس فيها إلا البلاغ لوجود (آيات متظافرة على أن عمله السماوي لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من كل معاني السلطان)[1]. فهي رسالة لا تتضمن سلطة حكم، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم: (رسولاً لدعوة دينية خالصة للدين لا تشوبها نزعة ملك ولا دعوة لدولة)[2]، وإنما أحدث ذلك المسلمون من بعده، وكانت الحكومة التي أقامها الصحابة من بعده حكومة دنيوية ليست من أحكام الإسلام[3]. شذوذ هذا الرأي ونكارته أحدثا ردة فعلٍ صارمة شديدة ضده، فأصدرت هيئة كبار العلماء في مصر بتوقيع (24) عالماً، بياناً ذكروا فيه أخطاء الكتاب البارزة، وحصروها في 7 مخالفات ظاهرة[4]، ثم توالت الردود العلمية، فكتب الشيخ محمد الخضر حسين: (نقض الإسلام وأصول الحكم)، وكتب الطاهر بن عاشور: (نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم)، وألَّف محمد بخيت المطيعي رسالته: (حقيقة الإسلام وأصول الحكم)، وأرَّخ الدكتور محمد ضياء الدين الريس للتفاصيل السياسية المتعلقة بصدور الكتاب في رسالته: (الإسلام والخلافة)؛ فكانت سبباً في سقوط الكتاب سقوطاً مريعاً في جانبه العلمي، وكشفت عن أخطائه وسوء تصوّراته، حتى أصبحت قيمة الكتاب في حدثه التاريخي وليس في القيمة العلمية الضعيفة والمتناقضة في تقريراته.
قراءة ثانية للكتاب :
فى عام 1925م, أصدر الشيخ على عبد الرازق(1888-1966م), أخو الشيخ مصطفى عبد الرازق شيخ الأزهر, كتابا عن الإسلام وأصول الحكم. حينما كان يعمل قاضيا بالمحاكم الشرعية. أتم الشيخ على عبد الرازق دراسته فى الأزهر, ثم أكمل دراسته فى جامعة أكسفورد بإنجلترا. بالرغم من وجود عدة فقرات فى كتابه يشير فيها إلى مفكرين سياسيين إنجليز, مثل هوبز ولوك, إلا أن تأثير الفكر الإنجليزى عليه لم يكن واضحا. بل نجده أكثر تأثرا بفكر الإمام محمد عبده. وقام فى كتابه بدراسة قضية هامة. هى قضية الخلافة والحكم فى الإسلام.
فى عام 1922م, وبعد ثورة مصطفى كمال أتاتورك فى تركيا, ألغى المجلس الوطنى فى تركيا السلطنة. وفى عام 1924م, ألغى منصب الخليفة, وأصدر بيانا باللغتين التركية والعربية موقعا من رجال الدين الأتراك, جاء فيه أنه حقا يوجد منصب الخليفة فى الإسلام, لكن وجود هذا المنصب يعتمد على شروط معينة من الصعب توافرها. منها أن الخليفة يجب أن يتصف بصفات خاصة. وأنه يجب أن يتم إختياره من بين وعن طريق عامة المسلمين.
هذه الشروط كانت موجودة أيام الخلفاء الأربعة الأوائل فقط. ثم بعد ذلك, أصبح إختيار الخليفة عملية شكلية. وكانت كفاءة الخليفة فى معظم الأحيان موضع شك. فمن حق المجتمعات الإسلامية أن تختار نظم الحكم التى تناسبها. لكى تضمن أن تحكم بطريقة عادلة. نظام الحكم الذى يجب أن يختاره المسلمون, يعتمد على حاجة العصر الذى يعيشون فيه.
ثم جاء مصطفى كمال أتاتورك, ليشرح بعدها لماذا قام بإلغاء نظام السلطنة والخلافة فى تركيا, بحجة أنه نظام أصاب تركيا بالخراب. وأن تركيا الجديدة ليست لديها ما يجعلها تفكر فى أى شئ, سوى كيانها ومصلحتها الخاصة. فليس عندها شيئا يمكن أن تعطيه للآخرين.
هذه الأنباء أصابت العالم الإسلامى بالذعر. فى نفس الوقت, سال لعاب ملوك وحكام كثيرين لهذا المنصب الشاغر. منهم الشريف حسين فى الحجاز والملك فؤاد فى مصر.
فى عام 1926م, دعا الأزهر فى مصر مجموعة من رجال الدين إلى عقد مؤتمر فى القاهرة لبحث موضوع الخلافة. إنتهى بقرارات تفيد أن منصب الخلافة ضرورى للمسلمين, كرمز لوحدتهم. لكن, لكى يكون هذا المنصب فعالا, لابد أن يجمع الخليفة بين السلطة الدينية والسلطة المدنية. وهذا أمر لم يكن يتوافر لأى حاكم من حكام المسلمين فى ذلك الوقت.
جاء كتاب الشيخ على عبد الرازق مساهمة منه فى هذا الحوار. فهو يتساءل فى كتابه: هل منصب الخليفة ضرورى للمسلمين؟ لكن وراء هذا السؤال سؤال آخر أكثر صراحة. هل هناك شئ إسمه نظام الحكم فى الإسلام؟ وهل الخليفة يستمد سلطاته من الله سبحانه وتعالى, أم من الأمة؟
القرآن الكريم وصحيح الحديث لم يتعرضا لموضوع الخلافة. وليس هناك إجماع بخصوص وجوب منصب الخليفة. عدم معارضة المسلمين لمنصب الخليفة, لا يعنى الموافقة على وجود هذا المنصب. لأن منصب الخليفة كان فى الغالب مشوبا بالفساد ومدعما بقوة السلاح.
حرية الرأى لم تكن مكفولة للمسلمين بعد الخلفاء الأربعة الأوائل. كما أن كل الآراء الخاصة بشئون الحكم, كان من المستحيل إظهارها فى الماضى. لذلك لم تقم دراسات إسلامية جديدة جادة فى شئون الحكم مثل الدراسات التى قامت فى اليونان أيام أفلاطون وأرسطو.
هنا يستمر الشيخ على عبد الرازق فيقول: فى الواقع كان نظام الخلافة ضارا بالإسلام, ووباء بالنسبة للمسلمين, ومصدرا للشرور والفساد. لذلك منصب الخليفة غير ضرورى. ولا يعتبر جزءا من الدين الإسلامى.
إذا كان الأمر كذلك, فكيف ظهر هذا المنصب إلى الوجود؟ وكيف دخل فى روع المسلمين أنه شئ ضرورى؟ للأجابة على هذه الأسئلة, رجع الشيخ على عبد الرازق إلى عصر الرسول. فالرسول كان يحكم كرسول مرسل من الله سبحانه وتعالى. وكان يقوم بحل مشاكل مجتمعه عن طريق الوحى. إذا كان هناك نظام حكم أيام الرسول, فهو نظام حكم بدائى بسيط يصلح للمجتمع الإسلامى الأول. ولم تكن هناك مؤسسات سياسية معقدة كالتى نشاهدها اليوم.
يستمر الشيخ عبد الرازق فيقول: الرسول لم يكن ملكا أو حاكما أو رئيس دولة. إنما أرسل ليبلغ رسالته للعالمين. وهى رسالة روحية خالصة. وإذا وجدت سلطة بعد الرسول, فهى سلطة مدنية وسياسية. وليست سلطة روحية.
عندما إنتشر الإسلام, تولى أبو بكر الشئون السياسية للمجتمع الإسلامى الجديد. وكانت سلطاته تدعمها القوة. ونظرا لعلاقته الخاصة بالرسول وصلاحه وتقواه, إعتقد الناس أن منصب الخلافة, بمعنى خلافة رسول الله, هو منصب دينى وليس مدنى. وكل من إعترض على خلافة أبى بكر, أتهم بأنه خارج عن الإسلام.
منذ ذلك الوقت, أخذ المسلمون فكرة خاطئة عن منصب الخلافة. وشجع الحكام المستبدون فيما بعد على رواج هذه الفكرة. لأنها بالطبع تعمل فى صالحهم. ولأنها تجعل الثورة عليهم خروجا عن الإسلام. وهذه جريمة فى حق العالم الإسلامى. فى الواقع الإسلام برئ من منصب الخلافة هذا.
الدين الإسلامى ليس لديه نوع معين من الحكومات. وليس فى الدين الإسلامى ما يمنع من تدمير نظام قديم فاشل , وبناء نظام جديد أفضل. مدعم بخبرات وتصورات إنسانية جديدة علمية ومجربة.
أثار كتاب الشيخ على عبد الرازق ثورة عنيفة فى الأوساط الدينية والسياسية. فأوعز الملك فؤاد إلى هيئة من كبار علماء الأزهر لفحص كتاب الإسلام وأصول الحكم, ومحاكمة المؤلف بوصفه من علماء الأزهر. فحاكمته الهيئة وأصدرت حكمها بإخراجه من زمرة العلماء فى أغسطس عام 1925م. وطلب من وزير الحقانية عبد العزيز فهمى فصل الشيخ على عبد الرازق من وظيفته. فأحال الوزير الطلب إلى لجنة فى الوزارة لفحصه. فغضبت السراى, وإعتقدت أن الوزير يماطل ويضع العراقيل أمام إجراءات فصل المؤلف.
حينئذ, صدر قرار بإقالة الوزير عبد العزيز فهمى من الوزارة. إلا أن إقالة الوزير أعتبرت إهانة لباقى الوزراء. فاستقال, إحتجاجا على هذا الفصل التعسفى, كل من محمد على علوبة باشا, وتوفيق دوس باشا, وإسماعيل صدقى باشا. وعندما تم شغل المناصب الوزارية الشاغرة, فصل الشيخ على عبد الرازق من وظيفته كما أراد الملك فؤاد.
فى نفس الوقت, قام مجموعة من الكتاب بالرد على الشيخ عبد الرازق. منهم الشيخ رشيد رضا, والشيخ بخيت. قال رشيد رضا, وهو أيضا من تلامذة الإمام محمد عبده, لكنه سلك سلوكا متحفظا فى المناداة بالإصلح, أن هذه هى آخر محاولة من أعداء الإسلام لإضعافه وتفتيته من الداخل.
وقال الشيخ بخيت, فى رده أن ما يقوله غير المسلمين عن الإسلام, لا يجب أن يقبل. وخصوصا ما قيل عن الخليفة. هذا المارد الذى إن رآه أشجع الشجعان فى أوروبا, حتى فى منامه, هب مذعورا خائفا من نومه. وإتهم الشيخ بخيت الشيخ عبد الرازق, بأنه إقتبس أفكاره عن الخلافة من السير توماس آرنولد. وقام بالتفنيد والتشكيك فى آراء ومصادر الكتاب بالتطويل. مستشهدا بآيات من القرآن وبالأحاديث النبوية وفتاوى الإجماع.
هذا يوضح لنا كيف بدأ المفكرون الإسلاميون فى عصر النهضة, عندما كانت مصر ليبرالية, فى مناقشة قضاياهم بجرأة وشجاعة. والبحث عن حلول علمية لمشاكلهم المزمنة. وأنا هنا أدافع عن حرية الرأى وحق كل فرد فى التعبير عن أفكاره دون خوف. لأن هذا هو الطريق الوحيد لكى نتعلم ونتقدم. فالحقيقة المطلقة لا يعلمها إلا الله. ولا يبقى لنا سوى الإجتهاد والبحث عن الحقيقة النسبية, التى تظهر وتتلألأ بإختلاف وتضاد الآراء. لأن الأفكار مهما كانت خاطئة, قد يكون بها شئ من الصحة والصواب. وإباحة الحرية لكل الآراء على السواء, تشجع الرأى الصواب على الظهور وتعمق فهمنا له.
رد الدكتور عبد الرزاق السنهوري على الكتاب :
ندما صدر هذا الكتاب – سنة 1925م – كان الدكتور عبد الرازق السنهوري باشا ( 1313 – 1391هـ – 1895 – 1971م ) وهو أبو القانون المدني، وواضع المقومات الدستورية والقانونية للكثير من البلاد العربية كان بباريس، يعد رسالة دكتوراة عن ( الخلافة الإسلامية ) فكتب في هذه الرسالة عن دعوى الشيخ علي عبد الرازق – تحت عنوان ” رأي شاذ ” – دراسة مستفيضة، قال فيها عن شمول الإسلام للسياسة ” وإقامة رسوله – صلى الله عليه وسلم – للدولة – بالمدينة المنورة-:
” إن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد وضع لحكومته أصاح النظم الممكنة في وقته، لأنها تتناسب مع حالة المجتمع.. وإن حكومة النبي قد أقامت دولة حقيقية لا تقل في نظمها عن الدولة الرومانية في بدايتها، فالنبي قد وضع بالفعل النظم الأساسية للدولة الإسلامية، فأوجد نظاما للضرائب وللتشريع، ونظما إدارية وعسكرية.. الخ.. الخ.. وهذه النظم كانت تحمل في طياتها عوامل التطور والنمو مع الزمن وقد تطورت فعلا دون أن تخرج بذلك عن كونها مؤسسة علي الإسلام.
فنحن نري أن الأنظمة التي باشرها النبي إنما كانت أنظمة مدنية حقيقية، كأي حكومة أخرى فقد كان يفرض بمقتضاها عقوبات جنائية علي من خالف أحكام التشريع الإسلامي، ولم يكتفي بالجزاءات الأخروية التي يفرضها الدين، وكان له عمال إداريون وماليون، وكان له جيش مسلح، إنه كان حاكما دنيويا إلي جانب صفته كنبي مرسل.
فالنبي حامل الرسالة الإسلامية، كان مؤسس الدولة الإسلامية أيضا، فقد أوجد الوحدة الدينية للأمة العربية، وأوجد إلي جانبها الوحدة السياسية للجزيرة العربية. بل يمكن القول بأنه أنشأ حكومة مركزية في المدينة، وعين حكاما للأقاليم خاضعين لتلك الحكومة، كما حدث في اليمن وغيرها من الأقاليم.
والصحابة بعد وفاة النبي، لم ينشئوا دولة، وإنما وسعوا رقعة الدولة التي أنشأها والتي كان يتوقع لها هذا الاتساع وتنبأ به قبل وفاته، ولم يفعل الصحابة أكثر من السير علي الخطة التي بدأها بتحقيق نبوءاته “.