مدونة

زرع الأعضاء من وجهة نظر الشريعة الإسلامية

زرع الأعضاء
مدونتي

زرع الأعضاء من وجهة نظر الشريعة الإسلامية

زرع الأعضاء من وجهة نظر الشريعة الإسلامية

          قبل الدخول في جوهر هذا الموضوع عن زرع الأعضاء من وجهة نظر الشريعة الإسلامية، لا بد من إلقاء الضوء على بعض المفردات المستخدمة على هامش الدراسة الشرعية لهذه المسألة . فالدين وهو المفردة الأولى التي أعنيها في هذا المجال لا يعرَّف من الناحية الإسلامية على أنه فقط مجموعة المسائل العقائدية والتعبدية التي تربط الإنسان بربه، وإنما يشمل أيضاً مجموعة المسائل الأخلاقية والعلاقات الإجتماعية التي تربط الإنسان بأخيه الإنسان. هذه الشبكة من العلاقات بين الإنسان والله، وبين الإنسان والإنسان ليست منفصلة عن بعضها البعض بل هي متداخلة بحيث يعتبر ما كان فيه تحقيق الأنفعية للناس أمراً دينيا كالصلاة والزكاة والصوم والحج. وقد جاءت كثير من النصوص القرآنية والنصوص المروية عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لتعزز هذا المبدأ فربطت بعض الأحاديث بين المعاني التعبدية وتلك المتعلقة بالأنفعية الإنسانية ففي حديث نبوي يقول فيه النبي محمد صلى الله عليه وسلم  “الخلق عيال الله وأقربكم لله أنفعكم لعياله”، و “إن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه”، وقول الرسول محمد أيضاً “و الله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم”. والجائع كالمريض إذ جاء في الحديث أن الله تعالى جليس المريض ” وفي حديث قدسي يقول الله تعالى : “ياعبدي مرضت فلم تزرني فقال كيف أزورك وأنت رب العالمين قال مرض عبدي فلان فلم تزره ولو زرته لوجدتني عنده”.

وكذلك المثل الأخلاقية فهي ترتبط ارتباطاً و ثيقاً بالمسائل الدينية الصرفة . وقد وضع الفقهاء نظاماً متكاملاً وسهلاً للربط بين هذين المجالين: فما كان حسناً أو نفعاً تاماً فإنه يجب عمله وهو ملزم وواجب، وما كان قبيحاً أو مضراً ضرراً  تاماً فإنه يجب الانتهاء عن عمله وهو محظور ومحرم، وما غلب نفعه على ضرره كان مندوباً يحبذ عمله، وما غلب ضرره على نفعه كان مكروهاً يكره الإتيان به، وما استوى نفعه وضرره كان مباحاً متروكاً لاختيار الإنسان في القيام به أو الانتهاء عنه.

والمفردة الثانية وهو أن الدين يهدف من خلال المنظور الدنيوي إلى سعادة الإنسان وإشاعة الخير بين الناس.  ومن أجل الوصول إلى ” الخيرية العامة ” لم يتضمن الدين – أي القرآن الكريم والسنة النبوية – من خلال منطوقهما التشريعي أحكاماً تفصيليةً لكافة جوانب الحياة ، وإنما تضمنا مبادئ عامة أساسية  يستنير بها المشرعون المجتهدون لاستنباط التشريعات التفصيلية التي تغطي كافة مجالات النشاط الإنساني. إلى جانب ذلك فإن كثيراً من مصادر التشريع الإسلامي مثل المصالح والإستحسان والإستصحاب وسد الذرائع وضعها الفقهاء المجتهدون لتكون  مصادر اجتهادية من أجل صياغة الأحكام التشريعية التي لم يرد بها نص صريح في القرآن الكريم أوفي السنة المطهرة بحيث تدور إيجاباً أوسلباً وفق مبدأ الأنفعية أو دفع الضرر عن المجتمع والأفراد في عصر من العصور ، وتتطور وفق مصالح الناس واحتياجاتهم وتحقيق العدل والرفاهية لهم.

والمفردة الثالثة وهو أن الإسلام لا يحتوي بعد القرآن الكريم والسنة المطهرة على سلطة دينية معصومة عند استنباطها للأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ، وإنما هناك اجتهادات فقهية قد تجتمع عليها كافة المدارس الفقهية أو تجتمع على بعضها أو تختلف فيما بينها لكل لها رأيها ودليلها في المسألة. فالإختلاف في الرأي وليس الخلاف هو من الطبيعة البشرية وهو محمود بحد ذاته إذ يقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم : ” اختلاف أمتي رحمة”.

ومن هنا أبدأ فأقول بأن مسألة زرع الأعضاء هي من المسائل المستحدثة والمختلف عليها في الفقه الإسلامي, وقد كان لعلماء الدين وللمجامع الفقهية أقوال عديدة في هذه المسألة ، فكل منهم ينظر إلى الموضوع من زاوية شرعية معينة؛ فمنهم – وهم الغالبية العظمى – من ينظر من الناحية الإنسانية في الإسلام، ونصوصها العامة المعروفة في المصادر النقلية المنحصرة في القرآن الكريم والسنة، إضافة إلى المصادر الفقهية العقلية الأخرى  فيترجح لديه الجواز شرعًا. ومنهم من ينظر – وهم الأقلية – إلى أنّ هذا انتفاع بجزء من ميت، وأن للجسد حرمة وكرامة فيترجح لديه المنع، فاقوال العلماء متباينة على الشكل الآتي :

  • أقلية من العلماء ذهبت إلى منع زرع الأعضاء مطلقاً من الأحياء ومن الأموات. وهو رأي ضعيف لم تأخذ به المجامع الفقهية.
  • أكثرية العلماء بمن فيهم المجامع الفقهية ذهبت إلى جواز زرع الأعضاء مطلقاً من الأحياء ومن الأموات إذا توافرت فيها شروط محددة. وهو الرأي الراجح المعتمد .
  • بعض العلماء ذهب الى جواز نقل الجلد فقط من الأحياء والأموات
  • وأيد آخرون جواز نقل الكلية فقط من الأحياء والأموات
  • و أجاز فريق آخر نقل الأعضاء من الأموات دون الأحياء

إلا أن جميع الفقهاء اتفقوا على :

  1. عدم جواز نقل الخصية أو المبيض لأنهما يحملان الصفات الوراثية باستثناء زرع بعض أعضاء الجهاز التناسلي التي لا تنقل الصفات الوراثية
  2. عدم جواز نقل الكبد والقلب من إنسان حي إلى آخر إذ أن في ذلك هلاك للأول
  3. عدم جواز أخذ أي مقابل مادي او غيره نظير ذلك التبرع.

والأدلة التي استدل بها فقهاء الأقلية الذين ينادون بالمنع مطلقاً لا تستدعي تناولها في هذا اللقاء وذلك لضعفها ولكثرة الردود التي ناقشها معهم فقهاء الرأي الراجح . وخاصة لجهة استدلالهم بمبدأ عدم المساس بالكرامة الآدمية للإنسان حيا كان أو ميتاً ، إذ أنه يرد عليهم بأن  أخذ أي جزء من الميت لينتفع به الحي لا يعتبر اهانة للميت ولا مساساً بكرامته الآدمية لأن المقصود به منفعة الإنسان الحي،  والحي بمنطوق الشرع أنفع  من الميت فانتفاعه بجزء من الميت أولى من ترك هذا الجزء يبلى في التراب.

وأما الأدلة التي استدل بها فقهاء الأغلبية المؤيدة لنقل الأعضاء من الأحياء ومن الأموات إذا توافرت شروط محددة فإنهم يستندون بشكل خاص إلى قواعد المفاضلة بين المصالح والمفاسد المستمدة من مصادر الشريعة الإسلامية وأهمها :

  1. جواز ارتكاب أخف الضررين دفعاً لأعظمهما : ففي حالة اجتماع المصالح والمفاسد أو المنافع والمضار فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد جميعاً فهو ما يجب تحقيقه ، وإن تعذر ذلك وكان الضرر أكبر من المنفعة أو تساويا معاً فإنه يتعين دفع الضرر وتفويت المنفعة ، فالقاعدة الشرعية تقول : درء المفاسد أولى من جلب المنافع, أما إذا كانت المنفعة أعظم من الضرر فتقدم المنفعة، من ذلك مثلاً مصلحة إنقاذ المريض أولى بالرعاية من ضرر إنتهاك حرمة الموتى.
  2. يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام ومن تطبيقات هذا النص قاعدة الضرورات تبيح المحظورات التي باتت معروفة للجميع والتي بمقتضاها ترتفع الحرمة عن الأفعال إذا وجد الشخص نفسه أو غيره في حالة يخشى فيها حدوث ضرر على نفسه أو على نفس الآخر بحيث يكون هذا الضرر قائماً وحقيقياً وأن يكون الإلتجاء إلى الأمر المحظور هو الوسيلة الوحيدة لدفع الضرر في غالب ظنه. غير أن الفقهاء توسعوا في تقدير الضرر فقالوا بأن الضرورة التي ترفع المحظور لا تكون فقط بالإشراف على الهلاك إنما تقوم بخوف الهلاك، ولا يشترط فيها اليقين بل يكفي الظن .

وهذا الرأي الراجح لدى فقهاء المسلمين لا يتقيد بالإعتبارات الفقهية التي كانت سائدة لدى الفقهاء القدماء والتي يرون فيها مانعاً من التصرف في إجزاء الجثة، فالثابت لديهم بأن هذه الإعتبارات وهو هنا مبدأ حرمة الموتي لا يقصد به المحافظة على الجثة في مادتها بقدر ما يقصد به حماية ما تمثله من قيم معنوية عند الأهل بل وفي الذهنية الفكرية لدى الناس جميعاً.

وغني عن القول بأن مسألة زرع ونقل الأعضاء باتت من المواضيع التي أشبعتها الدراسات الشرعية بحثاً وتمحيصاً ، فالمجامع الفقهية والتي عقدت في الأردن والسعودية  ومصر والكويت وغيرها من الدول أفتت كلها بجواز  نقل أعضاء الميت وزرعها في أجساد من يحتاجون إليها شرط الموافقة المسبقة للشخص الواهب قبل موته أو من أهله بعد وفاته. بل وذهبت لجنة الفتاوى في الكويت بأبعد من ذلك حين ذكرت  في فتوى تقدم بها شخص يطلب فيه حكم الإسلام في شأن نقل الأعضاء عامة والكلى خاصة ، وذلك من الحي إلى الحي ، أو من الميت إلى الحي ، بوصية أو بدون وصية . فأجابت اللجنة بما يلي :

إذا كان المنقول منه ميتاً جاز النقل سواء أوصى أم لا ، إذ أن الضرورة في إنقاذ حي تبيح المحظور وهذا النقل لا يصار إليه إلاَّ للضرورة ، ويقدم الموصى له في ذلك عن غيره ، كما يقدم الأخذ من جثة من أوصى أو سمحت أسرته بذلك عن غيره.

كما  انتهت دار الإفتاء المصرية سنة 1979 بعد دراسة وافية إلى أنه يجوز شق بطن الإنسان الميت وأخذ عضو منه أو جزء من عضو لنقله إلى جسم إنسان حي آخر يغلب على ظن الطبيب استفادة هذا الأخير بالجزء المنقول إليه؛ رعاية للمصلحة الراجحة التي ارتآها وإعمالاً لقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، وأن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف ، وتأكدت هذه الفتوى في مقررات لجنة البحوث الفقهية بالمجمع منذ سنة 1992 إلى هذا الوقت. واستنادًا إلى ذلك فإن الفتاوى في هذا الموضوع ترجح جواز نقل عضو من أعضاء إنسان حي أو من إنسان ميت إلى مريض يرجى شفاؤه بهذا النقل، وينظر في ذلك بالترجيح بين المصالح؛ وفقًا لما تسفر عنه خبرة أولي الخبرة والرأي في تقدير مدى ما يحيق بالآدمي المعطي من ضرر حال حياته، ومدى ما يترجح أن يكسبه المريض الآخذ من فرص الشفاء، وذلك بمراعاة أن التقدير في الحالين لا يقدر فقط بما يتوقع أن يكون عليه حجم الضرر للمعطي بعد الإعطاء مقارنًا بحجم النفع للآخذ، وإنما يقدر أيضًا بمدى ما يترجح من احتمالات الضرر للمعطي ومدى ما يترجح من احتمالات النفع والشفاء بالنسبة للمريض، وكل ذلك إن كان النقل من آدمي حي. أما إن كان من جسم آدمي ميت، فإنه في مجال الترجيح بين المصلحتين لا تتمثل مصلحة المنقول منه فيما يحيق به من خطر على حياته الذاهبة بالموت، وإنما تتمثل في كرامة الجسم الآدمي ومدى الألم الذي يحيق بأقرباء الميت من شق جسمه وقطع عضو منه، ولا يثور أمر كرامة الجسم الآدمي ما دام يتعلق بحالة من حالات الضرورة، وما دام أن القطع في هذه الحالة إنما يُجرَى لعلاج آدمي؛ مما يعبر عن معاني التضامن البشري والرحمة والمودة.

كما توافقت مقررات مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة مع فتاوى دار الإفتاء المصرية ومجلس البحوث الإسلامية  بشأن زراعة الأعضاء حيث صدرت عن المجمع الفقهي القرارات التالية:

  • إن أخذ عضو من جسم إنسان حي، وزرعه في جسم إنسان آخر مضطر إليه لإنقاذ حياته، أو لاستعادة وظيفة من وظائف أعضائه الأساسية هو عمل جائز لا يتنافى مع الكرامة الإنسانية بالنسبة للمأخوذ منه، كما أن فيه مصلحة كبيرة وإعانة خيرة للمزروع فيه، وهو عمل مشروع وحميد إذا توافرت فيه الشرائط التالية:
  1. أن لا يضر أخذ العضو من المتبرع ضرراً يخل بحياته العادية، لأن القاعدة الشرعية أن الضرر لا يزال بضرر مثله، ولا بأشد منه، ولأن التبرع حينئذ يكون من قبيل الإلقاء بالنفس إلى التهلكة، وهو أمر غير جائز شرعاً.
  2. أن يكون إعطاء العضو طوعاً من المتبرع دون إكراه.
  3. أن يكون زرع العضو هو الوسيلة الطبية الوحيدة الممكنة لمعالجة المريض المضطر.
  4. أن يكون نجاح كل من عمليتي النزع والزرع محققاً في العادة أو غالباً.
  5. أن يكون الاتفاق على جواز نقل العضو في الحالات التي تم بيانها، مشروط بأن لا يتم ذلك بوساطة بيع العضو. إذ لا يجوز إخضاع أعضاء الإنسان للبيع بحال ما، أما بذل المال من المستفيد، ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند الضرورة أو مكافأة وتكريما. فمحل اجتهاد ونظر.
  • وكذلك يعتبر جائزاً الاستفادة من جزء من العضو الذي استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص آخر كأخذ قرنية العين لإنسان ما عند استئصال العين لعلة مرضية
  • يعتبر جائزاً شرعاً أخذ العضو من إنسان ميت لإنقاذ إنسان آخر مضطر إليه، بشرط أن يكون المأخوذ منه مكلفاً وقد أذن بذلك حال حياته أو ورثته بعد موته أو بشرط موافقة الحاكم أو السلطات العامة إن كان المتوفى مجهول الهوية أو لا ورثة له

 كما  عقدت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بدولة الكويت بالاشتراك مع مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة/ – الندوة الفقهية الطبية السادسة من سلسلة ندواتها حول “الإسلام والمشكلات الطبية المعاصرةسنة  1989 م وكان عنوان الندوة “زراعة الأعضاء”. وخصصت هذه الندوة لمواضيع زراعة خلايا المخ والجهاز العصبي ومدى الاستفادة من المولود اللادماغي والأجنة المجهضة  ونقل بعض الأجهزة التناسلية وقررت في هذه المسألة الأخيرة :

أولاً: زرع الغدد التناسلية: بما أن الخصية والمبيض يستمران في حمل وإفراز الصفات الوراثية (الشفرة الوراثية) للمنقول منه حتى بعد زرعهما في متلقٍّ جديد، فإن زرعهما محرم شرعاً.

ثانياً: زرع أعضاء الجهاز التناسلي: زرع بعض أعضاء الجهاز التناسلي التي لا تنقل الصفات الوراثية – ما عدا العورات المغلظة – جائز لضرورة مشروعة ووفق الضوابط والمعايير الشرعية المبينة للمجمع.

 كما قررت في موضوع استخدام الأجنة مصدرا لزراعة الأعضاء والتجارب عليها بأنه لا يجوز استخدام الأجنة مصدرا للأعضاء المطلوب زرعها في إنسان آخر أو التجارب عليها إلا بضوابط لا بد من توافرها حسب الحالات التالية :

  • لا يجوز إحداث إجهاض من أجل استخدام الجنين لزرع أعضاء في إنسان آخر بل يقتصر على الإجهاض التلقائي أو الإجهاض للعذر الشرعي .
  • إذا كان الجنين قابلا لاستمرار الحياة فينبغي أن يتجه العلاج الطبي إلى استبقاء حياته والمحافظة عليها لا إلى استثماره لزراعة الأعضاء.
  • لا يجوز أن تخضع عمليات زرع الأعضاء للأغراض التجارية على الإطلاق.
  • لا بد أن يسند الإشراف على هذه الأمور إلى هيئة معتبرة موثوقة.
  • وفي كافة الأحوال يجب احترام جسم الإنسان وتكريمه.

       غير أن عقدة الموضوع في نقل الأعضاء بين الآدميين لا ترد في مسألة جواز النقل عند الضرورة، فهذه مسألة لا تحتاج إلى مزيد من البيان، ولكن عقدة الموضوع الحقيقية هي في نزع العضو المراد نقله، على أن يكون صالحًا للاستزراع في جسم المنقول إليه، وأن يكون النزع بعد موت المنقول منه. عقدة الموضوع هي  كيف يمكن نزع العضو النابض بعد موت صاحبه؟ وهل هناك تناقض بين أن يكون العضو نابضًا وأن يكون صاحبه ميتًا؟ وهذا ما يثير موضوع تحديد معنى الموت . فالموت ليس واقعة طبية فقط، إنما هو أيضاً حقيقة دينية فلسفية وواقعة قانونية وحالة اجتماعية.  من أجل هذا الموضوع بحثت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في ندوة تتعلق ببداية الحياة ونهايتها، بين الفقهاء والأطباء  وأصدرت فيها قرار اعتمد عليه المجمع الفقهي الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي والمنعقد  في عَمَّان سنة 1986م وأصدر قرارا مفاده أن الموت يتحقق بأحد أمرين إما بتوقف القلب توقفاً لا رجعة فيه ويقرر ذلك الأطباء المختصون والأمر الثاني إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائياً، وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه، وأخذ دماغه للتحليل ، فإذا وجد أحد الأمرين فيعتبر الشخص في هذه الحالة متوفى، وجاز تبعاً لذلك الإستفادة من نقل أعضاءه الى شخص آخر. وقد أكد  مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته العاشرة، المنعقدة بمكة المكرمة سنة 1987م هذا التعريف للموت الدماغي بقوله : إن المريض الذي ركبت على جسمه أجهزة الإنعاش، يجوز رفعها، إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائياً، وقررت لجنة من ثلاثة أطباء اختصاصيين خبراء أن التعطيل لا رجعة فيه، وإن كان القلب والتنفس لا يزالان يعملان آلياً، بفعل الأجهزة المركبة، لكن لا يحكم بموته شرعاً، إلا إذا توقف التنفس والقلب، توقفاً تاماً بعد رفع هذه الأجهزة.

وختاماً أقول بأنه إذا كان تبرع الإنسان بعضو من أعضاءه بعد موته أو أثناء حياته في حالة عدم إلحاق الضرر به، من الأمور المستحبة في نظر غالبية الفقهاء المسلمين لعموم الآيات القرآنية ونصوص الأحاديث النبوية التي تحض على الإيثار و تنفيث الهم والكرب عن الآخرين فإن الشرع الإسلامي يعتبر أن إنقاذ نفس واحدة يعد بمثابة إحياء لحياة الناس جميعا . وقد جاء في القرآن الكريم : ” أنه من قتل نفسا بغير نفس او فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ” فهذه الآية تفيد بأن من يقوم بإنقاذ إنسان من الموت إنما يحفظ مصلحة اجتماعية ، لأن الواحد يمثل النوع الإنساني في جملته ولأن الباعث له على إنقاذ النفس الواحدة هو الإقرار بقيمة الحياة الإنسانية واحترامها . وتطبيقاً لذلك فإنه إذا كان إعطاء انسان عضواً من أعضاءه لإنسان آخر مريض ستترتب عليه إنقاذه من الهلاك فإنه يعد عملاً مميزاً للتضامن الإنساني ومعبراً عن معاني الرحمة والمودة ومن ثم متفقاً مع الكرامة الإنسانية ومتوافقاً مع المقاصد العليا للأديان السماوية.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare