لماذا تعتبر مناسبة بشارة السيدة مريم عيداً وطنياً جامعاً – جريدة اللواء 25 آذار 2010
لماذا تعتبر مناسبة بشارة السيدة مريم عيداً وطنياً جامعاً – جريدة اللواء 25 آذار 2010
لماذا تعتبر مناسبة بشارة السيدة مريم عيداً وطنياً جامعاً
تتصف بعض الحركات العقائدية في مشرقنا العربي والإسلامي بذكائهم العاطفي الذي يحيلون إليه أفكارهم ومواقفهم المتسرعة دون أن يقوموا بعرضها على عقولهم الواعية والمتأنية التي يعود إليها اتخاذ القرارات الصائبة· وأكثر ما تثب إليه الأمور وتتخذ على ضوئه المواقف الفورية وغير المتأنية، هي الأمور التي تمس الدين والمعتقد· والحقيقة أننا إذا أمعنا النظر في الرسالات السماوية وفي الإسلام على وجه الخصوص لوجدنا وفرة في الأحاديث النبوية والآثار المنقولة عن الصحابة وعن الخلفاء الراشدين التي تشير الى ضرورة إعمال العقل قبل العاطفة والغريزة·
ولعل أول ما يتبادر الى ذهني مع كثرة الأدلة المتلاحقة والمستقاة من مصادر التشريع الإسلامي هي حادثة تدنيس الأعرابي للمسجد بعفوية وسذاجة وقول النبي # لمن أراد من الصحابة النيل منه: <لا تروعوه لا تروعوه فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين>، وأيضاً مواقف سحب السيوف في المساجد والتهيؤ لإنزال أقصى العقاب بحق من اعترض على السمع والطاعة على ما قاله الخليفة الحاكم: <اسمعوا وأطيعوا>، حيث تغلبت حكمة الخليفة بقوله: <دعوه فوالله لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها>، أو قوله <لم يرحمك الله؟> في وجه من صرخ على مسمعه: <لا سمعاً ولا طاعة> قبل أن يبادر الخليفة الى شرح الأمر وتبيان الحقيقة، والتي قد تؤدي الى تراجع الخليفة عن رأيه: <أصابت امرأة وأخطأ عمر>، أو يتفهم المعترض لما أبداه الخليفة من رأي أو قام به من عمل·
هذه المواقف التي تدل على سرعة اتخاذ القرار غير الصائب لدى البعض والاحتكام الى الانفعال العفوي بدل المعالجة الهادثة هي التي عارضها القرآن والسنة في مواضع كثيرة· ولعل السلوك النبوي في التصدي لمثل هذه الظاهرة ولما قام به بعض الصحابة والخلفاء ندرّ أن يكون له ما يماثله في أنظمة العالم الأكثر حضارة· هذه التربية النبوية هي التي جعلتني أتهيأ لشرح ما بادرت به الدولة اللبنانية في إعلان يوم الخامس والعشرين من آذار عيداً وطنياً جامعاً يعيد به اللبنانيون مسلمين ومسيحيين ببشارة السيدة العذراء مريم· وكعادتي سوف أطلب من كل من تثب الى ذكائه العاطفي أفكار الإعتراض والتململ أن يعرض ذلك على عقله الواعي والذي يحيله الى موقف الدين والشرع وليس الى الهوى الشخصي والآني·
الفكرة
· كيف نشأت فكرة اللقاء الإسلامي المسيحي حول سيدتنا مريم العذراء، وإعلانه عيداً وطنياً؟ لا بد لي من العودة الى الوراء والى الأشهر التي واكبت انهيار الشيوعية في الغرب· فمن يقرأ ما كتب ويستقرئ الأحداث بعد انهيار الاتحاد السوفياتي سيجد بأن التركيز على وجود عدو جديد للغرب هو المحور الأساسي الذي عملت على أساسه الصهيونية العالمية وفبركته في كل أجزائه لإقناع دول العالم بأن العدو الجديد بعد انهيار الشيوعية هو الإسلام، وقد بررت هذا العداء نظراً لما يحمله الإسلام من معتقدات وأفكار تتناقض كما تزعم – مع مبادئ الديمقراطية والحضارة والتقدم· ومن كان لديه اطلاع على ما أثير ويثار في الغرب من قضايا لوجد أنها تصب كلها في هذا الاتجاه: فمن قضايا الحجاب وحقوق المرأة والأحوال الشخصية والإرهاب ومعاداة الديمقراطية والرسوم الكاريكاتورية المستهزئة بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام مروراً بقتل الأبرياء في الجزائر وتهجير المسيحيين في العراق ومحاولات الإيقاع بين الأقباط والمسلمين في مصر·· الخ إزاء هذه الإفتراءات والفتن كان الرد الإسلامي عليها ردعاً دفاعياً وآنياً·
ففي كل مرة يثار فيها العالم العربي والإسلامي عن قصد وسوء نية مبيتة كانت الردود العاطفية والسريعة على هذه الافتراءات هي الهدف، وكأن المقصود من هذه الافتراءات ليست العناوين بذاتها وإنما المقصود هو الإيقاع بالعرب وبالمسلمين، حيث ينتظر أصحاب اللعبة والقائمون على هذه التجارب الردود العاطفية الشاجبة لنقلها الى العالم على أنها همجية وغير حضارية·
هذه الافتراءات التي تفننت الصهيونية بإثارتها ونقلها من مكان الى آخر ومن عنوان الى عنوان ما زالت تترصد كل الشرور بالعالم الإسلامي والعربي، ومنها على سبيل المثال إشعال نار الفتنة بين المسلمين والمسيحيين في أكثر من بلد ومحاولة إخراج المسيحيين من هذه المنطقة، الى اذكاء الفتنة بين المسلمين أنفسهم، إزاء هذه الإحداث والتي يساق إليها العالم العربي والإسلامي سوقاً لا توجد خطة واعية ومحكمة لابراز صورة الإسلام الحقيقية والحضارية بصورة تلقائية وغير انفعالية·
احترام التعددية أمام هذه الإنفعالات وردود فعل الشارع الإسلامي العفوي والاكتفاء باتباع سياسة الرد عند الهجوم هي التي دفعتني الى التفكير في كيفية التصدي الإيجابي على هذه الإفتراءات، وهذه المنهجية التي آليت نفسي على القيام بها منذ عدة سنوات ساهمت بجهد متواضع وفي محيط ضيق في إظهار بعض النواحي الحضارية الرائعة من تاريخنا الإسلامي والنظم التشريعية التي يزخر بها فقهنا في كافة المجالات· بل وإن عقيدتنا الإسلامية القائمة على احترام التعددية الدينية ذهبت الى أبعد الحدود عندما طالبت المسلم بالإلتقاء مع أهل الكتاب على كلمة سواء يجتمعون بها حول الإيمان بالله واحترام الأنبياء والرسالات السماوية· بل وأن العلاقة ما بين المسلم والآخر المختلف دينياً هي ما رسمه القرآن الكريم عند قوله: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} فالسيئة التي ذكرها القرآن الكريم في هذه الآية هي في مجال تقييم التصرف مع الآخر وهي لا تعني أن يتصرف الإنسان المؤمن تصرفاً سيئاً بحد ذاته يسيء الى الآخر وإنما تعني أن تصرفه الحسن مع الاخر ينقلب الى سيء بمجرد وجود تصرف أفضل منه· هذا التصرف الإسلامي الواجب الإتباع مع الآخر الذي نختلف معه أو تباعدنا عنه المشاحنات، فما بال الآخر إذا كان شريكاً لنا في الوطن وفي المأكل والمشرب والجوار·
كلمة سواء
لقد أطلقت مبادرتي بهذا الخصوص منذ سنوات عديدة: وهي أن نبحث نحن المسلمين والمسيحيين عن مبادئ مشتركة طبيعية غير مصطنعة لكي نلتقي بها سوياً من أجل كلمة سواء، نؤكد فيها إيماننا بالله وبرسله وأنبيائه وكتبه السماوية التي يؤمن بها كل واحد منا على حدة وباليوم الاخر وبالأعمال الصالحة الخيرة· وقد كانت باكورة هذه المبادرات التي أطلقتها في بعض الدول الأوروبية وفي لبنان هي الإلتقاء حول سيدتنا مريم لِمَا تحمله من معاني الإصطفاء والطهارة والفضل على نساء العالمين، نشترك نحن المسلمين والمسيحيين بمحبتها وبمحبة ابنها السيد المسيح (عليهما السلام) وبالإيمان بالمعجزة التي تلقتها بين نساء العالمين بقدرة الكلمة <كن> فكانت بشارة الملك جبريل لها وحبلها دون أي واسطة بشرية إظهاراً لهذه القدرة الإلهية المعجزة· هذه النقاط المشتركة هي التي دفعتنا إلى الإلتقاء حولها حيث يتجاذبنا الحديث في لقاء سنوي يجمعنا ذكرها ومحبتنا لها ومحبتها لنا: فيقرأ المسلم ما أفرده القرآن بسورة تحمل اسمها دون أن يشترك معها بهذه الخصوصية أحد من النساء على الإطلاق، ويقرأ المسيحي ما ذكره انجيله من كلام عن سيرتها، وينشد المسلم أناشيد دينية عن حبها لله واصطفائها على نساء العالمين، ويلقي المسيحي ترانيمه المقدسة التي تمجد اسمها، وأخيراً ندعو نحن المسلمون والمسيحيون مجتمعين بدعاء نتضرع به إلى الله ليحمي لنا وطننا لبنان من الفتن، ويجعل المحبة والمودة تعمان بين جميع أبنائه·
هذا الإلتقاء المشترك يخدم الوطن وأبناءه الذين يعيشون فيه ولا يضر إلا بالعدو الذي يترقب الفتنة والجدل لإظهار عدم إمكانية عيش المسلمين والمسيحيين مع غيرهم من اتباع الديانات الأخرى، هذا الإلتقاء سوياً كمسلمين ومسيحيين يعرف الآخر المختلف عنه في العقيدة بأنه يشترك معه أيضاً إضافة إلى مواطنيته في محبة شخصية دينية محببة ومصطفاة وطاهرة، بل وأماً حنوناً عطوفاً ومشفقة· ولا يضر بعقيدة المسلم ولا بعقيدة المسيحي أن يسمع ما يشترك به مع الآخر في هذه المحبة حيث لا يذكر بهذا اللقاء إلا ما نشترك به مسيحيين ومسلمين من محبة وتبجيل لهذه البتول الصديقة الطاهرة، ولا نبحث فيما نختلف فيه، فيبقى المسلم مسلماً ويبقى المسيحي مسيحياً· كما لا يهدف هذا اللقاء لإضافة عيد ديني آخر إلى أعياد المسلمين فلا مجال في العقيدة الإسلامية أن نضيف أي سلطة سياسية أو <دينية> على العيدين الإسلاميين: عيد الفطر وعيد الأضحى أي عيد آخر· ولا يضاف لدى المسيحيين عيد جديد فيبقى لعيد البشارة الديني طقوسه واحتفالاته المتبعة ولا يغني هذا الإلتقاء المريمي عن طقوس ومراسم عيد البشارة المسيحي· ولا يوجد في هذا اللقاء أي شعائر دينية إسلامية أو مسيحية مشتركة فلا يبتدع هذا اللقاء ديناً جديداً ولا عقيدة جديدة ولا طقوساً مختلفة للمناسبة· لذلك كان اصرارنا منذ اللحظات الأولى للمطالبة بأن يكون هذا اللقاء عيداً وطنياً جامعاً وليس عيداً دينياً على الإطلاق·
ظاهرة ثقافية عالمية
لقد أوجد هذا اللقاء ظاهرة ثقافية عالمية جديدة خدمت الإسلام والمسيحية على السواء، وأظهرت بأن المسلم والمسيحي لديهما المقدرة انطلاقاً من إيمانهما بالله الواحد وبمبادئ دينهما السامية وبمحبتهما المشتركة لسيدتنا وسيدة نساء الكون مريم أن بامكانهما العيش سوياً في وطن واحد يحترم كل واحد منهما دين الآخر ومعتقده، ويتركون ما يختلفون فيه إلى يوم الحساب ويوم الدينونة حيث يطلع الله مؤمنيه بما اختلفوا فيه، ويحاسبهم عليه بمقتضى عدله ورحمته· إن هذه الظاهرة التي تجاوزت الوطن وعبرت الحدود لن تروق لعدونا المشترك القابع على حدودنا الجنوبية، فبهذا اللقاء تقويض لما تقوم عليه دولته من حصرية انتماء ابنائها إلى دين واحد وهو الدين اليهودي، ودعوته إلى عدم إمكانية التعايش المتنوع في بلد واحد وهو ما يدعو إليه الإسلام والمسيحية على حد سواء·
شكر وعهد
· إن هذه المبادرة التي قامت بها الحكومة اللبنانية، بل أن سرعة استجابة المسؤولين لها في الدولة وعلى رأسهم دولة رئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد الحريري الذي حمل الفكرة وتعهدها بعد سلفه دولة الرئيس فؤاد السنيورة رسمت نوعاً جديداً وفريداً من العلاقات الإسلامية المسيحية، لن نعرف ابعادها الإيجابية على قول أحد المسؤولين السياسيين إلا بعد سنين عديدة·
أشكر في هذا المناسبة كل من ساهم معي في حمل هذه الفكرة وروج لها وأخص بالذكر أعضاء اللقاء الإسلامي المسيحي حول سيدتنا مريم وأخص بينهم شريكي في هذه المبادرة الأستاذ ناجي خوري الذي كان يراوده حلم هذا اللقاء منذ سنوات عديدة وقام بتنظيم احتفالاته بجدية وحيوية ليس لها مثيل، كما اشكر العضوين الدائمين في هذا اللقاء – عضوي لجنة الحوار الإسلامي المسيحي الأستاذ محمد السمّاك وحارس شهاب اللذين حملا إلى الدولة مطلب إطلاق هذا اللقاء ليكون عيداَ وطنياً تحتفل به الدولة ويوم تعطيل رسمي وعملا على إقراره· وأشكر معالي الوزير الأستاذ إبراهيم محمد مهدي شمس الدين العضو المؤسس معنا لهذا اللقاء والمشارك في اطلاق هذا المشروع، وأدعو الله تعالى أن يعطي الصحة والعافية لرئيس هذا اللقاء معالي الوزير ميشال إدة وأن يكون معنا في اللقاءات القادمة إن شاء الله·
وانتظاراً لتحقيق مشاريعنا المستقبلية بعد تسمية ساحة المتحف باسم السيدة العذراء مريم (عليها السلام)، نتعاهد معكم على افتتاح مركز الدراسات الإسلامية المسيحية حول سيدتنا مريم، وبإطلاق مشروع الطابع البريدي الذي يحمل اسم السيدة العذراء إلى جانب مشاريع أخرى كثيرة تبصر النور في حينها·
كل عام وأنتم بخير بل وكل عام وأنتم مسلمو ومسيحيو لبنان وكل العالم بألف خير·