الإرشاد الرسولي وواقع المنطقة – محاضرة في مؤتمر عن الإرشاد الرسولي في الجامعة اليسوعية
الإرشاد الرسولي وواقع المنطقة – محاضرة في مؤتمر عن الإرشاد الرسولي في الجامعة اليسوعية
الإرشاد الرسولي وواقع المنطقة
في مستهل حديثي لا بد لي من أن أحيي ذكرى لويس ماسينيون الذي لقبه البابا بولس السادس بالكاثوليكي المسلم، وأيضاً المستشرق لويس غارديه اللذين كان لهما الفضل الكبير في إضافة وصياغة مقررات المجمع الفاتيكاني الثاني الخاص بالإسلام. دون أن أنسى الدور الذي قام به الأساقفة العرب وخاصة مكسيموس الرابع في المطالبة بكتابة نص يخص العلاقة مع المسلمين استكمالاً للنص الذي كتب عن العلاقة مع اليهود.
عبر هذه الوقفة على ذكرى هؤلاء الرواد أود أن أؤكد الى أن ما جاء في الإرشاد الرسولي وخاصة في مجال الحديث عن العلاقة مع المسلمين يتوافق مع ما رسمه الدين الإسلامي في نظرته للمسيحيين خاصة ولأهل الكتاب عامة. فقد وجه القرآن الكريم نداءً للمسيحيين و اليهود منذ خمسة عشر قرناً للإقرار والإجتماع على الإيمان بالله الواحد فجاء في القرآن الكريم : ” قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ” ، وقال أيضاً : ” وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون “. ومن هنا كان تأكيد المجمع الفاتيكاني الثاني والأرشاد الرسولي على أن الكنيسة تنظر بعين الإعتبار إلى المسلمين الذين يعبدون الله الواحد الأحد خالق جميع البشر.
غير أنه من خلال القراءة الإسلامية لفحوى العلاقات الإسلامية المسيحية ولما نص عليه الإرشاد الرسولي، فإنه يتبين بأن هذه العلاقة مع المسلمين لم ترق إلى نفس المستوى الذي تحدث به الإرشاد عن اليهود، وهنا أشير إلى ما أشار اليه الأب جورج مسوح :
- عن غياب كامل لموضوع فلسطين وأهلها في الإرشاد الرسولي، وقبول للواقع الصهيوني في مهد المسيحيّة. وهو يتناول وضع المسيحيّين في الشرق الأوسط من باب تسليط الأضواء على “الأصولية العنيفة التي تدّعي قيامها على أصول دينيّة” وهو يعني الحركات الإسلامية المتطرّفة لكنه، في الوقت عينه، يغفل الإشارة إلى الاحتلال الاسرائيلي الذي كان الدافع الأساسي إلى هجرة المسيحيين من مهد المسيحية. كما يشكّل الإرشاد الرسولي، في ما يتعلّق بالموضوع الفلسطيني، تراجعاً عن الوثيقة التاريخية “وقفة حقّ” (15 كانون الأوّل 2009) التي أصدرها مجموعة من الفلسطينيين المسيحيين المنتمين إلى الكنائس الفلسطينية كافّة، بما فيها التابعة للفاتيكان. أما أهمّ ما ورد في هذه الوثيقة فرفضها مقولة “اليهود شعب الله المختار”، وإقرارها بحق الفلسطينيّين بالمقاومة “فلو لم يكن الاحتلال لما كانت هناك مقاومة”. كما تدعو الوثيقة المسيحيين إلى الثبات في مقاومة الاحتلال الصهيوني، “فالمقاومة حقّ وواجب على المسيحي”.
- يتبنّى الإرشاد مقولة “الحضارة اليهودية-المسيحية” ويمتدحها من حيث كونها قدّمت للبشريّة “سبيكة نبيلة”، ويصل إلى حد الاعتراف بأن الشعبين (اليهوديّ والمسيحيّ) “نالا البركة نفسها والوعود بالحياة الأبدية”. الكلام عن الحضارة اليهودية-المسيحية أو عن اللاهوت اليهودي-المسيحي كلام لا يتوافق مع التراث المسيحي، شرقاً وغرباً، كما يذكر الأب جورج مسوح. وقد ترافق هذا الكلام مع بدايات الاستعمار الصهيوني في فلسطين استجداءً لدعم الحركات المسيحية المتطرّفة للحركة الصهيونية. كما يستعمل هذه المقولة الساعون إلى حلف يهودي-مسيحي ضدّ الإسلام والمسلمين حسب قوله.
- يتمنّى البابا في الإرشاد الرسولي “أن يتمكّن مؤمنو الشرق الأوسط أن يصبحوا هم أنفسهم حجّاجاً في الأماكن التي قدّسها الربّ نفسه، ويستطيعوا الوصول بحرية وبدون تقييد إلى الأماكن المقدسة”. مؤمنو الشرق الأوسط لا يتوقون إلى الحجّ وحسب، بل ينظرون إلى تحرير الأماكن المقدّسة من مغتصبيها، ولا يريدون منّة أحد بتأمين العبور إلى تلك الأماكن. ثمّ ان الفلسطينيين يريدون حق العودة إلى ديارهم المسلوبة والإقامة فيها، لا مجرد الحجّ أو الزيارة أو السياحة، وهذا ما أغفله الإرشاد الرسوليّ.
ومع ذلك كله فإن الارشاد الرسولي يحمل في طياته عناوين سامية : في مواضيع الحوار بين الاديان والتعاون بين كل شعوب منطقة الشرق الأوسط، وفي موضوع المهاجرين وخاصة المسيحيين اللبنانيين الذين فاق عددهم في أيام السلم أكثر بكثير من عدد الذين هاجر منهم خلال مدة الحرب واصفاً هذه الهجرة بـ”النزيف” ما يضع المسيحيين “في موقف حساس يتحسسون من خلاله النتائج السلبية للنزاعات ويشعرون أحيانا بالذل رغم مشاركتهم عبر العصور ببناء دولهم”. وأردف قائلاً إن “شرق أوسط من دون مسيحيين او مع مسيحيين قلائل لا يعود الشرق الاوسط”. موجها نداءاً لهم بضرورة التمسك بأوطانهم حيث ولدوا وترعرعوا. وموجهاً كذلك نداءاً إلى المسؤولين السياسيين والدينيين الى تجنب سياسات وإستراتيجيات توصل الى شرق اوسط من لون واحد لا يعكس حقيقته الانسانية والتاريخية”.
كما يدعو الارشاد المسيحيين والمسلمين واليهود إلى “استئصال الأصولية الدينية”، معتبراً أن “هذا التهديد يطاول من دون تفرقة وبشكل قاتل المؤمنين من كل الأديان”. وشدد على أن “مسيحيي الشرق الأوسط لديهم الحق والواجب في المشاركة الكاملة في الحياة المدنية.