عالم الدين في الميزان
يُطلق على المتخصصين في كافة العلوم أسماء تشير إلى تخصصاتهم وليس إلى كفاءاتهم من طبيب ومهندس وطيار وسائق ونائب ووزير ومعلم ومدير. في ذهننا عندما نطلق هذه الصفات بأن منهم الناجح المتفوق والساقط الفاشل. يخطئ من يعتقد بأن رجال الدين لا تسري عليهم نفس القاعدة. فرجل الدين ليس بالضرورة التقي النقي الصادق الورع، وهو من تُقبّل يده ويُستجاب دعاءه ويُتقرب إلى الله ببركة صحبته. الحقيقة التي يجب أن تدخل في الأذهان بأن رجل الدين وهو ما يطلق عليه في الإسلام “عالم الدين” وهو التعبير الأصح، من كان لديه علم تخصصي في علوم الدين وبالتالي فمنهم الكفء الصالح ومنهم الجاهل الغافل ومنهم الماجن الكذوب. لا يحاط بالقداسة والصلاح والنقاء إلا من كان أهلاً لذلك، وتخفّى عن أوجه الناس تواضعاً. من سيماهم تعرفونهم من كثرة تواضعهم وصدق ألسنتهم وابتعادهم عن المداهنة والمدح والتجريح ومد الأيادي للتقبيل والتبرك، إذا عرض عليهم ما يخالف منحاهم ورأيهم كان منهجهم : “رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب”.
أقرأ لبعضهم فأجد أن منهج أكثرهم حين يجدون نصاً دينياً يعتقدونُهُ دخيلًا ومشوَّشًا وغير ثابت، أو ينافي العقل والعلم، فإنّهم َيناقشونه بكل أدب ورقي وحسن تدبر. وحين يجدون في مطلً آخر أصحاب الجمود والعقول المغلقة متمسكين بنصوص دينية غير ثابتة يأبون المساس بها أو تأويلها، فإنّهم يقولون – مُحسني الظن بهم – إنَّما هدفهم هو الدفاع عن الدين والمحافظة على ثوابته وموروثاته، حتَّى على هزيلها وضعيفها. من وحي أفكار العلَّامة الشيخ عبد الله العلايلي رحمه الله قوله : ليس من باب المحافظة على التراث الحرصُ على تقليده مع العلم بأنَّه خطأ، أو التوهُّم بأنَّ البحث فيه قد يوقعه بالمحظور؛ وليس خروجًا عن المألوف المتوارث التصحيحُ الذي يعيد للمبادئ أصوليتها وأنفعيَّتها للناس ومواكبتها للتجدُّد المنضبط المبني على الإيمان والعلم والمعرفة والحكمة.