وفي بدء البشارة كانت الكلمة : أول مطالبة بإعلان عيد بشارة العذراء مريم عيداً وطنياً جامعاً للمسلمين والمسيحيين- 2007
وفي بدء البشارة كانت الكلمة : أول مطالبة بإعلان عيد بشارة العذراء مريم عيداً وطنياً جامعاً للمسلمين والمسيحيين- 2007
كلمتي عن بشارة سيدتنا مريم البتول عليها السلام في المؤتمر المريمي (بشارة مريم عهد الحياة والروح) في جامعة سيدة اللويزة سنة 2007
الحمد لله والصلاة والسلام على أنبياء الله أجمعين، وعلى من اصطفاها الله لتكون خير نساء العالمين.
وبعد :
إن كانت حواء أمنا في الجنس البشري، فقد شاءت إرادة الله تعالى أن تكون لنا اماً من نوع آخر، أماً حاضنة في العطاء والتضحية والوفاء على مر العصور والدهور، أماً مشفقة وساهرة ومتدبرة، بل أماً جامعة في المحبة بأرقى ما في الكلمة من معاني وأسمى ما فيها من قيم. أماً ليس فقط في حياتنا الدنيوية التي نحياها على هذه الأرض وأنما أيضاَ أماً لنا في الحياة الأخروية الأبدية التي وعدنا الله بها ، هذه الأم التي تلمنا وتجمعنا بحبها وببتولتها وتقربها إلى الله تعالى هي مريم العذراء والدة سيدنا المسيح عليهما من الله أتم الصلاة وأتم التسليم.
إسمها وصفاتها في القرآن الكريم والسنة النبوية :
هذه البتول الصديقة ورد اسمها في القرآن الكريم سبعاً وثلاثين مرة :
- أحد عشر مرة منفصلة أي باسمها غير مضاف إلى اسم آخر
- مرتين مسبوقتين بكلمة إبن : أي ابن مريم
- ثلاث مرات مسبوقين بكلمة المسيح عيسى : أي المسيح عيسى ابن مريم
- خمس مرات مسبوقين بكلمة المسيح فقط : أي المسيح ابن مريم
- ستة عشر مرة مسبوقين بكلمة عيسى فقط : أي عيسى ابن مريم
كما دلت عليها بعض الآيات بالإشارة دون ذكر اسمها مثل ” والتي أحصنت فرجها” أو بأنها أم المسيح ووصفها بالصديقة وذلك في الآية : “وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ “
كما ورد وصفها بالقرآن الكريم حيث ذكر :
- بأن الله اصطفاها وطهرها واصطفاها على نساء العالمين . ” وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ”.
- وبطلب امها من الله أن يعيذها وذريتها من الشيطان الرجيم : ” فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ “.
- وبأنها صديقة فيقول القرآن الكريم عنها : مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ “
- وبأنها التي أحصنت فرجها فيقول القرآن الكريم عنها: ” وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ “.
وأما في السنة النبوية فقد رفعها رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه و آله وسلم إلى أعلى مقام حيث ذكر بأنها سيدة نساء العالمين فورد عنه في الحديث أنه قال : ” حسبك من نساء العالمين أربع : مريم وآسية امرأة فرعون وخديجة وفاطمة عليهن السلام.” وقد اعتبر العلماء دلالة تقديمها في الإسم تقديم لمقامها أيضاً .
نشأتها
وعن نشأتها يحدثنا القرآن الكريم بأنه في البدء كانت البركة والهداية تحف والديها فكان الأصطفاء والإختيار والإنتقاء الإلهي لهذه الذرية المتعبدة المتفانية في حب الله تعالى . كما اصطفى الله آدم ونوحاً وإبراهيم من قبل كذلك اصطفى الله آل مريم وهم آل عمران على العالمين، وهو اصطفاء كما يذكر القرآن الكريم في معرض كلامه عن سيدنا ابراهيم عليه السلام ليس في النسب والحسب وإنما في الهداية لكل من آمن واتقى وسار على درب الأنبياء والصالحين [1]. وهذا الإصطفاء لمريم لم يكن وليد صدفة أو رغبة في الإنتقاء فتكون العفة والطاعة والهداية نتيجة لهذا الإختيار الإلهي وإنما سبق في علم الله تعالى الأزلي من أن البتول مريم ستكون منذ البدء طائعة عابدة في حياتها الدنيوية فكتب الله لها الإصطفاء والإنتقاء من بين نساء العالمين.
قصة الطاهرة المنزهة عن كل دنس ابتدأت من دعوة صادقة توجهت بها أم مريم ليكون ما في بطنها ذكراً وخالصاً لخدمة بيت المقدس، فلم تشأ منذ لحظة حبلها أن يكون هذا الولد قرة عين لها ولا أن يرتبط بها ولا أن يحظى برعايتها إيثاراً منها ليكون خالصاً لله فنذرته إلى خدمة بيت من أقدس بيوت الله في حينها ، والنذر هو مازاد عن عمل التكليف في الأمور التعبدية دليلاً على الزيادة في التعبد وكثرة عشق الإنسان لخالقه، فلما وضعت طفلها تبين لها أنه أنثى فتوجهت إلى الله لتعلمه وهو العليم الخبير فأوحى الله لها بأن الذكر الذي كانت تريده ليس مثل هذه الأنثى ، لأنه سيكون لهذه الأنثى شأناً عظيماً أعظم من شأن الذكور، فهي أرادت ذكراً بمفهومها في الوفاء بالنذر ليكون في خدمة البيت، والله جعلها أنثى ولكنه سيعطيها بهذه الأنثى آية أكبر من خدمة البيت ، سيخدم بها العقيدة، لن يخدم بها رقعة تقام فيها الشعائر، بل سيخدم بها العقيدة على مر العصور حتى يحين وقت الدينونة، لأنه سيعطيها فيها آية ليست موجودة في غيرها من نساء العالمين ، آية انطلاقة القدرة الإلهية وتحقق كلمة الله بأنه سيلد من هذه ألأنثى من روح الله دون أن يمسها بشر على الإطلاق نبي من أعظم أنبياء الله وعبد لله من أقرب المقربين إليه، سيدنا المسيح عليه أتم الصلاة وأتم التسليم. وبهذا المفهوم يتحقق معنى البشارة لدى المسلمين ومعنى اصطفاء مريم على نساء العالمين الذي أراد الله منه أن يشيع ويشع فضلها ومكانتها بين الناس أجميعين .
تقبل الله المولودة مريم في خدمته وجعلها في كفالة زكريا الذي وضعها في المعبد ، وكانت أولى الحقائق التي تعلو فوق الأسباب التي تجلت على مريم أن زكريا كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقاً[2]. وهذا الرزق لم يكن من نوع الرزق الذي كان يأتيها به فلما سألها عن مصدره أجابته الطفلة مريم ببديهة ايمانية صادقة تعلمه بها درساً لن ينساه أبداً بأن هذا الرزق هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. فتحركت عندها بديهة زكريا الإيمانية ودعا ربه بأن يهب له ذرية طيبة فبشره الله بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين[3]. وكان من البديهي أن تكون نتيجة هذا القبول الإلهي لمريم أن توجهت إلى الله راكعة ساجدة متعبدة خلال حياتها فهي مريم الطائعة العابدة البتول الصديقة .
قصة بشارتها
وبينما كانت البتول مريم تكبر وتنشأ على العبادة والتفاني في حب الله تعالى، إذ جاءتها الملائكة ذات يوم وتنادت من كل صوب ومن كل جهة تبشرها بأن الله اصطفاها وطهرها واصطفاها على نساء العالمين ، فكان الإصطفاء الأول ضمن اصطفاء آل عمران وهو الذي كان على عالََم زمانهم ، والإصطفاء الثاني كان اجتباءً لها واختياراً على نساء العالمين في أي زمان ومكان وذلك للمهمة التي لم تقم بها أمرأة غيرها في العالم كله.
غير أن علماء تفسير القرآن الكريم توسعوا في تفسير آية الإصطفاء فذكروا بأنها تشتمل على ثلاث صفات :
- الإصطفاء 2. التطهير 3. الإصطفاء على نساء العالمين.
- فأما الإصطفاء الأول فهو إما أن يكون بأن الله تعالى جعلها في خدمته وسخرها لعبادته وهذا لم يحصل لغيرها من الإناث من قبل . أو بأن أمها لم تطعمها وكان رزقها يأتيها من الجنة مباشرة . أو بأن الله أسمعها كلام الملائكة شفاهة وهذا لم يحصل لأي فتاة قبلها .
- وأما التطهير فيحتمل بأن يكون المقصود بأن الله طهرها من المعصية ، أو من العلاقة الجنسية مع الرجال ، أو طهرها من الحيض حيث قيل بأن سيدتنا مريم عليها السلام لا تحيض ، أو طهرها من الأفعال الذميمة والعادات القبيحة ، أو طهرها من كلام اليهود واتهامهم لها وكذبهم عليها ، أو يكون التطهير من مس الشيطان لها منذ ولادتها وهذا ما ذكره نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين قال : ” كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها عيسى “
- وأما الإصطفاء الثاني فقد يكون المراد منه أن الله وهب لها ابناً دون أدنى علاقة مع أحد من البشر ، أو أنه جعل المسيح ينطق وهو في المهد ليبرأ ساحة أمه ويدحض أقول ومزاعم اليهود ، أو أن الله جعلها والمسيح آية للعالمين. وقد يكون المعنى أن الله جعلها في أعلى المراتب في الجنة ، ويؤيد هذا التفسير ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محمد في حديث روته عنه زوجته عائشة رضي الله عنها إذ ذكرت بأنه عندما حضرت الوفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحدث مع ابنته فاطمة رضي الله عنها كلاماً فبكت له فاطمة ثم ضحكت ، فسألتها السيدة عائشة عن ذلك، فقالت لها : ” أخبرني رسول الله أنه يموت فبكيت ، ثم أخبرني بأنني سيدة أهل نساء أهل الجنة إلا مريم ابنة عمران ، فضحكت”.
وبعد الإصطفاء الإلهي بشرتها الملائكة بالمسيح يولد بمقتضى الكلمة، فوجلت من هذا الخبر العظيم ولكنها خشيت من الطعن في عفتها وبعرضها وهي التي لم يمسسها بشر على الإطلاق ، فأخبرها الله بأنه لن يمسها بشر فالله يخلق ما يشاء بقوة كلمته ، وذكر بعض المفسرين بأن جبريل أخذ بردن قميصها ونفخ فيه فحملت لتوها. وفي فترة حملها انتبذت مكاناً بعيداً عن أهلها وعن الناس كافة لجهة المشرق واكتفت بأنسها بالله تعالى وعبادته إلى أن ألجأها ألم المخاض إلى جذع نخلة فوضعت طفلها بعد أن تمنت أن تكون نسياً منسيا ، فخاطبها الله تعالى بألا تحزن ولتقر عينها بما هي فيه فليس هناك أجمل ولا أفضل من أن يصطفيها الله تعالى ويجعلها سيدة نساء العالمين ولا أسعد من أن يكون طفلها من الأنبياء الذين اصطفاهم الله لهداية البشر ومن المقربين إليه وأن يكون علامة من علامات يوم الدينونة ، فسيرفعه الله اليه حياً بجسده وبروحه وسيعيده إلى الأرض ليملأها عدلا وسلاماً بعد أن تكون قد ملأتها جحافل الصهاينة بالغدر والظلم والفتن والحروب.
تلك هي مريم البتول سيدة نساء اهل الجنة بل سيدة هذا الكون بما فيه وبمن فيه ، سيدة ذات حياء منقطع النظير، ذات إيمان وخلق تعلمنا منها كيف تكون المحبة وكيف يكون الإمتثال والتواضع والخضوع لله الخالق . هذه المكانة العالية التي لم يبلغها أحد من النساء قبلها ولن يبلغها أحد من النساء بعدها ذكرها القرآن الكريم فكان اسم مريم إسماً لسورة بأكملها وكانت مريم هي المرأة الوحيدة التي ذكرها الله تعالى باسمها في القرآن الكريم حتى لايشاركها أحد في هذا الشرف فتبقى لمريم شرفية الذكر الإسمي وحدها دون أية امرأة أخرى على الإطلاق.
هذه مريم المؤسِّسة والمؤسَّسة والتي سارت على منهجها قوافل المؤمنات الصادقات القانتات العابدات في كل زمن وفي عصر وفي كل حين. منهجها عنوانه : العفة والتعبد والتسليم لمشيئة الله والإخلاص التام له .
مريم أمنا جميعاً مسلمين ومسيحيين، أمنا الجامعة لنا في المحبة، الحاضنة لنا في العطاء والتضحية والوفاء تستصرخنا نحن أبناء الوطن الواحد أن نستنهض ونتعالى عن أطماعنا الشخصية والفئوية والطائفية ونضع ايدينا بأيدي بعض أخوة متحابين وشركاء وطن مؤمنين ومؤتمنين ، لبناء لبنان الأمل والرجاء لبنان النور والرسالة ، لبنان الحب والتآخي بين مسلميه ومسيحييه ، فهل لبينا هذا النداء وهذا الرجاء.
بقيت لي كلمة اخيرة وهي الكلمة التي آليت على نفسي أن أنادي بها في كل جمع وحفل ومؤتمر، وهي أنه إذا كان للعالم احتفال بعيد الأم ، وفاء وتقديراً لها ، فهل تواصينا بين بعضنا البعض وتنادينا أفراداً وجمعيات وأخويات ومؤسسات وهيئات ومدارس وجامعات من مختلف الأطياف والأديان لرفع شعار واحد ومطلب مشترك بأن يكون لأمنا مريم الجامعة لنا في المحية ولسيدتنا وسيدة لبنان بل وسيدة العالم عيد وطني جامع يحتفل به المسلمون والمسيحيون على حد سواء في هذا الوطن الذي نحبه وننتمي إليه جميعاَ.
[1] فقد سأل سيدنا ابراهيم ربه أن ينال هذا الإصطفاء ذريته من بعده فأجابه الله بأنه لن ينال هذا العهد الظالمين من ذريته : (وإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) البقرة: ١٢٤
[2] الجدير بالذكر بأن هذه الآية التي تتكلم عن دخول زكريا على مريم في المحراب تزين بزخرفتها وخطوطها كافة المساجد لدى المسلمين في موضع المحراب : (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) آل عمران 37
[3] “هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ” آل عمران: ٣٨ – ٣٩