كي لا يوضع حرّاس الدين في موضع الشك
- على مقاعد الدراسة الأزهرية تلقى كل واحد منا الى جانب العلوم الدينية التخصصية قيماً اخلاقية وسلوكيات في حياتنا اليومية، ثم بعد تخرجنا قام كل واحد منا بإعادة برمجة سلوكياته وفق ما تعلمناه، أو بالإبتعاد عنها ووضعها خلف ظهره. بعض هذه السلوكيات التي أثّرت فينا وقلبتنا رأساً على عقب : الدفاع عن الحقيقة مهما كان الثمن غالياً، وذلك يتمثل في قول الله تعالى : (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون)، والقاعدة الشرعية : “ما بني على الباطل فهو باطل”. سأكتفي هنا بهذه الآية الكريمة وبهذه القاعدة الشرعية. لأنفذ منهما إلى إلزامية قول الحق وبطلان ما بني على الباطل.
عندما يصدر تصرف من جهة يفترض بأنها القيّمة على أمور الدين والتشريع فيما يعود لها من اختصاصات، وتتصف بأنها الجهة الحارسة لتعاليم الدين ومبادئه ومنها انها المتصدرة للمطلب القرآني بعدم جواز التكتم عن الحق، ليتبين بعد ذلك بأن هناك شكوكاً حول حدثٍ أقرّته لما يمكن اعتباره باطلاً من حيث إجراءاته وحيثياته، فإن كان باطلاُ فإنه يؤدي إلى بطلان نتائجه.
إزاء ذلك نسأل إلى من تعود الصلاحية في تبيان بطلانه من عدمه، والبت في مشروعيته في حال إصرار هذه الجهة على عدم رضوخها لقواعد المسؤولية حين يُشك في كونها خالفت المعايير القرآنية والقواعد الشرعية ؟ هل تكون هذه الجهة نفسها صالحة أيضاً وحصرياً بالبت فيه تأييداً أو إبطالاً ؟ مما يضعها في خانة ما قاله المتنبي :
يا أعدل الناس إلا في معاملتي فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
للحيلولة دون ذلك أوجد الفقهاء مخرجاً في إقرارهم لقضاء عالي من نوع خاص، يهدف الى رفع المظالم عن الرعية ومحاسبة الولاة والقادة ورجال الدولة وكباررجال الدين ويتميز بالهيبة والرهبة التي تمنع المعتدي وتحول دون تعسف الإدارة عما قد يعجز عنه القضاء العادي. وقد عرفه ابن خلدون بأنه وظيفة ممتزجة بين سطوة السلطنة ومنصفة القضاء لردع الظالم. وهو بالتالي يمنع الإحتكام إلى نفس الجهة التي أصدرت الحكم. هذا المخرج هو ما يعرف بديوان المظالم، وفي صورته الحديثة بالقضاء الإداري.
وهنا أسأل : هل يوجد من أعضاء هذا المجلس أو من المطّلعين على بواطن الأمور من تكون له الجرأة في قول الحق مهما كان الثمن، و إلا فإن سكوتهم حاضراً يتنافى مع تأهيلهم لتولي أي منصب مستقبلاً، وهو مما يخالف تعاليم القرآن والسنة والآثار المنقولة عن الصحابة ومنها قول الإمام علي : “حين سكت أهل الحق عن الباطل توهم أهل الباطل أنهم على حق”…