مدونة

عندما تحول منصب مفتي بيروت إلى مفتي الجمهورية

المفتي نجا وتوفيق خالد
مدونتي

عندما تحول منصب مفتي بيروت إلى مفتي الجمهورية

منصب مفتي بيروت

أجمع المؤرخون بأن الدولة العثمانية هي أول من أطلقت لقب شيخ الإسلام على المفتي الأكبر أو مفتي العاصمة وأسندت إليه رئاسة الشؤون الدينية والقضائية في كافة أنحاء الدولة.

في الفترة التي سبقت هذا الإجراء أسندت هذه الرئاسة إلى قاضيي عسكر روملي (مقاطعة بلاد الروم او البلاد الأوروبية) وأناضولي  (وتشمل الدول العربية والأسيوية والإفريقية) وأنيط بهما إلى جانب إدارة الشؤون القضائية والعلمية لأفراد الجيش العثماني في وقتي السلم والحرب إصدار الفتاوى السياسية والإدارية للدولة العثمانية ، في حين أن مفتي العاصمة ” أدرنة ” كان يعتبر مفتياً لمقر العرش العثماني أو المدينة التي يقيم بها السلطان العثماني[1].

و قد تغير هذا الأمر عند فتح القسطنطينية وانتقال عاصمة الدولة إليها وتغيير اسمها إلى استانبول، فذهب المؤرخون وعلى رأسهم D’hosson [2] دوسون وليبر بأن السلطان محمد الفاتح هو أول من بادر إلى أطلاق لقب شيخ الإسلام على مفتي استانبول بعد فتحها، مستندين بذلك إلى ماورد في قانون السلطان الفاتح حول لقب شيخ الإسلام.  في حين أن جب وبوون Gibb et Bowen أكدا بأن السلطان سليمان القانوني هو أول من أضفى منصب شيخ الإسلام على مفتي العاصمة.

ويبرر المؤرخون بأن سبب منح مفتي العاصمة لقب شيخ الإسلام ووصفه بهذا اللقب واعتباره المفتي العام للدولة العثمانية يعود إلى عدة مبررات ، من أهمها :

  1. رغبة الدولة في إضفاء مزيد من الأهمية والإعتبار على مفتي العاصمة في مقابل رؤساء الطوائف غير الإسلامية[3]
  2. رغبة الدولة العثمانية في توزيع اختصاصات مؤسساتها العامة بين مؤسسات مدنية يرأسها الصدر الأعظم ومؤسسات دينية وقضائية يرأسها شيخ الإسلام واعتبارهما في قمة الهرم التنظيمي للدولة بعد السلطان مباشرة.
  3. توحيد المؤسسة الدينية والأجهزة التي تقوم بالإفتاء بعد الشعور بالخطر الناشئ من تعدد المفتين غير الرسميين في الدولة والذين ينتشرون في طوال البلاد وعرضها، حيث يفتي كل واحد منهم حسب مذهبه ومقدرته العلمية، وما شكله ذلك من خطر في تخريب سلطة الدولة وتشويه العقيدة عند الناس، لذلك كان توحيد الفتاوى ضرورة قصوى. ومن الطبيعي أن يكون المرجع الأعلى لهذه المهمة مؤسسة الإفتاء في العاصمة العثمانية،[4] التي أصبحت تعرف باسم مشيخة الإسلام ، أو دار الفتوى.

بعد انهيار الدولة العثمانية وتولي سلطة الإنتداب أمور الحكم في لبنان وسوريا، دار نقاش داخل الأوساط الإسلامية لمعرفة الشخصية الإسلامية التي تسند إليها رئاسة الشؤون الدينية في الدولة بعد إلغاء منصب شيخ الإسلام في استانبول. ولم يطل النقاش طويلاً حتى حسم لجهة منح مفتي بيروت لقب مفتي الجمهورية على غرار منح لقب شيخ الإسلام لمفتي استانبول، وأصبح بالتالي يعرف بهذا اللقب بعد صدور المرسوم رقم 291 – صادر في 9/7/  1932 الموقع من أول رئيس للجمهورية اللبنانية الذي ينص :

إن رئيس الجمهورية اللبنانية، رئيس الحكومة ،

بناء على القرار رقم 56 و 55 الصادرين بتاريخ 9 أيار سنة 1932 من المفوض السامي للجمهورية الفرنساوية،

يرسم ما يأتي:

المادة 1 إن مفتي بيروت يلقب من الآن فصاعدا مفتي الجمهورية اللبنانية .

المادة 2– يكلف مفتي الجمهورية اللبنانية القيام بكل تحقيق يتعلق بمهام المفتين السنيين في الملحقات. ويقترح على موافقة الحكومة بعد اتفاقية مع سماحة قاضي القضاة- أسماء الذين ترشحهم الهيئات الانتخابية ذات الشأن.

المادة 3– ينشر هذا المرسوم ويبلغ حيث تدعو الحاجة إلى ذلك .

بيروت في 9 تموز سنة 1932                            الإمضاء: شارل دباس

       ومما لاشك فيه فأن المبررات التي ذكرها المؤرخون العثمانيون لإضفاء لقب شيخ الإسلام على مفتي استانبول ودمج منصبيهما منذ فتح القسطنطينية بما عرف فيما بعد بمشيخة الإسلام أو دار الفتوى، تنم عن وعي وإدراك كبيرين إذ أضفت على شيخ الإسلام مكانة عالية بين رؤساء الطوائف غير الإسلامية، وجعلت من دار الفتوى العثمانية المرجعية الوحيدة في الأمور الدينية والوقفية والقضائية الشرعية وأبعدت الأخطار عن الدولة بسبب تعدد المفتين غير الرسميين المنتشرين في أنحاء البلاد ناهيك عن احتمالية تضارب الصلاحيات بين وجود مفتي للعاصمة ووجود مفتي عام للدولة.

لذلك فأصبح متعارفاً عليه وبمثابة – قاعدة قانونية عرفية – منذ نشأة أول مؤسسة مركزية في الإسلام تعنى بشؤون العلماء وبالأمور الدينية والقضائية الشرعية وهي مؤسسة مشيخة الإسلام أن يكون مفتي العاصمة هو أعلى سلطة دينية في الدولة وأن يكون بالتالي هو نفسه المفتي العام أو الرسمي الذي يرتبط به كافة المفتون.

وعليه فإن منصب مفتي بيروت مازال قائماً منذ أن أنشئ في عهد الدولة العثمانية، وقد لقب ودمج بمنصب مفتي الجمهورية اللبنانية كما نص عليه المرسوم المذكور ، ويشغل هذا المنصب ويلقب بهذا اللقب عالم من علماء بيروت، بينما المفتي المحلي يكون تحديدا من أبناء المنطقة في المحافظات والمناطق اللبنانية.

[1] – يذهب الحقوقي النمساوي Heidborn  في كتابه Le droit public ottoman إلى القول بأن أول من لقب مفتي العاصمة العثمانية أدرنة بشيخ الإسلام هو السلطان العثماني مراد الثاني .

[2] D’HOSSON, tableau Général de l’Empire Otoman

[3] – د. عبد العزيز الشناوي الدولة العثمانية دولة اسلامية مفترى عليها. القاهرة 1983

[4] مؤسسة شيخ الإسلام في  الدولة العثمانية،  Osmanli Seyhulislamariأكرم كيدو ، منشورات جروس برس ، طرابلس – لبنان ص 34.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare