محاضرة في كلية اللاهوت المعمدانية – الدعوة الإسلامية
الدعوة الإسلامية
في البداية أشكر كلية اللاهوت المعمدانية واخي القسيس عيسى دياب لدعوتي الى هذا اللقاء العلمي حول الدعوة والتبشير، ولا أخفي عليكم القول بانني ترددت في تناول هذا الموضوع وذلك لسببين : اولهما ان الحديث بهذا الأمر في مثل هذا الظرف الذي قد نشهد فيه لاسمح الله انهيار الكيان اللبناني يدفع كل فريق منا الى التأهب العفوي للزود عن طائفته ومعتقداته ومفاهيمه واخشى ان تكون لدى كل واحد منا حساسية مرهفة من كلام الآخر في هذا الموضوع، مثلنا كمن يدخل في مكان يتوجس منه خيفة فيلتقط أنفاسه ويستنفر مشاعره وأحاسيسه لسماع أي صوت، فإن صدر صوت اعتاد على سماعه في أوقات الهدوء والرخاء تحول لديه إلى دوي كدوي المدافع أو انفجار كانفجار العبوات والقنابل، والسبب الثاني ينبع من إيماني بأنه في مثل هذا الظرف الذي يكون فيه مصير وطن على المحك فإن القاعدة الأصولية الفقهية لدينا تقتضي بأن ندفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر أو بمعنى آخر بأنه في مواجهة أعظم الضررين ندفع بأقلهما ضررا ، وهذا يقتضي أن نمد أيدينا سوياً دعاة مسلمين ومبشرين مسيحيين لنتوقف عن الخوض في مواضيع الدعوة والتبشير وهما متطلبان ضروريان من متطلبات ديننا، ونعمل سوياً من أجل دفع ضرر أكبر وهو الحيلولة دون انهيار الوطن وإنقاذه من الضياع والتشرذم والإنقسام. وكنت أفضل لو اخترنا موضوعاً لهذا اللقاء يتحدث عن أوجه التعاون التبشيري والدعوي في تجاوز المحن ودعم الإنصهار الوطني. ولكن بما أن هذا الموضوع كان قد أعد له منذ فترة فلا بأس أن أتعرض له مكتفياً بما ألمحته عرضاً من ضرورة التعاون والتنسيق بل وتوجيه العمل الدعوي والتبشيري وتوحيده نحو خطاب وطني جامع ومنقذ.
بداية الدعوة الإسلامية
الدعوة إلى الله كما جاء في كتاب الفتاوى الكبرى لأبن تيمية هي الدعوة إلى الإيمان بالله وبما جاءت به رسله بتصديقهم فيما اخبروا به وطاعتهم فيما أمروا..[1] ، وطريقتها أن يتمثل فيها الداعية خصائص الإسلام ويتخلق بها فكراً وعقيدة وإيماناً وعملاً ، ثم يقوم بعرضها على الناس والدعوة إليها بحكمة بالغة ودراية تامة بأسلوب يناسب حال المدعوين بالحكمة والموعظة الحسنة[2]. وهي تهدف إلى الإقناع والوصول إلى قلوب المدعوين للتأثير فيها حتى تتحول عما هي عليه من الإعراض أو العناد إلى الإقبال والمتابعة[3] .
والدعوة منذ أن بعث الله أول نبي إلى آخر نبي ظلت منهجاً ثابتاً ترافق النبوة والرسالة دون كلل أو ملل أو ضعف أو خوف من المعاندين الذين واجهوا دعوة الأنبياء بازدراء وعدم تصديق. وقد حمل راية الدعوة بعد الأنبياء وما زال يرفعها رهط من المؤمنين الذين دفعهم إيمانهم بعقيدتهم إلى الإحساس بأنهم مكلفون بالدعوة إلى الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
هذه الدعوة التي دعا اليها نبي الله نوح قومه المتعنتين ، حملها من بعده أنبياء الله إبراهيم وموسى والمسيح عيسى إلى أن وصلت إلى سيدنا محمد فتحمل من أجلها المشاق، فضرب وعذب وشرد وسخر منه ونعت بأسوأ النعوت والصفات، وخير بين السيادة والملك على قومه ونيل التقدير والرفعة بشرط السير على نهج قومه وتركهم لما يدينون به في عقيدتهم الوثنية، وبين النبوة المعارضة التي تنذر بتحمل المشاق والإهانات والتجويع والمقاطعة والطرد وفقد الحماية القبلية حتى أحس بتردد عمه في رفعها عنه ، فقال له في الجمع الذي ينتظر رده بهذا الشأن : والله ياعماه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ماتركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه. فكان هذا الرد بمثابة اختيار قطعي بأن الذي أراده هو أن يكون نبياً هادياً وليس ملكاً ضالاً مضلاً.
ومنذ اللحظات الأولى لدعوته قومه إلى عبادة الله الواحد ونبذ عبادة الأوثان وبعد أن تتابعت اوائل السور القرآنية في النزول على النبي محمد ، تحددت المنهجية الأولى التي تقوم عليها الدعوة الإسلامية ، والتي منها :
- ملازمة الدعوة للعلم والمعرفة ونبذ الجهل والتقليد الأعمى لمعتقدات الآباء والأجداد
- التركيز على العبادات والتربية الروحية والتزود بالتقوى ومحبة الله وخشيته
- التزود بالصبر واتباع سيرة الأنبياء السابقين وتضحياتهم وصبرهم على طغيان قومهم والإتعاظ بها والتيقن بأن أهل الإيمان هم المنتصرون.
- اللجوء إلى الحكمة في الدعوة وعدم الإستعجال والتزود بالصبر وهجر المعاندين بأسلوب جميل ، فالداعي طبيب لا قاض، فمهمته معالجة المريض وليس قتله، ولا ينبغي له معاداة أحد لذاته بل لسؤ عمله
- استخدام اسلوب المناظرة والجدل والنقاش بين النبي ومشركي قريش
- تمييز دعوة أهل الكتاب واحترامهم وتقديرهم وقرنهم مع المؤمنين برسالة الإسلام كدليل على وحدة الدين وإن تعددت الرسالات السماوية.
وفي هذا السياق أوصى النبي أصحابه بالتدرج في الدعوة إلى الإسلام مبتدئاً بالعقيدة ثم العبادة ومكارم الأخلاق وعدم الظلم والإفتراء ، فحين أرسل أحد أصحابه معاذ بن جبل إلى اليمن داعياً ووالياً وقاضياً أوصاه قائلاً : ” إنك ستأتي قوماً أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فاعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فإن هم أطاعوا لذلك فاعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنياءهم فترد إلى فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب”.
واستمرت الدعوة إلى الإسلام تشق طريقها دون أن تقف أمامها عوائق الحواجز الجغرافية والسياسية، عبر اللقاءات المكثفة التي جمعت النبي مع وفود القبائل العربية التي كانت ترد إلى مكة للحج ، وعبر مندوبيه من الصحابة الذين أرسلهم إلى مختلف المنااطق في الجزيرة العربية، وأيضاً عبر الرسائل التي وجهها إلى الملوك والقياصرة والإمراء للتعريف بالإسلام، وإن كانت قد نشبت الحروب والمعارك بعد ذلك فليست قطعاً لإجبار الناس في مختلف الإقطار التي شملها الفتح بالتخلي عن دينهم ومعتقدهم واتباع الدين الجديد ، وإنما كانت الحرب والفتح هما الجهاز الإعلامي الوحيد في ذلك الوقت الذي يكفل إيصال الدعوة إلى باقي الشعوب والقبائل، بعد أن تصدى هؤلاء الملوك والقياصرة في إيصال صوت الدعوة إلى شعوبهم ، بل وبادروهم إلى شن حروبهم ضد أتباع الدين الجديد.
جاء في وصية أخرى من النبي لمعاذ بن جبل : ” لا تقاتلوهم حتى تدعوهم، فإن أبوا فلا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم، فإن بدؤوكم فلا تقاتلوا حتى يقتلوا منكم قتيلاً، ثم أروهم ذلك القتيل، وقولوا لهم : هل إلى خير من هذا سبيل؟ فلإن يهدي الله على يديك خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت” .
ثم عرفت الدعوة طريقاً آخر عبر السفر والتجوال وحتى الإستقرار في كثير من بقاع العالم حتى بلغت الدعوة أقاصي آسيا وأفريقيا دون وصول جيوش الفتح اليها فانتشر الإسلام في اندونيسيا وماليزيا وجنوب تايلاند والفيليبين وسنغافورة وغيرها من الدول الأسيوية عبر التجار المسلمين الذين نشروا الإسلام بحسن معاملتهم واحترامهم لوعودهم ومواثيقهم.
الإسلام دعوة عالمية
يؤمن المسلمون بأن الإسلام دعوة عالمية لكل الناس على مختلف الأزمنة والعصور ولم يختص به العرب وحدهم ، فالإسلام دين الله الذي بعث به الأنبياء جميعا تجدد واستكمل على يد النبي محمد وهو يستمد بقاءه واستمراريته من كونه منزل من عند الله ومن صلاحيته لكل زمان ومكان. ويعتبر المسلمون بأن نبوات الأنبياء السابقين وإن تحقق فيها اعتبارها بأنها منزلة من عند الله بلا أدنى شك إلا أنها كانت محدودة الزمان والمكان، ولذلك استوعبت هذه الرسالة الخاتمة أصول الرسالات السابقة واعتبرت أن الإيمان بأنبيائها هو جزء لا يتجزأ من الإيمان بها واعتبرت أن الأنبياء جميعاً ينهلون من مشكاة واحدة ويدعون إلى إله واحد. وقد تحدث القرآن عن عالمية الدعوة الإسلامية في سور كثيرة منها : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) سبأ ٢٨ (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) الأنبياء: ١٠٧ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) الأعراف: ١٥٨
كما أكدت عالمية الرسالة أحاديث الرسول محمد حيث قال : “كل نبي بعث إلى قومه، وإنما بعثت للأحمر والأسود” ، وقال أيضاً : “إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً، فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون : هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال : فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين”.
ضرورة الدعوة وحكمها :
حتى تتحقق استمرارية الدعوة كان لابد من وجود هداة ودعاة ومرشدين يقومون بواجب الدعوة بين البشر ليتحقق العلم بالدين الإسلامي ، والسند القرآني الذي يحدد هذه الضرورة ورد في أكثر من سورة من سور القرآن الكريم ، فقد جاء في القرآن الكريم : (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) التوبة: ١٢٢ وقال أيضاً : (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران: ١٠٤، وقال أيضاً (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) عمران: ١٨٧، هذه الضرورة كما نص عليها علماء الإسلام يقتضيه تكليف الناس بالإيمان بالله ومحاسبتهم إذا هم جحدوا وتنصلوا عن الإيمان بالأديان التي أنزلها الله وتنكروا لرسله الذين أرسلهم لهداية البشر، فحتى تقع المسؤولية عليهم حيث لا تكليف من غير إعلام ولا عقاب من غير علم بالرسالة والدعوة اليها كان لابد من إرسال الرسل حتى لايبقى لبني البشر عذر وحجة في كفرهم وعدم إيمانهم .
وقد ذهب علماء الإسلام بأن حكم الدعوة إلى الإسلام يتراوح بين فرض العين وفرض الكفاية. ففرض العين يعني أنه يتعين على كل مسلم لديه القدرة والعلم أن يقوم بمهام الدعوة شخصياً وقد استدلوا بذلك بعموم الآيات القرآنية التي تطلب من المؤمنين القيام بواجب الدعوة ، مثل قوله تعالى : (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) يوسف: ١٠٨ ، وأما الذين قالوا بأن الدعوة هي فرض كفاية أي أنه إذا وجدت جماعة يقومون بهذا الواجب فإنها تسقط عن البعض الآخر ، فقد استدلوا بالآية القرآنية (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران: ١٠٤.
صفات الداعية المسلم :
من صفات الداعي المسلم التي يتعين عليه الإتصاف بها :
- الإيمان العميق بالله ، وأن المحن لا تزيده إلا قوة واستمراراً وثقة بالله ، فنوح عليه السلام رغم المدة الطويلة التي مكث يدعو فيها قومه لم يؤمن به الا القليل
- الوعي والفهم الدقيق وهذا يتطلب منه العلم قبل العمل والمعرفة قبل الإقدام
- محبة الناس ورحمته بهم فإن آمنوا واهتدوا أحس بالطمأنينة وشكر الله وأن أعرضوا لم ييأس ولم يقنط من رحمة الله : (وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) يقول القرآن الكريم في سورة يوسف: ٨٧
- الحكمة والموعظة الحسنة والدعوة بما يراه أفضل الطرق والوسائل : وقد جاء الأمر بهذا الأدب في آية من القرآن الكريم وهي قوله تعالى : ” ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ” والجدل بالتي هي أحسن يكون بعدم التحامل على المخالف ولا تجريح آراءه ولا تقبيحها .
- التحلي بمحاسن الإخلاق وذلك يتأتى بما يلي :
- الحلم والصبر فلا يغضب الداعي أو ينفعل لأتفه الأسباب ، وبهذا يقول القرآن : ( الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) آل عمران: ١٣٤ “
- الصدق فلا يجوز الكذب في أمور الدعوة والترغيب بأمور الدين ولا في غيره مطلقاً يقول تعالى : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)
- التواضع : فلا يجوز التكبر على الآخرين وازدرائهم فإن هذا ليس من صفات المؤمنين فضلاً عن أن يكون من صفات الدعاة والمحاورين في دينه.
- الرحمة فالداعي إلى الله يلتزم بهذه الصفة ولا يدعوا على الآخرين إذا لم يستجيبوا وقد ورد في الحديث أنه قيل للرسول عليه الصلاة والسلام أن دوساً عصت وأبت فادع الله عليها فقيل هلكت دوس، فقال عليه الصلاة والسلام : “اللهم إهد دوساً وأئت بهم “. وحادثة اضطهاد سكان الطائف للنبي صلى الله عليه وسلم وإيذائهم له وأمرهم غلمانهم بملاحقته وضربه دليل آخر على الدعوة للآخر بالهداية والعفو، إذ دعى رسول الله لهم قائلاً : “أللهم اهد قومي فإنهم لايعلمون.”
5.إحترام الطرف الآخر فينبغي على المسلم أن يراعي في دعوته للآخر غير المسلم الإحترام والتوقير والتقدير فيعطي كل ذي حق حقه وينزل الناس منازلهم . وسيرة الرسول مليئة بأمثلة إحترام الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لمحاوريه المشركين وتقديره لأهل الكتاب ، ففي حديث الحوار مع عتبة بن ربيعة وكان سيداً لقومه لم يقابله النبي بجفاء بل احترمه ، ولم يقاطعه في كلامه بل استمع إليه حتى فرغ ، ثم طلب منه الإستماع ، وكان النبي في كل مرة يناديه بكنيته لتطمينه واحترامه .
- الإنصاف وقبول ما لدى الآخر من الحق فإن من آداب الإسلام بل من واجباته إنصاف الآخرين وإن كانوا من غير المسلمين وقبول ما لديهم من حق وإعطاؤهم ما لهم من الحق المشروع كاملاً من دون إجحاف أو إنقاص بل وإنصافهم وإن كانوا أعداء. يقول الله تعالى : (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) والمتأمل في القرآن الكريم يرى إنصافه لأهل الكتاب ومن ذلك قوله تعالى : ( لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ).
نظرة الإسلام إلى الذين تبلغوا الدعوة :
يصنف علماء الإسلام الناس إلى ثلاثة أصناف :
الصنف الأول : من تبلغوا الدعوة بوجهها الحق : فإن آمنوا واستجابوا اعتبروا من المؤمنين المثابين يوم القيامة، وإن لم يؤمنوا ولم ينظروا في أدلة الدعوة إهمالاً أو عناداً أو استكباراً فهؤلاء لاينالهم ثواب الله في الآخرة.
وهذا الموقف لا يغير شيئاً عند من يقول بأن الوعد الإلهي بالثواب ينال أيضاً اليهود والمسيحيين والصابئين الذي آمنوا بالله حقاً وباليوم الآخر وعملوا صالحاً لعموم قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) البقرة 62 معتبرين أن هذه الآية غير منسوخة ، إذ لايرد النسخ على الخبر الذي يتضمن الوعد وانما يجوز دخوله في الأحكام الشرعية التي تتبدل وتتغير بتغير المصلحة العامة.
الصنف الثاني : من لم تبلغهم الدعوة فهؤلاء قسمان : الأول منهما أولئك الذين وجدوا قبل بعثة النبي محمد ولم يبعث اليهم رسول، ولم يكلفوا بدين، ولم يصل إلى مسامعهم رسالة، فهؤلاء يسمون بأهل الفترة، فهم ناجون وذلك لقول الله تعالى في القرآن الكريم : (مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا) وإن كانوا من عبدة الأوثان، وخالف المعتزلة هذا القول مؤولين كلمة “رسولا” بالعقل فهم غير ناجون إذ أن بالعقل وحده يمكن الوصول إلى معرفة الله تعالى والإيمان به ، والقسم الثاني هم الذين وجدوا بعد بعثة النبي محمد ولم تبلغهم الدعوة ولم يسمعوا بالإسلام أو ببعثة محمد فهؤلاء حكمهم كمثل أهل الفترة
والصنف الثالث : أولئك الذين بلغتهم الدعوة ولكن على غير حقيقتها أو بصورة مشوهة ومنفرة، ولم يتمكنوا من معرفة حقيقة الإسلام، على الرغم من اجتهادهم في ذلك فهؤلاء شأنهم أيضاً شأن أهل الفترة، حيث جاء في القرآن الكريم : (وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ۖ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) العنكبوت: ١٨، فلقد قرن القرآن تبليغ الرسالة مع البيان والوضوح الذي يدفع الشك والإرتياب .
واقع الدعوة الإسلامية :
إن واقع الخطاب الدعوي الحالي يشير إلى مجموعة من الملاحظات المتعلقة بسوء تنظيم ممارسة الدعوة من الجانب الإسلامي إذا ما قورنت بالممارسة التبشيرية لدى الديانات الأخرى وخاصة المسيحية ، نذكر من أهمها:
. غياب الإستراتيجية المدروسة والمرجعية الدينية الموحدة : إذ يرى البعض في الجانب الإسلامي بأن التبشير عند الآخر يأتي في سياق استراتيجية متكاملة ومدروسة ، فهو يمارس التبشير برؤى وآليات وضوابط منسقة تخدم أهدافه وغاياته بكل جدارة وموضوعية ، بينما الطرف الإسلامي المهتم بشؤون الدعوة مازال يمارس الدعوة من منطلق عفوي ، وهذا يتطلب ترتيب البيت الداخلي ووضع استراتيجية وخطط تحكمها منطلقات وثوابت على اساس القيم الدينية الإسلامية، ويستطرد البعض قائلين بأن هذه الإستراتيجية عند الطرف المسيحي تتكامل مع المقاصد الإستراتيجية العامة للهوية السياسية والحضارية للمجتمعات الغربية ، بينما لا تزال الجهات الإسلامية تحتاج إلى مزيد من التنسيق والتعاون الاستراتيجي بينها، إضافة إلى أن الطرف المسيحي يستند إلى مرجعية دينية وسياسية محددة بينما تفتقر الجهات الإسلامية الدعوية إلى وجود المرجعية الدينية الموحدة.
. ضعف المنهج العلمي في تناول القضايا الدعوية و التركيز على الجانب الوعظي: و لا شك أن كثيراً من الدراسات و البحوث العلمية يمكن الاستفادة منها في تدعيم الأدلة لإقناع المخاطبين. و لكن يلاحظ أن من يهتمون بالمنهج العلمي في الخطاب الدعوي محدودون جداً. و ينبغي بيان محاسن هذا المنهج و تشجيع المتخصصين به.
. التطرف في منهج الخطاب: بحيث يلاحظ التشنج الدائم لدى بعض الدعاة، و حملهم على كل شيئ جملة و تفصيلاً لمجرد أن أحدهم له موقف من المجموعة التي تنفذ ذلك العمل!. و العكس صحيح؛ ربما تجد خطاباً ليِّناً تجاه قضية ما يغلب عليه الثناء و الإطراء، و تفادي النصح و التقويم. والذي نحتاجه هو الاعتدال و التوازن الذي يؤدي إلى إيجاد منهج نافع صادق يعبَّر عن الحقيقة بتجرد، و يطمئن الناس و هم يستمعون إلى أصحابه.
. اضطراب المنهج: قد نلاحظ أن الخطاب الدعوي عند كثير من المتحمسين للدعوة خطابٌ لا يمكن توقع أو حساب طريقه أو مسلكه، فهو خطاب مضطرب، مرَّة يبشر و يتفاءل بشدة، و فجأة ينفِّر و يسخط و يتشاءم، مرَّة يتحمس و يقوى، و أخرى يضعف و يحبط و ينهزم!! و مرات كثيرة يحتار بماذا ينطق؟. إن مرد ذلك كله إلى عدم وضوح المنهج، ذلك المنهج النبوي المنضبط، الذي يجعل أصحابه غير محتارين لأنهم لم يفاجأوا بالأحداث، و يعرفون طبيعة طريق الدعوة.
. ارتباط المنهج بالأحزاب والتيارات السياسية : بحيث يكون اختيار الزعماء و القادة أو الحزب هو المنهج، و مواقفهم هي التي يقتدى بها و يقاس عليها الحق و الباطل، و المصيب و المخطئ، فالحق يعرف بالرجال و الشخصيات و ليس العكس!!. و موقف الجماعة أو الحزب هي التي تحدد المشروعية من غيرها مهما كان قربها أو بعدها من الأحكام الشرعية الواضحة.
- الافتقار إلى الحكمة في كثير من الأحيان: في طرح الأفكار و الآراء المتباينة حول القضية الواحدة، و هذا نلاحظه عند الدعاة و هم يخاطبون الناس وفق الرؤى التي تظهر لهم بحسب المدارس الدعوية التي ينتمون إليها، فنجد في كثير من الأحيان حرصاً على إثبات أنه وحده الصواب، و الآخرون خطأ قولاً واحداً.
و ليس هذا فحسب بل و ربما الازدراء و الاستهانة و الاستخفاف بالآخرين، فتكون النتيجة انصراف الناس عن الجميع، و الصدُّ عن سبيل الله، و فقدان الثقة في الدعاة، و عدم إقبال غير المسلمين على الاسلام.
- التركيز على الوسائل التقليدية في الدعوة قولاً و فعلاً : وإهمال الوسائل الحديثة سريعة التأثير مثل شبكة المعلومات (الانترنت) ووسائل الإعلام المرئي والمسموع.
. قصرالخطاب الدعوي في كثير من الأحيان على الشباب المستقيم القريب من الدعاة: و المتعاطف مع الإسلام بطبعه، و إغفال البقية ممن هم أحوج إلى ذلك الخطاب. و لذا يلاحظ أن الإسلوب المتبع لا يتغيير، لأن الفئة المستفيدة منه واحدة، و قد تصل رسالة خاطئة للدعاة من خلال ما يرونه من الحماس لدى من يستمعون إليهم، فيستمرون في نفس الاتجاه بنفس الأساليب و الوسائل لظنهم أن الدعوة تؤتي أكلها بسبب ذلك الاستحسان الملاحظ على وجوه المخاطبين، أو المسموع ثناءً من بعضهم. و النتيجة جهود مهدرة، وشحن زائد دون منهج علمي يراعي التكامل و الشمول في محتوى الخطاب الدعوي.
- خطاب ارتجالي وعفوي : ليس مخططاً له في كثير من الأحيان، و إنما يكون بحسب الاجتهادات الفردية،و استجابة فورية للأحداث الطارئة و النوازل غير المتوقعة، دون توقع للاحتمالات و رصد للحلول المناسبة لها عبر الخطاب الدعوي الحكيم. و لعل من أسباب ذلك انعدام المرجعية العلمية التربوية، و تغليب العاطفة على العلم و غياب الفكر المؤسساتي.
- خطاب متأطر بأُطر محددة: قد تكون مذهبية بحسب الانتماء إلى جماعة أو مذهب، و قد تكون حزبية بحسب الانضواء تحت حزب سياسي أو فكري.
فنجد أصحاب هذه الأطر في – الغالب – لا يخرج خطابهم عن حدود الجماعة أو الحزب أو الطائفة، و لا يصدر إلا عن فكرها أو برنامجها، و لذا ربما يشعر المخاطبون بالجانب التحيُّزي أو الميل المصلحي في الخطاب فينصرفون عن الاستماع إليه أو العمل بما ورد فيه، و كأن المراد هنا بعبارة أخرى: الشعور بعدم الإخلاص في الخطاب الدعوي، فهو خطاب ما أريد به وجه الله.
أخيراً يلاحظ أن الخطاب الدعوي يقتصر في الغالب على المسلمين، و بناءً عليه فإن الوسائل المستخدمة و كذا الأساليب تركز على مخاطبة المسلمين مع ما ذكرنا سابقاً أنها قاصرة حتى في مخاطبة المسلمين من حيث المكان أو الفئة المستهدفة أو نوعية الخطاب… إلى غير ذلك.
و لا شك أن الذي يعرف طبيعة الدعوة الإسلامية منذ انطلاقتها في عهد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يدرك أنها ليست موجهة فقط لمن اهتدى إلى هذا الدين ، و إنما هي موجهة بدرجة كبيرة لغير المسلمين الذين قد يحال بينهم و بين التعرُّف على الإسلام في الوقت الحاضرعوامل كثيرة ليس آخرها تقهقر المسلمين وتراجع نفوذهم السياسي والإقتصادي والإجتماعي، وتفوق غيرهم وبسط نفوذه على معظم الدول العربية والإسلامية.
[1] الفتاوى الكبر، ابن تيمية، 15\158، مطابع الرياض
[2] الدعوة والدعاة بين الواقع والهدف، الدكتور بسام الصباغ، ص 14، دار الإيمان، دمشق،
[3] الموسوعة الفقهية الكويتية ، 20\322