مدونة

سلطة الحاكم في الإسلام مدنية بوظيفة دينية وليست دينية بطابع مدني – قراءة في كتاب “الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية لمؤلفه الإمام محمد عبده :

محمد عبده
مدونتي

سلطة الحاكم في الإسلام مدنية بوظيفة دينية وليست دينية بطابع مدني – قراءة في كتاب “الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية لمؤلفه الإمام محمد عبده :

هل الإسلام دين ودولة ؟

  1. قراءة في كتابالإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية لمؤلفه الإمام محمد عبده :

تعريف بالإمام محمد عبده : “الإمام” محمد عبده، ولد محمد بن عبده بن حسن خير الله سنة 1266 هـ الموافق 1849م في قرية محلة نصر بمركز شبراخيت في محافظة البحيره. في سنة 1866م التحق بالجامع الأزهر، وفي سنة 1877م حصل على الشهادة العالمية، وفي سنة 1879م عمل مدرساً للتاريخ في مدرسة دار العلوم وفي سنة 1882م اشترك في ثورة أحمد عرابي ضد الإنجليز، وبعد فشل الثورة حكم عليه بالسجن ثم بالنفي إلى بيروت لمدة ثلاث سنوات، وسافر بدعوة من أستاذه جمال الدين الأفغاني إلى باريس سنة 1884م، وأسس صحيفة العروة الوثقى، وفي سنة 1885م غادر باريس إلى بيروت، وفي ذات العام أسس جمعية سرية بذات الاسم، العروة الوثقى.

يُعدّ “الإمام محمد عبده” واحدًا من أبرز المجددين في الفقه الإسلامي في العصر الحديث، وأحد دعاة الإصلاح وأعلام النهضة العربية الإسلامية الحديثة؛ فقد ساهم بعلمه ووعيه واجتهاده في تحرير العقل العربي من الجمود الذي أصابه لعدة قرون، كما شارك في إيقاظ وعي الأمة نحو التحرر، وبعث الوطنية، وإحياء الاجتهاد الفقهي لمواكبة التطورات السريعة في العلم، ومسايرة حركة المجتمع وتطوره في مختلف النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية.

وفي سنة 1886م اشتغل بالتدريس في المدرسة السلطانية وفي بيروت تزوج من زوجته الثانية بعد وفاة زوجته الأولى. وفي سنة 1889م / 1306هـ عاد محمد عبده إلى مصر بعفو من الخديوي توفيق، ووساطة تلميذه سعد زغلول وإلحاح نازلي فاضل على اللورد كرومر كي يعفو عنه ويأمر الخديوي توفيق أن يصدر العفو وقد كان، وقد اشترط عليه كرومر ألا يعمل بالسياسة فقبل. وفي سنة 1889م عين قاضياً بمحكمة بنها، ثم انتقل إلى محكمة الزقازيق ثم محكمة عابدين ثم ارتقى إلى منصب مستشار في محكمة الاستئناف عام 1891م، وفي 3 يونيو عام 1899م / 24 محرم 1317 هـ عين في منصب المفتي، وتبعاً لذلك أصبح عضواً في مجلس الأوقاف الأعلى.

في 25 يونيو عام 1890م عين عضواً في مجلس شورى القوانين. وفي سنة 1900م / 1318 هـ أسس جمعية إحياء العلوم العربية لنشر المخطوطات، وزار العديد من الدول الأوروبية والعربية. في الساعة الخامسة مساء يوم 11 يوليو عام 1905م / 7 جمادى الأولى 1323 هـ توفى الشيخ بالإسكندرية بعد معاناة من مرض السرطان عن سبع وخمسين سنة، ودفن بالقاهرة ورثاه العديد من الشعراء.

قام محمد عبده بكتابة وتأليف وشرح العديد من الكتب أهمها و أبرزها (رسالة التوحيد ، تحقيق وشرح البصائر القصيرية للطوسي، تحقيق وشرح دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة” للجرجاني ، الرد على هانوتو الفرنسي ، تقرير إصلاح المحاكم الشرعية سنة 1899م ) ، وكما أن للإمام محمد عبده العديد من الفتاوى تدور حول الوقف وقضاياه، والميراث ومشكلاته والمعاملات ذات الطابع المالي والآثار الاقتصادية ، مشاكل الأسرة وقضاياها من الزواج والطلاق والنفقة والإرضاع والحضانة والإقرار بالغلام المجهول ، القتل والقصاص.

كتاب الإسلام والنصرانية مع العلم و المدنية :

هذا الكتاب يعتبر من الآثار الفكرية المميزة للإمام ، هو عبارة عن مجموعة من المقالات التي كتبها الإمام محمد عبده ردا بها على المفكر الماروني اللبناني “فرح انطون” (1874-1922) الذي زعم في مجلة الجامعة العثمانية عام 1902 ” إن النصرانية كانت أكثر تسامحا من الإسلام مع العلم و الفلسفة ولذا نهضت أوروبا المسيحية بينما ضاق صدر الإسلام بالعلم و الفلسفة فكان الجمود و التخلف الذين أصابا حضارة الإسلام ” وقد نشرت مجلة المنار تلك المقالات ثم استأذن الشيخ رشيد رضا ( صاحب المجلة ) الإمام محمد عبده في تجميع تلك المقالات في كتاب مستقل عنوانه الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية فوافق الإمام محمد عبده . وقد ُطبع هذا الكتاب مرتين في حياة الإمام ثم أعيد طبعه مراراً . وتجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب قد ُكتب بقصد الدفاع عن الإسلام و لكن الغرض الأهم من كتابته هو إيقاظ المسلمين و إرشادهم إلى أسباب تأخرهم و ضياع مجدهم و زوال ملكهم و إلى المخرج منه .ويمكن القول أن ترجيح الإسلام على النصرانية في حرية العلم و نشأة المدنية كان الغرض الأدنى المحرك للكتابة، في حين كان الغرض الأعلى هو إرشاد المسلمين . وقد تعرض هذا الكتاب للتزوير و التزييف وقد امتد هذا التزوير إلى عنوان الكتاب ثم إلى المضمون و المحتوى

ثانياً : عرض عام لمضمون الكتاب

هذا الكتاب يشتمل على مقدمة و أربعة أقسام و خاتمة . ويدور الكتاب بوجه عام حول رد الإمام على أربعة أمور( شبهات ) رئيسية زعمها فرح انطون وقد تمثلت تلك الشبهات فيما يلي :

الشبهة الأولى : أن المسلمين قد تسامحوا لأهل النظر منهم ولم يتسامحوا لمثلهم من أرباب الأديان الأخرى

الشبهة الثانية : أن من الطوائف الإسلامية طوائف قد اقتتلت بسبب الاعتقادات الدينية
الشبهة الثالثة : أن طبيعة الدين الإسلامي تأبى التسامح مع العلم و طبيعة الدين المسيحي تيسر لأهله التسامح مع العلم

الشبهة الرابعة : أن إيناع ثمر المدنية الحديثة إنما تمتع به الأوروبيون ببركة التسامح الديني المسيحي .

وقد تولى محمد عبده الرد على هذه الشبهات من خلال الأدلة و البراهين و جلب أمثلة من التاريخ تؤكد آرائه . ومن أهم الأفكار الرئيسية التي تناولها الإمام في هذا الكتاب ما يلي :

· فكرة طبيعة العلاقة بين السلطتين الدينية و الزمنية و آثار و نتائج تلك العلاقة حيث أوضح من خلال المقارنة بين الدينيين الإسلامي و المسيحي أن الدين الإسلامي لم يعرف سلطة الكهنوت (الوساطة بين الفرد و ربه ) كما في المسيحية، كما أن السلطان في الإسلام ليس ملك و خليفة دينيا ولكن السلطان هو فرد تسرى عليه كافة الأمور التي تسرى على الآخرين فإذا ارتكب خطا فانه يجب أن يتعرض للمساءلة والحساب . ومما لاشك فيه أن هذه الفكرة الإسلامية ضرورية اليوم لمواجهة الحركات المتطرفة ( حركات التكفير ) فوفقاً لهذه الفكرة ليس لأحد الحق في تقرير اعتقاد شخص آخر .وكذلك فان سلطة الحاكم هي سلطة حكم وإدارة وليست سلطة دينية و بالتالي فانه يخضع للرقابة و المساءلة .

وقد حرص محمد عبده على التأكيد على أن سلطة الحاكم مدنية بوظيفة دينية وليست دينية بطابع مدني وعلى الجانب الآخر فإن علماء الدين ليس لهم سلطان ديني على الأفراد إلا في نطاق التوجيه التوجيه والإرشاد دون اى حق في السيطرة على إيمان الأفراد . وهنا تتلاقى حركة الإصلاح الديني بزعامة كلُُُ ُمن مارتن لوثر وجان كالفن في التأكيد على أن العلاقة بين الفرد وربه علاقة مباشرة ولا تحتاج إلى وساطة من جانب رجال الدين .

· فكرة الاحتجاج على الدين بمعتنقيه حيث رفض الإمام الاحتجاج على الدين بأهله فالدين حجة على أهله وليس أهله حجة عليه و أشار إلى انه يجب عند النظر في اى دين للحكم له أو عليه في قضية من القضايا أن ُيؤخذ ممحصاً مما عرض عليه من بعض عادات أهله أو محدثاتهم التي ربما تكون قد جاءتهم من دين آخر وأشار انه إذا أراد احد أن يحتج بقول أو عمل لإتباع ذلك الدين في بيان بعض أصوله فليأخذ في ذلك بقول أو عمل اقرب الناس إلى منشأ الدين ومن تلقوه على سذاجته التي ورد بها من صاحب الدين نفسه .

وأشار الإمام محمد عبده إلى أن الجمود الذي وصل إليه المسلمون لا يصح أن ينسب إلى الإسلام في شيْ . و اعتبر ن هذا الجمود هو علة تعرض لها المسلمين عندما دخل في قلوبهم عقائد أخرى ساكنت عقيدة الإسلام في أفئدتهم وأوضح أن عدم إتباع تعاليم الإسلام والبعد عنه من جانب الحكام والمحكومين هو السبب في تخلف المسلمين وليس السبب في الإسلام نفسه الذي تقدم به المسلمون على غيرهم عندما اتبعوه

هذه الفكرة من أهم الأفكار التي يجب الرجوع إليها في ظل ما يتعرض له الدين الإسلامي من اضطهاد واتهامه بأنه دين العنف و الإرهاب . هذه الشبهات و الاتهامات التي الصقها الغرب بالإسلام من خلال الاحتجاج على الإسلام ببعض الأفعال التي تصدر عن بعض الأشخاص المتشددين دينياً و التي لا تعبر بشكل أو بآخر عن روح الدين الإسلامي السمحة مثل ( أحداث الحادي عشر من سبتمبر ) . خلاصة الأمر يمكن القول أن هذه الفكرة التي طرحها الإمام منذ أكثر من قرن يمكن استخدامها لإضفاء حالة من الصفاء و الحوار بين جميع البشر في العالم وإنهاء حالات التعصب الديني و المذهبي .

· فكرة حوار الأديان : يعد مفهوم “حوار الأديان” مفهوماً قديمًا، ربما قِدم الأديان نفسها، ولكنه اكتسب زخمًا أكبر في العقود الأخيرة . ولقد تأثر الإمام محمد عبده بالشيخ جمال الدين الافغانى فيما يتعلق بحوار الأديان ولكن كانت فكرة حوار الأديان أكثر عمقاً لدى الإمام حيث كان يرى أن الدين هو دين الله وهو دين واحد في الأولين والآخرين لا تختلف إلا صوره و مظاهره وأما روحه و حقيقته وهو ما ُطولب به العالمون أجمعون على ألسن الأنبياء و المرسلين فهو لا يتغير (إيمان بالله وحده وإخلاص له في العبادة و معاونة الناس بعضهم لبعض في الخير وكف أذاهم بعضهم عن بعض ما قدروا ) ويرى أن هذا لا ينافى الارتقاء في الدين بارتقاء عقول البشر واستعدادهم لكمال الهداية وان دين الإسلام جاء ليجمع البشر كلهم على هذه الأصول وأن من أهم وظائفه إزالة الخلاف الواقع بين أهل الكتاب ودعوتهم إلى الاتفاق و الإخاء و المودة و الائتلاف و هذا ما عمل عليه المسلمون قرناً بعد قرن بحسب قوة تمسكهم بالإسلام ([3]). وقد أكد الإمام محمد عبده أن رفض عقائد دين من الأديان لا يعنى الجور على أهل هذا الدين فتلك هي سنة الإسلام التي سنها رسول الله في التعامل مع غير المسلمين على امتداد حضارة الإسلام . وكان الإمام محمد عبده يرى أن الدفاع عن الإسلام والدعوة إليه تكون من خلال التقريب بين المسلمين و أهل الكتاب. وقد أوضح الإمام في إطار ذلك موقف الإسلام و المسلمين من أصحاب العقائد المخالفة للإسلام ورأى أن هذا الموقف يتمثل في (الرفض للانحرافات و التحريفات العقائدية التي أصابت تلك الديانات وترك حسابها إلى الله يوم القيامة – العدل والقسط و البر مع المتدينين بهذه الديانات في شئون الدنيا كالسياسة و الاجتماع و المعاملات) . ولهذا ونتيجة لإيمانه بأهمية ودور حوار الأديان في تحقيق السلام العالمي- وكأنه كان يرى و يسمع ما يحدث اليوم من خلاف بين أهل الأديان- فقد شارك في تكوين جمعية سرية تسمى (جمعية التأليف و التقريب ) وكان هدفها التقريب بين الأديان السماوية الثلاثة و إزالة الشقاق من بين أهلها و التعاون على إزالة ضغط أوروبا على الشرقيين و لا سيما المسلمين منهم و تعريف الإفرنج بحقيقة الإسلام من اقرب الطرق

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare