المصالحة بين العلمانية والدين (تقديم كتاب عودة الدين الى المجال العمومي) للدكتور أدونيس العكرة
المصالحة بين العلمانية والدين (تقديم كتاب عودة الدين الى المجال العمومي) للدكتور أدونيس العكرة
كثيراً ما يواجه الباحث ” اليقظ” في مقاربته لموضوع العلمانية والدين والسلطة المدنية والكهنوتية صعوبات في ترجمة معاني المصطلحات حين نقلها من مصادرها اللغوية الأصيلة. فمن البديهي أن تختلف الخلفية الفكرية عند استحضار بعض المفردات اللغوية المتداولة في مجموعة ثقافية معينة عن مدلولاتها المقابلة لها في مجموعة ثقافية أخرى. فما تثيره مفردة لغوية في مجتمع معين من مجموعة أفكار يبني عليها أفراد هذا المجتمع إدراكهم الفكري ووعيهم قد لا تلتقى مع نفس المفردات والمعاني المقابلة لها في المجتمعات الأخرى. لنأخذ مثلاً سريعاً لتقريب هذه الفكرة الى الأذهان، فكلمة أب و إبن لهما مع بساطتهما في التعبير وإجماع البشرية على فهم مدلولهما إلا أنهما تثيران في بعض المجموعات الثقافية معاني إضافية لا توجد في مجموعات ثقافية أخرى ، فالغرب منذ مهد حضارته يعطي لهاتين المفردتين المعنى البيولوجي الحصري المعروف لدينا، في حين أن المجتمعات الشرقية تعطيهما مدلولا معنويا إضافيا للدلالة من خارج الإطار البيوليوجي على الإحترام والتقدير دون أن توجد أدنى قرابة بين الأفراد، مازال الى الآن مستخدما لدى شعوب مجتمعاتنا العربية والأفريقية.
لتجاوز هذه الصعوبات في مفاهيم المصطلحات المقارنة على الباحث أن يكون أكثر دقة حينما ما يتعلق الموضوع بالمصطلحات الدينية وخاصة تلك المستخدمة في اللغات التي تتحدث بها شعوب الشرق العربي والإسلامي وتلك المستخدمة لدى الشعوب التي تنتمي الى الثقافة الغربية المسيحية. فالغرب رغم علمانيته ما زال يستخدم المصطحات ذات الدلالة المستمدة من الديانة المسيحية ليستعين بها في فهمه للمصطلحات الدينية الإسلامية. من ضمن هذه المصطلحات التي أثارت الجدل والنقاش وعدم تطابقها الكلي في المفهوم المستخدم في لغتها التي كتبت بها وتلك التي نقلت اليها في مدلول لغتها المقابلة مصطلحي ” الدين والعلمانية”.
مفردة “الدين” التي تثير معاني ومفاهيم مختلفة حسب المجموعة الثقافية التي ننتمي اليها تفيد في مفهومها الغربي والمشتق من التعبير اللاتيني religio – وفق ما ذكره Cicéron – الاحساس بالرهبة والدقــة عند تأدية الطقوس الدينية، وتفيد بالمعنى الآخر الذي أشار اليه Lactance- Saint Augustiin الرابط والعلاقة) يقابله التعبير الفرنسي (lier, relier وبذلك يكون الدين مصطلحاً يطلق على العلاقة أو الرابط الذي يربط الانسان بالآلهة. انطلاقاً من هذا المعنى تنوعت التعريفات المستخدمة في اللغات الأوروبية لكلمة الدين ولكنها أجمعت على كونه دالاً على جهة التخصيص والحصر على مجموعة الامور الاعتقادية الغيبية والطقوس الدينية المرافقة لها. ولذلك بادرت هذه المجتمعات عند ظهور المسيحية في اوروبا واعلانها دينا للامبراطورية الرومانية، إلى التفريق بين ماهو سلطة دينية وسلطة زمنية ، بين ما يشكل قانونا للدولة وما يعتبر شأنا كنسياً، بين الأعياد المدنية والأعياد الدينية.
وأما في المجتمعات الشرقية وحتى الهندو- أوروبية فلم يكن لديهم أي تعابير مستقلة تدل على مثل مااصطلح عليه الاوروبيون للدلالة على حصرية الدين بالأمور الإعتقادية الغيبية والطقوس الدينية، فالحياة الاجتماعية والسياسية بكل جوانبها كانت لدى هذه الشعوب مختلطة بالمفاهيم الدينية ، بل وأن الدين الذي ترك بصماته على مختلف هذه المجالات كان يشكل الركيزة الاولى لهذه المجتمعات : فالفنون والقانون والمؤسسات بمختلف اشكالها وأنظمة الحكم والعلوم كانت مستوحاة بشكل أو بآخر من الدين . وإذا كان الأمر كذلك فإن تخصيص مصطلح يدل على مجموعة الامور الإعتقادية والتعبدية لم يكن مألوفاً ولا معهوداً ، ولا نجد في كل هذه اللغات للدلالة على الدين الا مصطلحات عامة لاتشكل العبادات والاعتقاديات إلا جزءاً منها.
من بين هذه المجتمعات الشرقية لم تعرف اللغة العربية حصرية استخدام كلمة الدين على الأمور الإعتقادية الغيبية، فالدين في مفهومه الإسلامي مثلاً وهو الذي يعنيناً هنا لا يرادفه لفظ الروحانيات المقابل للفظ الماديات، ولا يشتمل على سلطة روحية في مواجهة سلطة زمنية (وحتى كلمة زمنية وروحية هما غريبتان عن الناطقين باللغة العربية). والدين باشتقاقه العربي المطابق لما في اللغات السامية من ألفاظ مرادفة يفيد الوجوب والالزام، ومن هذا المعنى كان اشتقاق كلمة الدين الذي يقترضه الإنسان ويلتزم بوفاءه، وكذلك يستعمل هذا اللفظ بمعنى السيرة والمنهج الذي يسلكه الإنسان، فيكون الدين بذلك شاملاً للإعتقاديات وللعبادات (وهو ما تعارف عليه الغرب كمصطلح للدين على جهة الحصر) وللأخلاق والمعاملات بمعناهما الواسع الشامل لكافة النشاطات الإنسانية دون حصر ولا تقييد.
انطلاقاً من هذه المفاهيم فإن ما توارثته الثقافة الغربية من مدلولات دينية أدى إلى قبول شعوبها للعلمانية عند أول طرقة باب طرقتها الثورة الفرنسية من أجل وضع حد لتدخل الكنيسة بشؤون الدولة. في حين أن المجتمعات الإسلامية واجهت ومازالت تغلغل العلمانية كمدلول منسوب الى الغرب إلى ثقافتها الدينية وفي أنظمتها السياسية.
صحيح أن الدول الإسلامية التي تعاقبت على الحكم بعد الخلافة الراشدة، تأثرت في أزمنة معينة بمفهوم الحكم في الدول التي سبقتها سواء في فترات الحكم البيزنطي أو الفارسي، وخاصة في تقليد الحكام ( خلال فترات من الحكم الأموي والعباسي والعثماني) لقيصر وكسرى عبر منحهم نوعاً من السلطة الدينية لتدعيم سلطتهم السياسية. إلا أن المفكرين المسلمين في مجموعهم وتراث الإسلام النقي رفضوا هذه المواريث الدخيلة، فلم تتجسد هذه المحاولات في مؤسسات ولم يجتمع عليها جمهور الناس وإنما وقفت عند حد الشبهات التي يجب استئصالها. إضافة الى أنه لم يكن مطروحاً خلال تلك الفترات عزل «الدين » عن «الدولة » ولا «الفصل » بينهما، وإنما كان مطروحاً في حينها : « طبيعة السلطة السياسية في الدولة، هل هى « دينية » فيكون الحا كم فيها نائباً عن الله أو ظلاً له ؟ وهو الذي يعينه ويوصي به ليحكم بقانون لا دخل للبشر فى سنه أو تعديله ؟ فيكون شأن الحكم وإدارة شؤون البلاد أصل من أصول الدين ؟ وبه قالت الشيعة الإمامية وانفردت دون سائر فرق الاسلام ومذاهبه وتياراته الفكرية. أم أن هذه السلطة العليا فى الدولة ذات طبيعة « مدنية » والأمة بواسطة ممثليها هى التّى تختار حاكمها وتعينه وتبايعة وتكون الرقيبة عليه وتحاسبه، ومن حقها بل من واجبها عزله ان هو خالف العهد ولو بالثورة عليه. فالحاكم لايعدو كونه منفذا للقانون الذى هو ثمرة للشورى والرأي والاجتهاد فتكون الدولة ومؤسساتها من مستلزمات المصالح الحياتية للناس وليست من أصول الدين. وفق هذا المبدأ الأساسي ميز الإسلام والمسلمون دائما بين ما هو دين ووحي، وبين ما هو دنيا وسياسة. بين ما هو سلطة دينية مزعومة وغير شرعية ولا محل لها في الوجود، وبين ما هو سلطة مدنية تقوم على رعاية مصالح الناس كافة. وللدلالة على ذلك استنباطاً من سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام وقيادته لشئون أمته، حيث كان يلقى على مسامع صحابته إجابته على تلك العبارة الاستفهامية التى كثيرا ما كان الصحابة يخاطبونه بها عند كل تدبير وقرار يتخذه : هل هى من «االدين » . فتجب طاعتهم له، أم هي من السياسة وشؤون الدنيا فيعملون فيها بالرأي ويجتهدون دونما حرج ودون قداسة . فكانوا يسألونه ذلك السؤال الشهير : يارسول الله أهو الوحي أم الرأي فإذا جاء جواب الرسول بأن ما قاله هوالوحي كان موقفهم : الطاعة والتنفيذ، لأنه دين مبني على الوحي أما إذا قال لهم : إن ما قاله ليس وحيا بل هو الرأي الذي ارتآه فإنهم عندئذ يدلون بما لديهم من آراء واجتهادات، دون أن يكون لرأي الرسول عليه الصلاة والسلام تلك القدسية الدينية، بل لقد سجلت كتب السيرة والأحاديث النبوية بالعديد من المواقف التى تراجع فيها الرسول عن رايه وعمل برأي ومشورة أصحابه.
من ذلك نستنتج بما لا يدعو للشك بعدم شرعية وحدة السلطتين الدينية والزمنية ، دون أن يعني ذلك الفصل بين الدين والدولة، فاستبعاد الدين ونفيه من نطاق العوامل الحا كمة والمؤثرة فى المجتمع خطأ فكرى في المجتمعات الشرقية والإسلامية، لا يتصور وضعه موضع التطبيق، وفي نفس الوقت فإن محاولة صبغ السياسة والحكم بالصبغة الدينية الخالصة هى محاولة غريبة عن روح الإسلام. بل هي دعوة إلى أن يقتفي المسلمون آثار الأمم الأخرى التّى وحدت السلطتين : الدينية والسياسية فعاشت أظلم عصور تاريخها، تستوى فى ذلك كسروية الفرس وقيصرية الروم في القديم وأوروبا فى العصور الوسطى .
الإسلام ينكر وحدة السلطتين الدينية والزمنية ولكنه يميز بينهما. فالتمييز لا الفصل بين الدين والدولة هو موقف الإسلام، وهو يقرر « مدنية » السلطة السياسية فى المجتمع ويؤكد على بشريتها، وذلك عندما يقرر أن الطريق إلى تولى هذه السلطة هو الإختيار الحر، ولكنه حين نادى بالتمييز بين السلطة الدينية والسياسية فلأنه في نصوصه وأحكامه يشتمل على قواعد كلية عامة، وهي أشبه ما تكون بالمبادئ العامة العليا للقانون. فآيات الأحكام العامة قننت للثوابت دون « المتغيرات » ثم طلبت من الئاس أن يعيشوا ويتحركوا وأن يطوروا حياتهم ومجتمعاتهم فى اطار هذه القواعد العامة التي لا يختلف عليها أي إنسان مثل العدالة واحترام حقوق الإنسان وحفظ كرامته والأخوة الإنسانية وعدم الإعتداء على الآخرين وإرساء السلام وحق الدفاع عن النفس والممتلكات….الخ، مسترشدين برجاحة عقل المقننين لهذه الأحكام، ووفق مصالحهم العامة وبمقتضى التجارب والأبحاث ليضعوا النظم والقوانين والنظريات المتغيرة والمتطورة على جهة الدوام لا الثبات. حتى في أحوال تصادم النصوص المنقولة الثابتة مع ما يقره العقل والفكر السليم، فإن الفقهاء المسلمين أوجدوا قاعدة ذهبية لتلافي الإصطدام، وهو ما جاء في وثيقة الأزهر للحريات العامة الصادرة سنة 2012 ، حيث نص على أن معظم المجتهدين، حملوا النقل عليه (النص الديني) عند التعارض الظاهري (مع العقل) إعتمادا على التأويل وتغليباً للمصلحة، وترجيحًا للحكمة.
إضافة الى نفي المجتمعات الشرقية الإسلامية لوجود سلطة بشرية دينية مجسدة في قالب مؤسساتي وفق هيكلية هرمية مترابطة، عدم وجود رجال دين و كهنوت، بل ليسوا إلا علماء متخصصون في علوم الدين، مثلهم مثل العلماء المتخصصين في العلوم الدنيوية. فلا تراتـبية بين علماء الدين تبتدئ من عالم دين صغير في أسفل الهرم الديني وتنتهي إلى قمة السلطة الدينية العليا. ولا يخوّل الإسلام لعالــم الدين في أي مستوى من مستويات التـفقه في الدين سلطة توسطية بين الله وبين الإنسان ولا سلطة الإنصات إلى اعتراف المذنبين والآثمين وحق غـفـران ذنوبهم أو تخفيفها.
لذلك فإن الدعوة العلمانية لم تلق في بدايتها منطقة فراغ تشريعي كالذي حدث في اوروبا إبان الثورة الفرنسية، بل واجهت العلمانية على صعيدي التشريع والتنظيم الإجتماعي دولاً وشعوبا تنظم حياتها وعلاقاتها على هدي الشريعة الإسلامية ، كما لم تواجه على الصعيد الفلسفي حالة ضياع وحيرة تمكنها من فرض منهجها المادي على الناس بل واجهت بناء فكرياً مستمداً من الإسلام ومن دعوته إلى التفكر وإعمال المعرفة التجريبية في ميدانه الخاص به والتسليم فيما يخص الإنسان ومبادئه ومنهاج حياته الدينية والعملية الدنيوية إلى مصادر التشريع الإسلامي من وحي واجتهاد وقياس ومصالح عامة وأعراف مستحسنة. يقول سماحة الإمام محمد مهدي شمس الدين رحمه الله : أن العلمانية هي فكرة أوروبية نشأت لحل مشكلة أوروبية فرضتها معطيات ارتبطت بالتجمعات الأوروبية في ظل شروط تاريخية معينة، وان المبررات النظرية للعلمانية التي استنبطها الفكر الأوربي من مجمل النظريات الفلسفية والاجتماعية والسياسية التي ظهرت بين الفلاسفة والمفكرين الاوروبيين منذ القرن السادس عشر – هذه المبررات لم يوجد في الإسلام ما يدعو إليها على الإطلاق “.
وإذا كانت هذه هي الحال في بداية ظهور العلمانية الأوروبية، إلا أنها استطاعت بعد ذلك وبمؤازرة الإستعمار الغربي لدول منطقة الشرق الأوسط بعد انهيار الخلافة العثمانية إلى إحكام سيطرتها على العالم الاسلامي والعربي في مجالات التعليم والثقافة والفنون بل وتسللت بعد ذلك بواسطة مناصري أفكارها في الداخل الى مؤسسات التشريع والقضاء وخاصة في التشريعات المدنية والتجارية والجنائية، وهي مازالت تتحفز للقضاء على الأحكام الشرعية المتعلقة بالأحوال الشخصية لإحلال قوانين علمانية مكانها بعد أن تمكنت من إدخالها في بعض الدول العربية والإسلامية، لذلك كان هذا الصراع ومازال متأججاً من أجل الوثوب إلى آخر معقل من معاقل الشريعة في مجال تشريعاتها الخاصة بالأحوال الشخصية.
فكان لابد لهذا الصراع بين العلمانية والإسلام أن يستشري وأن تتباعد الفجوة بينهما بسبب ما يؤججه متشددو كل فريق . لكننا بعيداً عن هذا الصراع كان لا بد لنا من أن نتعرف على نقاط التلاقي والإختلاف بين هاتين المنهجيتين، تمهيداً للتوفيق بينهما ان امكن ذلك دون أن يغير هذا التقارب من مبادئهما الثابتة، أو في حال عدم إمكانية التوفيق، التسليم بمبدأ الأغلب للأصلح والأنفع بينهما ، فليس كما قال أحدهم بأن ما يهم الناس هو كيف يأكلون من العلمانية خبزاً وكيف يشرب الأطفال من الدين حليباً ولكن المهم معرفة ما يأكل الكبار من خبز وما يشرب الصغار من حليب، فكم من اصناف الغذاء لا تتوافق مع البنية الجسدية لبعض الأشخاص.
و لا بد في البداية معرفة أي نوع من الإسلام وأي نوع من العلمانية يتفقان وأي نوع منهما يختلفان. بل والأصح أن أقول أي نوع من المسلمين وأي نوع من العلمانيين يتفقون أو يختلفون.
قسّم بعض المهتمين بالدراسات المقارنة بين الإسلام والعلمانية هؤلاء الفريقين إلى قسمين في كل فريق : فمن الوجهة الإسلامية يقسم المسلمون إلى مسلمين معتدلين ووسطييين، ومسلمين متطرفين ومتشددين. فالمعتدلون بالنسبة لهم هم الذين ينادون بحرية الرأي والتعبير ولا يحملون الناس على اتباع دينهم كرهاً ولا على وجهة نظرهم ويحترمون حقوق الأقليات وأتباع الديانات الأخرى ويؤمنون بالإسلام السمح (وهو أعمق من المتسامح)، ويسعون إلى الحوار في أبهى صوره، ويؤمنون بالإختلاف ويبتعدون عن الخلاف ، وأما المسلمون المتطرفون فهم هؤلاء الذين يقصون من دائرتهم المغلقة كل من خالفهم الرأي من المسلمين ومن غير المسلمين ويضمون الى لائحتهم المنشقين والمنحرفين، ويصدرون عليهم أحكام الإدانة في المطلق، ويوقعون باسم الله فتاويهم المتشددة والإقصائية.
وكذلك العلمانيون فهم يقسمون من وجهة النظر العلمانية إلى علمانيون متطرفون وحاقدون وعلمانيون معتدلون. فالعلمانيون المتطرفون والحاقدون هم الذين ابتعدوا عن مفهوم العلمانية الأصلي الذي كان محصورا في الإطاحة بما مثلته سلطة الكنيسة من استبداد خلال العصور الوسطى على أوروبا والذي كان يعني في ابسط صوره فصل الدين عن الدولة. فأصبحت العلمانية بمقتضى مفهومهم عقيدةً استبدادية تقمع الحريات وتمنع التجمعات وتستأثر بوسائل الإعلام وتحكم سيطرته على الجيش وتسن القوانين العرفية وتحظر التعليم الديني وتمنع الإشارات الدينية من ملابس محتشمة في المدارس بينما تسمح للفتيات بارتداء الملابس المبتذلة والخليعة، أو تمنع من وضع الصلبان في المدارس الرسمية ، أوتحول دون انخراط المتدينين في الوظائف العامة وتمنع حقوق الأقليات، حتى أضحت صورة هؤلاء العلمانيين المتطرفين أكثر ظهوراً وتأثيراً من الجماعات المعتدلة حتى في الدول المتقدمة.
واما العلمانيون المعتدلون فهم يبعدون الدين عن التدخل في شؤون السياسة وفي أمور الدولة، ويقفون موقف الحياد من تدخله في باقي مناحي الحياة. ومنها حرية الاعتقاد والإيمان بالدين الذي تختاره الجماعات والأفراد طوعا. ويمكن تلخيص موقفهم من الدين والدولة بأنهم يعتقدون بأنه يتعين على الدولة أن لا تعتـنق أي مبدأ ديني، ولكن عليها في الوقت نفسه أن تعترف بجميع الديانات والمعتقدات، وأن تحترم الحريات الدينية وتحافظ عليها، وعليها أن لا تتدخل بين السلطة الدينية وبين المؤمنين بهذا الدين، فلا تفرض الدين على أحد ولا تصرف أحدا عن دينه، وعليها أن لا تتدخل في الشؤون التنظيمية للدين، و هي من وراء ذلك كله تسعى الى احترام المواطنين للأنظمة والقوانين السائدة.
كلا الطرفان المعتدلان : الديني والعلماني، وانطلاقاً من إيمانهما بمنهجهما اللذين ينتميان اليه سعيا وما زالا يسعيان لرأب الصدع ومحاولة تقريب وجهات النظر من أجل بناء مجتمع واحد مبني على أسس العدل والمساواة بين جميع أبناءه. يقول الصادق المهدي : إن الإيمان المنكفئ والعلمانية المتعدية لحدودها التي تحول العلم للعلموية وتحكّم العقل في خارج حدوده، نظرتان تشتبكان، ولا مناص من التوفيق أو التعايش بينهما، وهما تغذيان بعضهما الآخر، وتدخلان مجتمعاتنا في حوار طرشان عقيم.
وهذا ما دفع بعض العلمانيين إلى التسليم أخيراً بعدم وجود تماثل بين الحالة الأوروبية التاريخية وسلطتها الدينية الكنسية وبين الحالة العربية الإسلامية، وبالتالي فوصف الدواء سيختلف بالتأكيد عن الوصفة الأوروبية، بمعنى أن النسخة العلمانية لدى هذا الفريق ستختلف بالتأكيد عن العلمانية الفرنسية أوالألمانية والبريطانية، فهذه العلمانية لا تدعو إلى تحييد وتهميش الدين وإنما تترك له مجال تأثيره الإيجابي في المجتمع وتترك له حريته الكاملة ولا تقوم بمصادرة معتقداته الدينية. فهذه العلمانية لا تقيّم الأفراد بحسب أديانهم ومعتقداتهم وانتماءاتهم، والمجالات التي تحاول الإستقلال بها ليست بالتأكيد ما رسخ من إيمان بالقرآن والملائكة والرسل، والغيبيات فحقل العلمانية الأساسي هو الفكر السياسي والمجال الذي تحاول الإستقلال به هو مجال السلطة والحكم والتشريع والإستقلالية هنا تعني الطابع المدني والإنساني الذي يجب أن يكون عنواناً للدولة المدنية.
وأما في الجانب الإسلامي فذهب الإمام محمد مهدي شمس الدين مثلاً الى القول بأن المعركة حول مدنية الدولة الإسلامية ودينية الدولة الإسلامية هي معركة أشباح فنحن حين نرسم مخططا لدولة اسلامية فإذا بنا نجدها لا تفترق اطلاقاً عن أي دولة مدنية حديثة فلنسمها علمانية إذن مع التحفظ على الخلفية الفلسفية لهذه الكلمة . يمكن ان نبني مؤسسات المجتمع الحديث انطلاقا من حاجاته مع الحفاظ على السمات العامة التي تميز المسلم عن غيره. إن ما أنشىء فعلا في العهود الإسلامية هو مؤسسات مدنية بكل معنى الكلمة تولاها اشخاص مدنيون بل في بعض العهود المتأخرة تولاها غير مسلمين، فالإسلام لم ينشأ دولة دينية، الإسلام عقيدة عامة وشريعة عامة، ولا يمكن أن ندعي بأن الفقه التاريخي المدون يصلح كله كأساس قانوني وحقوقي للدولة المقترحة، فلا بد من تقديم مقترحات تجريبية لقوانين ودساتير إسلامية فقد يكون الفراغ في الفقه العام الجديد هو الذي يسبب في جانب منه السجال العقيم والمعارك الوهمية بين سوء فهم للعلمانية وسوء فهم للمشروع الإسلامي.
كما لاحظ جمال البنا في خاتمة كتابه ” الإسلام والعلمانية والحرية ” بأن المجتمع الإسلامي الذي تتقارب فيه القيم الإسلامية من العلمانية حتى وان تعارضت في الأصول يحدث شد وجذب وصراع نتيجة أن كل فريق يريد ان يستحوذ على الصدارة ولا يؤمن بمعايشة جدلية تكاملية، ولا يمكن للعالم الإسلامي أن يعيش هذا الحاضر الشكس طويلا، لذلك فهو يتوقع أن تظهر هذه المماحكة بظهور صورة شرقية من العلمانية تحتفظ بالقيم الإسلامية ويستلهما المجتمع بنوع من التوازن بين عناصر الحفاظ والثبات وقوى التقدم والتطور. وحينئذ ستصبح قضية العلمانية قضية حضارية وليست مؤسساتية تنبثق عن المجتمع وليس عن الدولة ويفسح المجال لوجود علمانية اسلامية فيها تحرر العلمانية وعقلانيتها مع الإحتفاظ برأس ومحور العقيدة – الإيمان بالله وما يشعه ذلك من ايمان بالرسل والقيم الحضارية الإسلامية.
في خضم هذه الإشتباكات الفكرية ومحاولات التقارب والتفاهم، تداعت أكبر مرجعيتان دينيتان في العالم في سنة 2019 الى تقريب وجهات النظر والى تصحيح المسار لما كان سبباً للصراع أو موضعاً للإتهام أو للإبهام والغموض في علاقات الدين مع الأفراد والمجتمعات والمنظمات والحكومات، لترسم خطاً جديداً يقوم على الأخوة الإنسانية الشاملة وعلى رسالة الأديان الصافية التي تعزز معنى المواطنة وترسم الحدود بشفافية وانفتاح بين الإنتماء الى الأديان والعقائد والأفكاروالإيديولوجيات والإنخراط في الدولة على قاعدة المواطنة والسواسية في الحقوق والواجبات. فالأديان كما ذكرت الوثيقة لم تكن مطلقاً بريداً للحروب أو باعثة لمشاعر مثيرةً للعنْف وإراقة الدّماء، فهذه المآسي حصيلة الانحراف عن التعاليم الدّينيّة، ونتيجة استغلال الأديان في السّياسة، وكذا تأويلات طائفة من رجالات الدّين – في بعض مراحل التاريخ – ممّن وظّف بعضهم الشّعور الدّينيّ لدفْع الناس للإتيان بما لا علاقة له بصحيح الدّين، من أجل تحقيق أهداف سياسيّة واقتصاديّة دنيويّة ضيّقة
هذه البنود الأساسية لوثيقة الأخوة الإنسانية تضاهي بقيمتها شرعة حقوق الإنسان الصادرة عن الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة باعتبارها صادرة عن مؤسّستين دينيّتين هما الأزهر الشريف والكنيسة الكاثوليكيّة، وتستحق بما لها من مرجعية دينية ومعنوية على المؤمنين بالديانتين على أن تكون مساراً ملزما لكافة المؤسسات التابعة لمرجعيتهما وأن تدرس في جميع المعاهد والجامعات والمؤسسات التربوية وأن تذاع نصوصها على كافة المنابر الدينية وتشكل لجان مشتركة مسيحية- إسلامية في كافة البلاد لوضع الآلية التنفيذية لبنود هذه الوثيقة.
ويبقى السؤال هل من خطوة إيجابية يستكملها العلمانيون ويخطوها إزاء بنود هذه الوثيقة، فتتم المصالحة بين هذين التيارين الفكريين اللذين تتقاسمهما البشرية. كتاب “عودة الدين الى المجال العمومي” للصديق الدكتور أدونيس العكرة نافذة مطلة للإجابة عن هذا السؤال.