مقاربات في العلاقات الإسلامية المسيحية
بات معروفاً لدى كثيرين من المتتبعين للعلاقات الإسلامية المسيحية بأن أساس هذه العلاقة كانت تلك الإطلالة المتسامحة – بشكل عام – التي تبادل بها المسيحيون والمسلمون علاقاتهم مع بعضهم البعض منذ بزوغ فجر الإسلام.
الإطلالة الأولى : وهي إطلالة الراهب بحيرة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة عندما كان النبي غلاماً يافعاً يسافر مع عمه إلى الشام للتجارة (وهي الرواية المذكورة في الطبقات الكبرى، لمؤلفه محمد بن سعد بن منيع الزهري، مكتبة الخانجي، القاهرة) وإنه في ذات يوم في سفره أتاه راهب، فقال : إن فيكم رجلاً صالحاً، فقال : إن فينا من يقري الضيف ويفك الأسير ويفعل المعروف، أو نحواً من هذا، ثم قال : إن فيكم رجلاً صالحاً، ثم قال : أين أبو هذا الغلام ؟ قال : ها أنا ذا وليه ، أو قيل. هذا وليه، قال : احتفظ بهذا الغلام ولا تذهب به إلى الشام، إن اليهود حسد، وإني أخشاهم عليه، قال : ما أنت تقول ذاك ولكن الله يقول، فرده ، قال . اللهم إني أستودعك محمداً، ثم إنه مات بعد ذلك.
الإطلالة الثانية : وهي إطلالة أحد كبار أحبار المسيحية ورقة بن نوفل ابن عم خديجة زوجة النبي محمد و هو أحد الأربعة الذين تنصروا بعد أن اجتمعوا في يوم احتفال قريش بصنم من أصنامهم وتحدثوا فيما بينهم، واجتمعت كلمتهم على أن قريشاً انحرفت عن دين إبراهيم عليه السلام، وأنه لا معنى لعبادة الأصنام، وانطلقوا يبحثون عن دين إبراهيم الصحيح.
هذه الإطلالة تذكر بأنه بعدما أكرم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة كان ورقة شيخاً كبيراً قد عمي -كما قال الذهبي – فذهبت إليه خديجة فأخبرته بما جرى للنبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء، وكيف جاءه جبريل عليه السلام كما أخبرها الرسول صلى الله عليه وسلم. فقال ورقة: قدوس قدوس، والذي نفس ورقة بيده إن كنت أصدقتني يا خديجة، لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي لموسى، وإنه لنبي هذه الأمة، وان قومه ليكذبنه، وليؤذينه، وليخرجنه وليقاتلنه فقولي له : فليثبت… فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة. ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج فلقيه ورقة فقال: يا ابن أخي: أخبرني بما رأيت وسمعت، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ورقة: والذي نفس ورقة بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي كان يأتي لموسى ، ولئن أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصراً يعلمه، ثم دنا من رسول الله صلى الله فقبل رأسه.. ثم لم ينشب ورقة أن توفي قبل أن يظهر الإسلام.
الإطلالة الثالثة : وهي إطلالة عداس المسيحي من أهل نينوى عندما كان النبي محتاجاً أشد الإحتياج الى المواساة بعد أن أدمى أهل الطائف جسده الشريف بالضرب بالحجارة والإهانات، جاءه عداس بعد أن لجأ النبي إلى بستان وأعطاه قطفاً من عنب ، ووضعه بين يديه ليأكل منه، فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يده ، قال : باسم الله ، ثم أكل ، فنظر عداس في وجهه ، وقال : والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس ، وما دينك ؟ قال : نصراني ، وأنا رجل من أهل نينوى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قرية الرجل الصالح يونس بن متى ، فقال له عداس : وما يدريك ما يونس بن متى ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك أخي ، كان نبيا وأنا نبي ، فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه.
الإطلالة الرابعة : إطلالة النجاشي ملك الحبشة وموقفه من الصحابة الذين هاجروا بأمر من النبي الى أرض الحبشة خوفاً من قتل المشركين لهم وقال لهم النبي بأن فيها ملكاً صالحاً. وإطلالة النجاشي كانت في رده وفد المشركين الذي طالبوه بتسليم المسلمين لهم لاعادتهم الى مكة، حيث أمن المسلمين بالبقاء في أرض الحبشة الى الوقت الذي يحلوا لهم ثم قال لهم بعد أن قرأ عليه جعفر بن أبي طالب -رضى الله عنه- آيات من سورة مريم: {إن هذا والذي جاء به المسيح ليخرج من مشكاة واحدة}.
الإطلالة الخامسة : وهي إطلالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم على وفد نجران واستقباله لهم داخل مسجده النبوي. تقول كتب السيرة بأنهم كانوا ستون راكباً قدموا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ودخلوا عليه مسجده حين صلى العصر وكانوا يضعون صلبانهم وحليهم، يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) يومئذ : ما رأينا بعدهم وفداً مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا يتهيئون الخروج فأذن لهم رسول الله الصلاة في المسجد وقال لصحابته: دعوهم. فصلوا إلى المشرق، وصلى المسلمون من الجانب الآخر للمسجد.
الإطلالة السادسة : وهي تأسيس النبي محمد صلى الله عليه وسلم لمجموعة من الإلتزامات والعهود بينه وبين وبين نصارى نجران ومن بعده بين المسلمين والمسيحيين في كافة العصور، من أهم هذه الإلتزامات :
أولا، “ان احمي جانبهم – اي النصارى – وأذبّ عنهم وعن كنائسهم وبيعهم وبيوت صلواتهم ومواضع الرهبان ومواطن السياح، حيث كانوا من جبل او واد او مغار او عمران او سهل او رمل”.
ثانيا، “ان احرس دينهم وملتهم اين كانوا؛ من بر او بحر، شرقا وغرباً، بما احفظ به نفسي وخاصتي، واهل الاسلام من ملتي”.
ثالثا، “ان ادخلهم في ذمتي وميثاقي واماني، من كل اذى ومكروه او مؤونة او تبعة. وان اكون من ورائهم، ذابا عنهم كل عدو يريدني واياهم بسوء، بنفسي واعواني واتباعي واهل ملتي”.
رابعا، “ان اعزل عنهم الاذى في المؤن التي حملها اهل الجهاد من الغارة والخراج، الا ما طابت به انفسهم. وليس عليهم اجبار ولا اكراه على شيء من ذلك”.
خامسا، “لا تغيير لأسقف عن اسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته، ولا سائح عن سياحته، ولا هدم بيت من بيوت بيعهم، ولا ادخال شيء من بنائهم في شيء من ابنية المساجد، ولا منازل المسلمين. فمن فعل ذلك فقد نكث عهد الله وخالف رسوله وحال عن ذمة الله”.
سادسا، “ان لا يحمل الرهبان والاساقفة، ولا من تعبد منهم، او لبس الصوف، او توحد في الجبال والمواضع المعتزلة عن الامصار شيئا من الجزية او الخراج…”.
سابعا، “لا يجبر احد ممن كان على ملة النصرانية كرها على الاسلام. “ولا تجادلوا اهل الكتاب الا بالتي هي احسن”. ويخفض لهم جناح الرحمة ويكف عنهم اذى المكروه حيث كانوا، واين كانوا من البلاد”.
ثامنا، “ان اجرم واحد من النصارى او جنى جناية، فعلى المسلمين نصره والمنع والذب عنه والغرم عن جريرته، والدخول في الصلح بينه وبين من جنى عليه. فإما مُنّ عليه، او يفادي به”.
تاسعا، “لا يرفضوا ولا يخذلوا ولا يتركوا هملا، لأني اعطيتهم عهد الله على ان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين”.
عاشرا، “على المسلمين ما عليهم بالعهد الذي استوجبوا حق الذمة، والذب عن الحرمة، واستوجبوا ان يذب عنهم كل مكروه، حتى يكونوا للمسلمين شركاء فيما لهم، وفيما عليهم”.
حادي عشر، “لهم ان احتاجوا في مرمة – ترميم – بيعهم وصوامعهم، او شيء من مصالح امورهم ودينهم، الى رفد من المسلمين وتقوية لهم على مرمتها – ترميمها -، ان يرفدوا على ذلك ويعاونوا، ولا يكون ذلك دينا عليهم، بل تقوية لهم على مصلحة دينهم ووفاء بعهد رسول الله موهبة لهم ومنة لله ورسوله عليهم[1]“
الإطلالة السابعة : وهي إطلالة قائد جيوش المسلمين في زمن عمر بن عبد العزيز قتيبة بن مسلم الباهلي : في هذه الإطلالة التي يجمع عليها المؤرخون عن الفتح العربي تروي قصة فتح المسلمين لمدينة سمرقند، حيث ذكر بأنه بعد فتحها أرسل كبير كهنتها رسالة الى الخليفة عمر بن عبد العزيز يشكو فيها قائد الجيوش قتيبة بن المسلم الباهلي، فأرسل عمر ابن عبد العزيز رسالة الى القاضى للنظر فيها فعقد القاضى جلسة محاكمة لقائد الجيوش أمام كبير الكهنة وأقر قائد الجيوش قتيبة بما فعله متذرعاً بأنها الحرب والخديعة فرد عليه القاضي قائلا يا قتيبة ما نصر الله هذه الأمة إلا بالدين واجتناب الغدر وإقامة العدل ثم قال : قضينا بإخراج جميع المسلمين من أرض سمرقند من حكام وجيوش ورجال وأطفال ونساء وأن تترك الدكاكين والبيوت، وأنْ لا يبقى في سمرقند أحد من المسلمين، وبعد ساعات قليلة من صدور قرار القاضي سمع أهل سمرقند بجلبة تعلو وأصوات تعلن خروج الجيوش فسألوا فقيل لهم إنَّ حكم القاضي قد نُفِذَ وأنَّ الجيش قد انسحب ، ولم يتمالك الكهنة وأهل سمرقند أنفسهم لساعات أكثر، حتى خرجوا أفواجاً وكبير الكهنة أمامهم باتجاه معسكر المسلمين وهم يطلبون عودة الجيوش نظراً لما وجدوه من عدل ورحمة لديهم.
الإطلالة الثامنة : وهي إطلالة الإمام الأوزاعي التي أطل بها على مسيحيي لبنان ليحميهم من ظلم الوالي العباسي، حدث ذلك في أيام ثورة أهل المنيطرة المسيحيين ضد الوالي العباسي صالح بن علي أيام خلافة المنصور الذي أرهقهم بالضرائب الباهظة فأمر جنوده بوضع حد لهذه الثورة عن طريق استخدام العنف والقسوة مع الأهالي بل وطردهم من قراهم ومصادرة أموالهم ، فما كان من الإمام الأوزاعي إلا أن نهره برسالة مطولة على ما اقترفه جنوده وطالبه بعودة الأهالي إلى قراهم وتسليمهم أموالهم مذكراً أياه بحديث رسول الله : ” وقد كان من إجلاء أهل الذمة من أهل جبل لبنان ممن لم يكن ممالئاً لمن خرج على خروجه ، ممن قتلت بعضهم ، ورددت باقيهم إلى قراهم ما قد علمت . فكيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة ، حتى يخرجوا من ديارهم وأموالهم . وحكم الله تعالى : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ” وهو أحق ما ُوقف عنده واقتُدِي به . وأحق الوصايا أن تحفظ وترعى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه قال : من ظلم معاهداً أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه ، ومن كانت له حرمة من دمه فله في ماله، والعدل عليه مثلها . فإنهم ليسوا بعبيد، فتكونوا من تحويلهم من بلد إلى بلد في سعة. ولكنهم أحرار أهل ذمة ..” والجدير بالذكر بأن الدولة العباسية في هذه الفترة شهدت تنكيلا وعنفا لم يسبق له مثيل في التاريخ الإسلامي ضد معارضيهم. فكانت شجاعة الإمام الأوزاعي لامثيل لها في الوقوف أمام ظلم الولاة والحكام.
الإطلالة التاسعة : ما نص عليه ابن حزم في مراتب الإجماع له : أن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموت دون ذلك صونا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة. وعلق الإمام القرافي على هذا فقال: (فعقد يؤدي إلى إتلاف النفوس والأموال صونا لمقتضاه عن الضياع إنه لعظيم).
الإطلالة العاشرة : وهي التي وقف فيها شيخ الإسلام الزنبلي ضد إرادة السلطان العثماني في إكراه المسيحيين من الدخول في الإسلام، ولحمل السلطان على تغيير رأيه ذهب شيخ الإسلام الى البطريرك المسيحي الذي كانت تربطه به صداقة، وأخبره بإرادة السلطان وما ينبغي فعله من حمله على تغيير رأيه. وقد اتفقا معاً الى الذهاب الى السلطان، وفي ذلك اليوم ذهبا اليه وأخبراه بأن هناك وثيقة وقعها السلطان محمد الفاتح تعهد فيها بعدم إكراه المسيحيين على دخول الإسلام وأن هذه الوثيقة قد أحرقت وهناك من قادة الجيوش من يشهد عليها، وبهذه الطريقة أقنعاه بالعدول عن رأيه وحفظا الإسلام من مخالفة شرع الله بعدم جواز الإكراه على الإسلام، وحفظا للمسيحيين حقهم في الاعتقاد بدينهم وممارسة شعائرهم دون خوف من اضطهاد الدولة والناس لهم.
الأزمة في العلاقة بين المسلمين والمسيحيين :
هذا المنحى الإسلامي التسامحي وغير المتعصب الذي تكلمنا عنه لاينفي وجود أزمات من الإضطهاد ضد المسيحيين بشكل خاص، تعود أسبابها الى جهل بعض المسلمين من موقف الإسلام الثابت من قبول الآخر المختلف دينياً ، ولكن لم يكن في معظمه كما يذكر ذلك كثير من المستشرقين المسيحيين مثل Gibb et Bowen اضطهاداً دينياً وإن استخدم الدين كغطاء له وإنما كان في الغالب بسبب المتغيرات الإقليمية الناتجة عن ارتباط بعض المسيحيين وعلاقاتهم بالدول التي كانت في حروب مع الدول الإسلامية ، والدليل على ذلك كما يجمع المؤرخون اليهود بأن التسامح الإسلامي اتجاه اليهود لم يكن له مثيل في أي دين ومجتمعات أخرى غير إسلامية وذلك بسبب عدم وجود علاقات كانت تربطهم في وقتها بدول أجنبية كما هو الحال مع بعض المسيحيين، رغم أن الآيات القرآنية التي تحذر من علاقة المسلمين باليهود كثيرة عكس الآيات القرآنية التي تحبذ إلى إقامة علاقات إيجابية وبناءة مع المسيحيين الذين تصفهم بأنهم أقرب مودة إلى المسلمين من غيرهم وأن فيهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون.
هذه الأزمة في العلاقة المسيحية الإسلامية كان سببها إذاً كما يذكر معظم المؤرخون ارتباط كثير من الدول التي بينها وبين الدولة الإسلامية عداوة بالمسيحيين، مما نتج عنه محاولة هذه الدول في التدخل بشؤون الدولة الإسلامية بذريعة حماية المسيحيين. نضيف أزمة أخرى ناتجة عن فهم بعض النصوص الدينية المسيحية وتطويعها لخدمة الأطماع السياسية والتوسعية. هذا الأمر أدى الى نشوب الحروب الصليبية لأكثر من مائتي سنة وإلى حروب المائة سنة بين الكاثوليك والبروتستانت، ثم إلى اتباع سياسة تقويض السلطنة العثمانية وتوزيع حصصها على دول احتلال وانتداب. واذا قفزنا سريعاً فوق الأحداث فإننا سنجد بأن المبررات التي ساقها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش توحي بأن الحرب الامريكية على العراق كانت ضمن هذا السياق اللاهوتي الذي ينادي به التيار المسيحي الجديد المتصهين في الولايات المتحدة الأمريكية.
قبل المجمع الفاتيكاني الثاني الذي أقر سنة 1965 كانت النظرة اللاهوتية الكاثوليكية ترى في وحدة جسد المسيح مبرراً لحمل كل المسيحيين الى الإنضمام الى هيكلية واحدة يكون فيها التفرق واعتناق الأفكار المسيحية الأخرى خروجاً عن تعاليم الكنيسة ومبرراً لشن الحروب عليها وعدم السماح لها بالتعبير حتى عن وجهة نظرها، بل إن هذه النظرة التي كانت سائدة في العصور الوسطى لم تعتبر حتى الأديان والمعتقدات الأخرى هي أدياناً، فيذكر قاموس Furetière في سنة 1690 بأن كلمة الدين تطلق فقط على المسيحية الرسولية الرومانية وأن كل الفرق الباقية لا يطلق عليها تعبير الدين الا تجاوزاً.
هذه النزعة اللاهوتية ومن خلال مساهمة بعض الشخصيات الرائدة في مسائل الحوار الديني من أمثال لويس ماسينيون الذي لقبه البابا بولس السادس بالكاثوليكي المسلم، والمستشرق لويس غارديه ومكسيموس الرابع تطورت بشكل أساسي وجوهري لتصبح نظرة لاهوتية منفتحة على العالم وعلى الأديان والثقافات وذلك من خلال مقررات المجمع الفاتيكاني الثاني، وما تبعه بعد ذلك من البيانات اللاهوتية مثل البيان اللاهوتي الذي قدمه لويه غارديه سنة 1966.
لا شك بأن مقررات هذا المجمع الفاتيكاني الثاني هي من ضمن هذه الكلمات الخيرة التي كتبت لتجمع وتقرب بين المؤمنين من مختلف الديانات ، وهي كخطوة أولى خطتها الكنيسة اتجاه المؤمنين بالدين الإسلامي تعتبر قفزة نوعية وضرورية وهامة جداً. فالدين الإسلامي وعبر القرآن الكريم وجه نداءً للمسيحيين وابناء الديانة اليهودية منذ خمسة عشر قرناً للإقرار والإجتماع على الإيمان بالله الواحد فجاء في القرآن الكريم : ” قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ” ، وقال أيضاً : ” وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ” . فالمؤمنون مدعوون دائماً إلى الإجتماع حول الكلمة السواء التي تجمعهم وتقارب بينهم وهي عبادة الله الواحد . ومن هنا كان تأكيد المجمع الفاتيكاني الثاني على أن الكنيسة تنظر بعين الإعتبار إلى المسلمين الذين يعبدون الله الأحد الحي القيوم الرحمن القدير فاطر السموات استجابة إلى النداء القرآني في سبيل الكلمة السواء بين المؤمنين جميعاً، والذي طالما انتظره المسلمون من أخوتهم أتباع السيد المسيح عليه السلام.
ومن خلال القراءة الإسلامية لفحوى المقرر الفاتيكاني فإننا نلاحظ بأن هذا المقرر لم يتحدث عن الإسلام مباشرة وإنما تكلم عن المسلمين ، ولم يتحدث عن نبي الإسلام الذي كانت له مواقف كثيرة في الحوار الإسلامي المسيحي وهو الذي كان يخاطب مؤمنيه ويحدثهم عن أخيه المسيح عيسى ابن مريم ، بل ويفتخر بأن هذه الأمة ستكون مباركة ومحاطة برعاية الله وحفظه كيف لا وهو الذي يقول : كيف تهلك أمة أنا أولها وعيسى ابن مريم آخرها ، بمعنى أن المسيح عليه السلام هو الذي سوف يكون على رأس هذه الأمة وهو الذي سيقودها قبل قيام الساعة. وهو الذي يقول أيضاً من آذى ذمياً فأنا خصمه ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة.
وأيضاً فإن هذه المقررات لم تتحدث عن مكانة سيدنا ابراهيم في الإسلام كما ألمحت بمكانته في اليهودية إذ أشارت إلى الرابط الروحي الذي يجمع ابناء العهد الجديد باليهود أبناء سيدنا إبراهيم، وما المسلمون والمسيحيون العرب إلا الأبناء الأوائل لسيدنا ابراهيم عن طريق ابنه البكر اسماعيل عليه السلام.
وأما عن العلاقة مع المسلمين فلم ترق إلى نفس المستوى الذي تحدث به المجمع عن اليهود ، فالمسلمون آمنوا ببشارة الملك جبريل التي ساقها إلى مريم بولادة السيد المسيح، والمسلمون آمنوا بطهارة السيدة مريم وحبلها بلا دنس وبأنها حفظت وابنها من الشيطان الرجيم منذ ولادتها، والإسلام وضعها في أرقى موضع لم تصل إليه أي امرأة لا في حياتنا الدنيوية ولا في الحياة الأخروية، فالله اصطفاها وطهرها واصطفاها على نساء العالمين وهي سيدة نساء أهل الجنة في الآخرة ، والإسلام أيضاً آمن برسالة السيد المسيح واعتبره من اولي العزم من الرسل واعتبر الإنجيل فيه هدى ورحمة للناس، بل وجعل المسيح آية من آيات يوم القيامة. وأما اليهود فيكفيهم ضلالة بأنهم لم يؤمنوا بالمسيح وحاربوه ورموا أمه الطاهرة البتول بأبشع الإتهامات.
غير انه يمكن القول بشكل عام بأن توجه الانفتاح على الأديان الأخرى والدعوة إلى بناء أسس للسلام لم يكن أمرا شخصيا حددته شخصية البابا بمقدار ما كان اتجاهاً عاماً للكنيسة الكاثوليكية منذ منتصف الستينيات، وخير دليل على ذلك هو أن حظوظ الباباوات اللاحقين من هذا التفاعل كانت واضحة وفاعلة، ولا ننسى في هذا المضمار ما قام به البابا الطيب الذكر “يوحنا بولس الثاني” من أجل دعم السلام العالمي والمساهمة الحقيقية في إقصاء الشيوعية عن بولونيا وعن سائر بلاد أوروبا الشرقية، ولا ننسى على صعيد العلاقات الاسلامية المسيحية من أنه البابا الأول في تاريخ الكنيسة الذي جال العالم شرقا وغربا وخلع نعليه على عتبة مسجد وسأل الصفح والغفران عن أخطاء وخطايا الماضي تجاه العالم العربي والإسلامي شفاهة في العديد من المناسبات والزيارات التي قام بها.
غير أن النصوص اللاهوتية للمسيحية الجديدة المتصهينة التي نشأت في الولايات المتحدة الأمريكية تتناقض تماماً مع هذه الروح الرحبة والداعمة للسلام ، حيث يرسم المسيحيون المتصهينون سياستهم الدولية وفق قاعدة جماهيرية تؤمن بحرب المقدسات لإعادة أمجاد أورشليم ارض الميعاد حيث تبلورت عقيدة شعب الله المختار وأبناء الله وأحبائه كما أعطتهم الشرعية التي يدعونها لقيادة حرب مقدسه لاستعادة المقدسات في فلسطين خصوصا والشرق الأوسط عموما.
وأما من الجانب الإسلامي فإن ما كان يشغل الفكر السياسي الإسلامي قديماً هو عدم وضع المعوقات للحؤول دون نشر الدعوة الى الدين الجديد وعدم وضع الدول المجاورة للعوائق التي تحول دون إعلام الناس والشعوب بعقيدة الإسلام، مما كان يعتبر مبرراً للفتوحات الإسلامية. أما وإن الأمر قد أصبح دون جدوى باعتبار أن رسالة الإسلام قد وصلت إلى كل شعوب العالم ولم يبق أمام الأفراد والجماعات إلا الاستماع والمشاهدة والقراءة ليصلوا إلى أي معلومة تخص الإسلام وهذا ما بشر به النبي محمداً عندما ذكر بأنه لا تقوم الساعة حتى يدخل الاسلام كل مضر وحضر فلم يعد هناك مبرراً للتقسيم القديم للعالم إلى دار حرب ودار إسلام، وقد أصبح هذا التقسيم مرفوضاً باعتبار المواثيق والمعاهدات الملزمة بين الدول بل وإن المفهوم الحديث للدولة وللقوانين الدولية قد تطور وتغير بشكل اساسي مما ينتج عنه اعتبار هذا التقسيم غير ذي فائدة ويتوجب إهماله. وكذلك فإن مفهوم الجهاد الذي نادى به جل الفقهاء لإرضاخ دار الحرب وتخيير سكانه بين الدخول إلى الإسلام أو دفع الجزية قد أصبح وراء أظهرنا لنفس الأسباب المذكورة آنفاً مما يحتم علينا استبداله بمفهوم أكثر واقعية وتطوراً بحيث لا يبقى منه إلا ما كان متوافقاً مع الجهاد الدفاعي في حال الدفاع عن النفس والعقيدة والممتلكات، إضافة إلى اعتبار أن عقد الذمة كان عقداً تفاوضياً تاريخياً وقعه النبي مع بعض المسيحيين في شبه الجزيرة العربية وبانتهاء الدولة الإسلامية التي أبرمته فإن هذا العقد ينتهي، خاصة وأن المسيحيين الحاليين تشاركوا مع المسلمين في مقاومة الأطماع الخارجية للإستعمار الأجنبي ودافعوا عن البلاد ونشأت عن مقاومتهم دول اليوم التي تقوم على شكل جديد من أشكال السيادة الوطنية لم يكن معروفاً في الإسلام حيث كانت السيادة سابقاً تقوم على انتصار منتصر وانهزام منهزم أما السيادة الحالية فهي قائمة على المشاركة الفعلية التي يتساوى طرفاها في الحقوق والواجبات ( كتاب للدين والوطن، لمؤلفه د. محمد سليم العوا، نهضة مصر – القاهرة)
[1] نص المعاهدة :
هذا كتاب كتبه محمد بن عبد الله إلى كافة الناس أجمعين بشيراً ونذيراً ومؤتمناً على وديعة الله فى خلقه لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً كتبه لأهل ملته ولجميع من ينتحل دين النصرانية من مشارق الأرض ومغاربها قريبها وبعيدها فصيحها وعجميها معروفها ومجهولها كتاباً جعله لهم عهداً فمن نكث العهد الذى فيه وخالفه إلى غيره وتعدى ما أمره كان لعهد الله ناكثاً ولميثاقه ناقضاً وبدينه مستهزئاً وللّعنة مستوجباً سلطاناً كان أو غيره من المسلمين المؤمنين- لا يغير أسقف من أسقفيته ولا راهب من رهبانيته ولا حبيس من صومعته ولا سايح من سياحته ولا يهدم بيت من بيوت كنائسهم وبيعهم ولا يدخل شئ من بناء كنايسهم فى بناء مسجد ولا فى منازل المسلمين فمن فعل شئ من ذلك فقد نكث عهد الله وخالف رسوله ولا يحمل على الرهبان والأساقفة ولا من يتعبد جزيةً ولا غرامة وأنا أحفظ ذمتهم أين ما كانوا من بر أو بحر فى المشرق والمغرب والشمال والجنوب وهم فى ذمتى وميثاقى وأمانى من كل مكروه – ولا يجادلوا إلاّ بالتى هى أحسن ويحفظ (ويخفض) لهم جناح الرحمة ويكف عنهم أذى المكروه حيث ما كانوا وحيث ما حلوا – ويعاونوا على مرمّة بيعهم وصوامعهم ويكون ذلك معونة لهم على دينهم وفعالهم بالعهد “.