مدونة

ليس كل العبيد يحملون مظلات عندما تمطر السماء حرية

العبيد ومظلات الحرية
Pensées et Articles / مدونتي

ليس كل العبيد يحملون مظلات عندما تمطر السماء حرية

 ليس كل العبيد يحملون مظلات عندما تمطر السماء حرية

 

كان في بلادٍ بعيدة حاكمٌ أقام بينه وبين شعبه جداراً من اللامبالاة، تهيّأ له أن كل ما يسمعه من حوله ليس شتائم بل هو تصفيق. وكان المقربون منه يزيدونه إقناعاً بأن البلاد كلها تحبه حباً لا حدود له. ومع مرور السنوات، صدّق الرجل المشهد. ثم صدّق نفسه. ثم أصبح يظن أن صوته هو صوت الشعب، وأن إرادته هي إرادة البلاد، وأن من يعارضه لا بد أن يكون خائناً أو مجنوناً أو عميلاً. حتى جاء يومٌ أراد فيه الحاكم أن يحشد الناس لمبايعته مجدداً. فأمر بجمعهم في الساحة الكبرى، جاؤوا مكرهين أو متلونين. وحملت أيديهم اللافتات. وارتفعت الأصوات. وقف الحاكم على منصته، ونظر إلى الآلاف في الأسفل، فابتسم ابتسامة المنتصر

بدأ يتكلم. صفّق أكثرهم رياء. وهمس أكثرهم تململاً وإحباطاً فأراد أن يتأكد وأشار إلى أحد مرافقيه وكان أكثرهم جبناً، وسأله عن هذا الهمس فقال له : ربما… إنهم متحمسون أكثر من اللازم. فقال الحاكم: وبماذا يهمسون؟ تردد الرجل. ثم قال بجرأة : إنهم… يطلبون منك أن ترحل،  ضحك الحاكم وظن أنه مصدر السلطات فأرعد وأزبد وخوّن وتوعد. كان الحاكم قد عاش طويلاً في دار مغلقة، لا يدخلها إلا من يقول له ما يحب أن يسمعه. لم يكن حوله أصدقاء. بل كان حوله موظفون. ولم يكن يسمع الحقيقة. كان يسمع صدى نفسه. وهنا بدأت المأساة. فالرجل الذي لا يسمح لأحد بأن يقول له : «أنت مخطئ»، ينتهي به الأمر إلى الاعتقاد بأنه لا يخطئ، والرجل الذي يعاقب من ينتقده، ينتهي به الأمر إلى الاعتقاد أن الجميع يؤيده. والرجل الذي يجعل الخوف لغة الحكم، ينسى أن الخائف قد يصفق بيديه، لكنه لا ينسى ما في قلبه. وفي ذلك اليوم، اكتشف الحاكم متأخراً أن التصفيق الذي كان يسمعه طوال سنوات لم يكن حباً، بل كان اشمئزازاً وهجوماً، وأن الذين كانوا يهتفون لم يكونوا جميعاً مؤيدين له. كان بعضهم يخشى أن يصمت. وبعضهم يخشى أن يتكلم. وبعضهم كان ينتظر فقط اللحظة التي يسقط فيها القناع… وحين سقط القناع لم يعد الحاكم يرى شعباً يصفق. رأى شعباً يستعيد صوته. هرب الرجل الذي كان يظن أن البلاد كلها تحت قدميه، بعدما اكتشف أن الدار التي ظنها حصناً لم يكن إلا جدراناً تحميه ما دام الموظفون خائفين.

إنها قصة حقيقية، قصة رئيس رومانيا، تشاوتشيسكو، العبرة في هذه الحادثة في كل حاكم يحيط نفسه برجال يقولون له دائماً: «نعم». في كل مسؤول يطرد الناصح ويقرّب المنافق. في كل قائد يظن أن الإعلام الموظف لديه والذي يمدحه هو قناع يتهاوى بسرعة أمام إنجلاء الحقيقة. وفي كل سلطة تعتبر النقد خيانة، والمعارضة مؤامرة، والصمت موافقة. فأخطر لحظة في حياة الحاكم ليست حين يبدأ الناس بانتقاده. بل حين يكيل له الناس الشتائم، ويبدأ هو بتفسير شتائمهم على أنه خيانة ومؤامرة مدبرة ضده.

وأخطر من ذلك أن يعيش سنوات طويلة محاطاً بمن يصفقون له، حتى يصبح عاجزاً عن التمييز بين التصفيق الحقيقي والتصفيق الذي يصنعه الرياء والخشية. وقد خاب ظنه حين عرف أن العبيد قد يرفعون أيديهم بالتصفيق، لكنهم لا يرفعونها حباً. وقد يبتسمون في وجه سيدهم، بينما يحملون في صدورهم ألف كلمة لا يستطيعون قولها.

وحين تأتي الحرية فجأة، لا تعرف الأيدي كيف تتصرف، هل كالعبيد إذا أمطرت عليهم الحرية… حملوا المظلات. أم حملوا الفؤوس والحراب طلباً للعدل وللحقيقة لكن الحرية لا تبقى خلف الأبواب إلى الأبد. يأتي يومٌ ينفتح فيه الباب، ويرحل هو وأتباعه.

ولهذا، فإن أعظم نصيحة يمكن أن تُقال لكل مسؤول أو قائد: لا تسأل من حولك من مستشارين وقضاة ومحامين : كم يحبني الناس؟ بل اسألهم: ماذا يقول الناس عني حين لا أكون بينهم؟ واسمح لهم أن يجيبوا. فقد يكون الرجل الذي يخبرك بالحقيقة عدواً لغرورك، لكنه صديقٌ لبقائك. أما الذي لا يقول لك إلا ما تحب سماعه، فقد يكون أول من يختفي عندما تسقط.

فالحاكم العاقل يخاف من اليوم الذي لا يسمع فيه إلا المديح؛ لأن المديح الدائم قد يكون آخر صوت يسمعه قبل أن يسمع صوت الشعب الحقيقي. والحكمة مما يردد ويقال «إن العبيد إذا أمطرت عليهم الحرية حملوا المظلات» لا تدين الحاكم وحده، بل تشير أيضاً إلى مأساة المجتمع الذي طال عليه الخوف حتى صار يخشى الحرية نفسها.

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare