أفكار في أزمة المرجعية الدينية – 29 آذار 2013
في خضم الصراعات السياسية التي تطل بثقلها على لبنان، دخلت بعض المرجعيات الدينية على الخطوط الأولى للمواجهة لتزيد من عمق الشرخ الطائفي بدلاً من إصلاحه وجمع شمله وتقريب وجهات النظر بين أبنائه. ولعل هذا الشرخ الذي تسببت به هذه المرجعية الدينية انعكس دوره على دور الأئمة والخطباء في المساجد، فلم تعد هناك ثقة بين رواد المساجد وبعض اصحاب العمائم الذين كانوا في الأمس القريب ينالون من مرجعياتهم الدينية وينتقدونها على المنابر وأصبحوا فجأة من أكبر مناصريها وداعميها. هذه النظرة السلبية لم تنل فقط من خطباء المنابر بل وصلت شظاياها وارتداداتهاإلى جمهور العلماء المعممين، فلم يعد هناك من ينظر لهم نظرة وقار واحترام كمؤتمنين على أمور الدين بل باتوا ينظر إليهم نظرة المؤتمنين على أمور دنياهم ومصالحهم الشخصية وأهوائهم الآنية.
ولا يعتبر هذا التبدل المفاجئ في مواقف بعض المعممين هو السبب بل هناك عوامل أخرى منها دخول الانفعيين والفاشلين دراسياً والمعقدين نفسياً في سلك العلماء. إضافة إلى ظهور معاهد دينية مرخصة وغير مرخصة، تمولها جهات مشبوهة، ما أن ينخرط طلابها للدراسة فيها حتى يضعوا العمامة بحثاً عن الربح السهل والمتاجرة في أمور الدين، في حين أن دار الفتوى غابت عن الإشراف على هذه المعاهد بل وعن تطوير مناهج معهدها الأزهري إلى درجة تحويله وبجهل منقطع النظير الى معهد مهني شرعي!
منذ سنوات قليلة كانت امور الدعوة داخل المساجد والمؤسسات الدينية ترقى إلى مستوى أقل ما يقال عنها بأنها مقبولة إذا ما قورنت مع بعض الدول الإسلامية النامية. أقول ذلك بحسرة لأن ما دفعني إلى ترك أوروبا والعودة الى لبنان هو شعوري بأنه يجب علينا أن نتهيأ إلى فترة ما بعد انهيار الشيوعية حيث أصبح الإسلام في موضع الإتهام، وبأنه يجب علينا – بحكم وضعنا في مجتمع متعدد الطوائف – أن تكون مؤسستنا الدينية الأم على أهبة الإستعداد وعلى أعلى مستوى في الجهوزية والتنظيم والرقي مما يحتم علينا تقديم المبادرات الوطنية والحضارية والإهتمام بتنشئة العلماء تنشئة تضاهي أو توازي على الأقل ما هو عليه الحال في الطوائف الأخرى. فكانت هذه الوجهة الحضارية التي أردتها سبباً رئيسياً في ابعادي وابتعادي عن المؤسسة الدينية التي أحببتها.
كثيرة كانت اللقاءات التي جمعتنا في كبرى الصالات والقاعات في بيروت و طرابلس وصيدا والبقاع مع علماء زاروا لبنان فاحتشد لهم عشرات آلاف الأشخاص، وكبيرة كانت الثقة التي كان الناس يمنحوننا اياها في زمن الرخاء وفي زمن الأزمات حيث كنا نواصل السهر ليلاً ونهاراً من أجل تلقي المساعدات وتوزيعها.. وأيضا كثيرة كانت الوفود الأجنبية التي تزور المرجعية وتنبهر من عظمة الإسلام من خلال مناقشاتنا وطروحاتنا معهم فتعترف أخيراً بافتراءات الغرب الظالمة على الإسلام والمسلمين وكنا خلال هذه الفترة متيقظين متنبهين مبادرين..
فماذا حصل بنا حتى تدخل الأطماع والأنانية وإيثار الأقرباء ومخالفة الأنظمة وطرق إدارة أموال الأوقاف وهدر المال العام وأموال المساجد..!؟
ماذا حصل لهذه النقاوة والصفاء الإيماني الذي كان يبدو على إطلالته، وماذا حصل لهذا الهدوء ولهذه الإبتسامة الرقيقة التي كانت تميزه عن أقرانه..؟!
ماذا حصل لهذا القلب الوجل الذي كان لا ينقطع عن ذ كر الله ولهذه العين التي كانت تفيض بالدمع خشية من الله. ليس العيب في أن يخطئ إن هو اعترف وتراجع فكلنا خطاؤون وخير الخطائين فينا هم التوابون..
كم كنت أتمنى وأطلب من الله أن يخرج للناس ويعتذر ويطلب الصفح من الله أولاً عما حصل، ويبادر إلى الإصلاحات الشاملة داخل المؤسسة فنهبّ جميعاً الى الوقوف معه من أجل إعلاء كلمة الحق وردم الماضي وجمع الكلمة والتصالح مع كل من خدم هذه الطائفة من رؤساء حكومات وسياسيين ومجالس شرعية ومفتين ومستشارين وعلماء دين واعلاميين وقائمين على صناديق الزكاة وشخصيات اجتماعية وموظفين وعسكريين مولجين بأمن المؤسسة…وأموات قضوا نحبهم.
كم هو رائع موقف النبي محمد صلى الله عليه وسلم عندما خاطب الناس أثناء مرضه الأخير فقال: «أيها الناس من كنت جلدتُ له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخش الشحناء من قِبَلي فإنها ليست من شأني، ألا وإن أحبكم إليَّ من أخذ مني حقاً إن كان له، أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس».
هذا هو المثل الأعلى الذي يدعونا إلى فهم الطبيعة الإنسانية المخطئة والتي ترتقي إلى أعلى المقامات إن هي وقفت وقفة ضمير ومحاسبة مع الذات ثم تابت وصلحت، فهل من مستمع… هل من مجيب ؟
* ممحمد نقري – مدير عام دار الفتوى سابقاً