مدونة

ما بين حاتم وحايم

حاتم
مدونتي / من الصحف

ما بين حاتم وحايم

ما بين حاتم وحايم

 عنيت بهذا العنوان شخصيتان ليسا من نسج الخيال فالأول منهما يرمز الى صفات راسخة في “جينات” الشخصية العربية، والثاني الى شخصية حديثة ترمز الى الفكر الصهيوني بحرفيته وحصريته وأنانيته وتكبره واستعلائه. عنيت بالإسم الأول “حاتم الطائي” الذي عاش في الجزيرة العربية فيما قبل الإسلام، وهو من شعراء قبيلة طي المسيحية في حينها، وكانت تضرب به الأمثال لعظيم كرمه وجوده. لئن فاق كرمه كل ما كان يتصف به العرب في عصره وزمانه إلا أن الأمثلة ما زالت الى الآن تضرب فيما يجود به العرب من تقديمات ومكرمات، فأردت من خلاله أن اختزل صفة من صفات الإنسان العربي التي ندر أن يتفوق في الإتصاف بها شعب آخر من شعوب هذا العالم في الكرم والجود والعطاء. ما يقال في قصته أن كسرى أراد شراء الفرس الذي كان يمتطيه حاتم، لما كان يعرف عنه من نقاء في النسب وقوة في البدن وسرعة في مجاراة الريح، مما جعل صيته ينتشر في بلاد العرب ويتدافع أغنياء القوم لاقتناءه وشراءه بأغلى الأثمان. ولم يكن ذلك ليثني حاتم عن الإمساك به رغم كل الإغراءات بكل عناد وإصرار وتصميم. عندما استقبل حاتم موفد كسرى لم يسأله عن حاجته كما هو معروف عند العرب الا بعد ثلاثة أيام من الإقامة وحفاوة الإستقبال. بعد مرور اليوم الثالث أخبر موفد كسرى حاتم عن سبب مجيئه، فأخبره حاتم بأنه والحال هذه من العوز والفقر الذي يعيشه لم يتوان عن ذبح فرسه ليقدمه له ويؤدي واجبه فيما تعارف عليه العرب من آدب الضيافة وبذل كل ما يملكونه للترحيب والتأهيل.

العبرة من هذه القصة التي لم يفهمها أعداؤنا من أبناء عمومتنا بأننا في مقاربتنا للشخصية العربية المتمثلة في جانب من شخصية “حاتم” تتأكد ملامح ومكنونات هذه الشخصية، لتقول لمن كانت له أذنان تسمعان وعينان تبصران، وعقل راجح يفكر ويتدبر، بأنه يستطيع أن يأخذ من العربي أعز وأغلى ما يملك برضاءه وسخاءه وكرمه. ولكن لن يكون بمقدور أحد أن يأخذ غصباً عنه لا أرضاً ولا مالاً ولا ملكاً. فشخصية الإنسان العربي لا تنسى ولا تتقهقر ولا تتراجع في انتهاك الآخر لحقوقه وسلبه إياها مهما طال الزمن وتداولت عصور التاريخ…فالحرب سجال كما يقول المأثور عند العرب.

وأما عن شخصية “حايم”، فأعني به “حايم ويزمان” لأختزل من خلاله شخصية أبناء عمومتنا من اعداءنا الصهاينة، فحايم هو الذي لعب الدور الأهم في استصدار وعد بلفور (في نوفمبر 1917)، وكان وايزمان رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية بين عامي 1920 و1946، ثم انتخب كأول رئيس لدولة إسرائيل في عام 1949. إن قلت بأنه يختزل شخصية الصهاينة فلأنهم يستلهمون من مجريات أحداث حصلت منذ آلاف السنين ليبنوا لهم عليها حقاً تاريخياً مزعوماً مبنياً على الطرد والإستبعاد والقدح بأذم الصفات والعبارات لكل صاحب حق بدافع الإستعلاء والإستكبار والإستئثار والإختيار كشعب الله المختار، مستلهمين بما ورد في العهد القديم سفر التكوين (9-13) من قصة سارة وهاجر : (وَرَأَتْ سَارَةُ ابْنَ هَاجَرَ الْمِصْرِيَّةِ الَّذِي وَلَدَتْهُ لإِبْرَاهِيمَ يَمْزَحُ * فَقَالَتْ لإِبْرَاهِيمَ : «اطْرُدْ هَذِهِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا لأَنَّ ابْنَ هَذِهِ الْجَارِيَةِ لاَ يَرِثُ مَعَ ابْنِي إِسْحَاقَ»* فَقَبُحَ الْكَلاَمُ جِدًّا فِي عَيْنَيْ إِبْرَاهِيمَ لِسَبَبِ ابْنِهِ. *  فَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: «لاَ يَقْبُحُ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ أَجْلِ الْغُلاَمِ وَمِنْ أَجْلِ جَارِيَتِكَ. فِي كُلِّ مَا تَقُولُ لَكَ سَارَةُ اسْمَعْ لِقَوْلِهَا لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. * وَابْنُ الْجَارِيَةِ أَيْضًا سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً لأَنَّهُ نَسْلُكَ».

فحادثة طرد سارة لهاجر وإسماعيل ابنها من نبي الله إبراهيم تركت في الذاكرة الفردية والجماعية لأبناء عمومتنا، في وعيهم الجماعي المستنبط من نصوصهم الدينية، ما يبرر لهم أسباب عداوتهم واغتصابهم الأراضي العربية واعتبار العرب بمرتبة الحيوانات والخدم والعبيد. عندما طردت جدّتهم سارة جدّتنا هاجر وابنها إسماعيل بررت فعلتها بحرمان إسماعيل كي لا يتقاسم مع ابنها إرث أبيه إبراهيم، ووصفته “بابن الجارية”. لم تتخيّل سارة ولو للحظة وقع هذه الكلمة على إسماعيل، ولا مستتبعات الطرد من مخاطر الطريق والعيش في صحراء قاحلة بلا ماء ولا طعام، لم تشعر بأحاسيس زوجها إبراهيم عند ترك فلذة كبده يغادر الصحراء بعيداً عنه، ولا إلى مشاعر الطفل إسماعيل بالخذلان والطرد من منزل أبيه. ما أرادته سارة حسب ما فهمه اليهود من نصوص العهد القديم هو منح إسحاق الشعور بالأمن مهما كان الثمن. هذا الأمن الخيالي والمخادع وليس الأمن الحقيقي والعادل. هذا السلوك الأناني الذي يبعد عن طريقه كل ما هو مشترك ولو كان عبر رابط الأخوة البيولوجية، ولا يرى إلّا «الأنا الشخصي والذاتي والحصري». فهم يزعمون بأن وجودهم على هذه الأرض حتى يستمر ويشعروا بالأمن والأمان الذاتي عليهم قتل مئات الآلاف من الأرواح، وطرد السكان من بيوتهم وأوطانهم، ونشر الخوف والرعب، فيتّبعون سياسة التفريق وزعزعة الأنظمة السياسية الأخرى، ويحرقون ويدمّرون بوحشية مئات آلاف المباني وآلاف الجسور، يشيّدون جدران العار ليعزلوا قرى ومساكن أصحاب الأرض الأصليين عن أراضيهم التي اغتصبوها منهم، ويحاصروا بلاداً بأكملها يسكنها ملايين الناس زورا وبهتانا.

لو أن سارة تصرّفت تصرّفاً آخر غير أناني حسب شخصيتها التي فهمها اليهود من العهد القديم، لعلمت بأن التهكّم الذي يخرج من طفل صغير إزاء أخيه الذي يلعب معه لا يستحق أن يعاقب عليه بالطرد والحقد ولكن بمزيد من الحب والعطف. وأن الأمن لإبنها كان سيصبح أكثر عدلاً ومرضاة للّه تعالى لو تركت «ابن الجارية» يعيش بسلام ومساواة لكامل حقوقه جنباً إلى جنب مع أخيه إسحاق عليهما السلام.

وإذا كانت رحمة الله تعالى رعت سيدنا إسماعيل فلم يتعرض لمخاطر الطريق ولا للموت عطشا في صحراء قاحلة، فماذا سيفعل الله تعالى بأبناء اسحق وبكيانهم الذي اسسوه بعد آلاف السنين بطرق غير شرعية على أراضٍ يعيش فيها شعب تعود جذور وجوده الى حقبات ضاربة في عمق التاريخ، هذا الكيان الذي ما زال منذ عام 1948، يطرد السكان الأصليين من أجل ضم أراضيهم إليه ويقتل مئات الآلاف من الأبرياء، أطفالا ونساءً وكباراً، ويدمّر بيوتهم وينتهج سياسة التفريق من أجل السيطرة على مقدرات الشعوب.

من خلال هذه المبررات الواهية والكاذبة أردت أن أنفذ الى عقلية “أبناء عم العرب” من العبرانيين، وأخص منهم الغالبية العظمى من اليهود، لأتساءل فيما لو كانت هناك وسائل أخرى أتيحت لهم ولم يستخدموها منذ احتلالهم لأرض فلسطين والتي كان من الممكن أن تمكّنهم من العيش بسلام على أرض فلسطين التي نحبها جميعاً دون طرد أهلها وأصحابها وهدم بيوتهم. نتخيّل لو أن اليهود الذين هربوا من مجازر النازية طلبوا مساندة الفلسطينيين في العيش بسلام على أرض فلسطين دون هدف إقامة دولة خاصة بهم أو طرد الفلسطينيين ومصادرة أراضيهم وعدم استخدام العنف معهم لكانوا وجدوا كل ترحيب وحسن استقبال من الفلسطينيين تماماً كما استقبلت الشعوب العربية اليهود الذين هربوا من اسبانيا بعد انهيار دولة الأندلس، بل وكما استقبل الفلسطينيون أنفسهم الهجرات الأولى بعد الحرب العالمية الأولى لليهود وأقطعوهم أراضيهم عن طيب خاطر على سبيل الإعارة، بشهادة اليهود أنفسهم، دون أن يعلم الفلسطينيون بأن هجرة اليهود كانت منذ البداية وبتحريض من الصهيونية بهدف تأسيس دولة إسرائيل. ألم يعلم إبناء عمومتنا بأننا نحن أبناء “حاتم” نمنح عن طيب خاطر كل ما نملك كرماً وجوداً، ولا نسامح ونغفر لمن يغافلنا ويحتل ولو شبراً من أرضنا ويقتل نساءنا وأطفالنا.

أعود الى كل عصور التاريخ التي عاشها اليهود بجوار معتنقي الديانات التوحيدية من مسيحيين ومسلمين، فنجدهم بأنهم نادوا بالإنغلاق وإقصاء الآخر ونبذه، رغم أن الإنفتاح والعيش المشترك والتنوّع الديني التوحيدي أصبح بعد ظهور المسيحية والاسلام مطلباً أساسياً يبعث بالأمل للإنسانية جمعاء. حتى في مواجهة دعوات التقارب الديني التوحيدي فسّروا وحرّفوا الخطاب الديني لصالحهم ولصالح أتباع دينهم بشكل انتهكت به حقوق الشعوب الأخرى غير اليهودية. رغم أنهم لم يجدوا ملجأً يلتجئوا إليه عندما اضطهدوا وعانوا من سياسة الإقصاء والتفرقة العنصرية في أوروبا إلّا في بلاد «أبناء عمهم» في الأندلس وبلاد العرب.

بعد مرور آلاف السنين من الشتات، أراد اليهود المجيء إلى فلسطين وإنشاء كيانهم الخاص بهم بتشجيع وتخطيط من قبل الحركة الصهيونية، ولكنهم لم يبالوا مطلقاً بأنه يعيش على هذه الأرض منذ البداية شعب آخر. لا نستطيع أن نتخيّل بأن مشروعاً مماثلاً يمكن أن تنادي به شعوب أخرى مثل الكنديين الكيبيك والمالويين أو الشعوب المؤسسة للولايات المتحدة الأميركية. مجرد تخيّل رغبة هذه الشعوب بالعودة إلى ديارهم الأصلية وطرد الشعوب التي تسكن فيها وتأسيس كيان جديد خاص بهم، يعتبر من الإفتراضيات المحضة التي تستفزّ كل قيم الحق والعدالة وتأسس لمنطق أخرق وهو الإستيلاء على الدول بناء على حق تاريخي مزعوم، رغم ان خروج هذه الشعوب من بلادهم لم يتجاوز الخمسة قرون ولا يُعدّ كما هو حال اليهود من أصحاب الفكر الصهيوني بآلاف السنين.

لتحقيق هذا الحلم الخيالي لجأ الصهاينة إلى كافة الأساليب وخاصة الكذب والإرهاب وعدم احترام حقوق الإنسان، وانتزعوا حقوق الملكية من أصحاب الأرض الشرعيين وانتهكوا مواثيق القوانين الدولية، ولو استطعنا حصر المفردات اللفظية التي تنطوي عليها هذه الأفعال التي قام بها كيانهم المغتصب الى الآن لوجدنا انها تشتمل على كل معاني الحقد والدمار وقتل الأبرياء والعنف واحتلال الأراضي، وضمّها إليهم ومحاصرة الشعوب، والعنصرية الدينية والعرقية، وترجيح الحق التاريخي على كافة الحقوق الأخرى. عدا عن أنهم خلال احتلالهم لفلسطين لم يستخدموا قط العبارات التي تدلّ على معاني الحب واحترام التنوّع الديني والتسامح والعدل والمساواة والعيش المشترك، والحوار والسلام.

بيد أن هناك مبررات أخرى لهذا العنف صرّح به كثير من الحاخامات وردّدوه على مسامع أعضاء الكنيست وفي المحافل الدولية اليهودية حيث تشير تأويلاتهم لنصوص التلمود بأن الحرب النهائية التي سيخوضها اليهود يجب أن تكون مع أبناء إسماعيل، وسوف يرتفع الصراخ أثنائها ويسمعه الله ويرسل المسيح لنصرة اليهود: (Ron Chaya, la Torah, Le conflit final, Sukkat David 5 janvier 2009).

نحن العرب مسلمون ومسيحيون، لا نكره مطلقاً اليهود لديانتهم ونتضرع الى الله تعالى ونؤمن برسله وأنبيائه. لقد شرّفنا الله كما سبق وشرّفهم بالديانة اليهودية بديانتين سماويتين. فبعد أن أرسل الله سيدنا موسى عليه السلام أرسل لنا سيدنا المسيح عيسى ابن مريم وسيدنا محمد عليهما السلام لهداية البشر. ليست لدينا أية علاقة تربطنا بالشعوب الوثنية التي تخلّت عن عبادة الله الواحد الأحد وعبدت الأصنام – وهم الذين تكلمت عنهم التوراة وأمرت بمجافاتهم ومحاربتهم – حتى يعتبرنا اليهود بأننا أقلّ منهم مقاماً ومكانةً فيعاملوننا بازدراء. أننا جميعاً متساوون أمام الله تعالى.

أبناء عمنا اليهود لا تنصتوا إلى أقوال بعض حاخاماتكم بأنكم مساوونٍ للّه تعالى الذي أعطاكم مهمة إكمال إنجاز الخليقة الأولى، فسمح لكم بالصلاة أمامه وقوفاً بعكس المسيحيين الذين يتمتعون بنصف حرية إذ هم يصلون للّه تعالى راكعين وبعكس المسلمين الذين سلبوا هذه الحرية كاملة فهم يصلون للّه ساجدين. صلواتنا جميعاً نتوجه بها الى الله تعالى بقلوب راضية ومستسلمة بكامل حريتها ووعيها الى الخالق عزّ وجلّ. وقوفا، ركوعاً وسجوداً… ألم تكن هي حركات الصلاة التي اختارها الله لتؤدّى في الإسلام خاتم الرسائل السماوية؟

أيها اليهود المتطرفون اسمعونا جيداً أننا لا نكرهكم لدينكم ولا لعقيدتكم ولا لأنبيائكم الذين نؤمن بهم ونجلّهم، ولا لزعمكم بأن الله أورثكم هذه الأرض، فالأيام سجال بيننا وبينكم. إذا استمريتم في هذا الحقد والتدمير والتفريق وعرض العضلات كما يروّج لكم الصهاينة فإنكم لن تربحوا في النهاية. كما علمنا التاريخ بأن الأيام متداولة ومتقلبة فإنه لا محالة سوف يأتي اليوم الذي تشاهدون فيه الأجيال القادمة من العرب أقوى منكم وأكثر تصميماً على الإنتقام واسترداد أرضهم المحتلة كل أراضيهم، من سيأتي إليكم بالعون ويصون الحياة القيّمة والمقدّسة لأطفالكم والتي هي حياة بريئة مثل حياة أطفالنا ؟

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Select the fields to be shown. Others will be hidden. Drag and drop to rearrange the order.
  • Image
  • SKU
  • Rating
  • Price
  • Stock
  • Availability
  • Add to cart
  • Description
  • Content
  • Weight
  • Dimensions
  • Additional information
Click outside to hide the comparison bar
Compare